في أعمال الباطن في التلاوة

وهي عشرة

فهم أصل الكلام. ثم التعظيم. ثم حضور القلب. ثم التدبر. ثم التفهم. ثم التخلي عن موانع الفهم. ثم التخصيص. ثم التأثر. ثم الترقي. ثم التبري.

فالأول: فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالى ولطفه بخلقه في نزوله عن عرش جلاله إلى درجة إفهام خلقه. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه؟ وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله عز وجل إلا بوسيلة صفات نفسه. ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولا ثري ولتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات نوره. ولولا تبيت الله عز وجل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادي تجليه حيث صار دكاً. ولا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة على حد فهم الخلق. ولهذا عبر بعض العارفين عنه فقال: إن كل حرف من كلام الله عز وجل في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف وإن الملائكة عليهم السلام لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يقلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل عليه السلام وهو ملك اللوح فيرفعه فيقله بإذن الله عز وجل ورحمته لا بقوته وطاقته ولكن الله عز وجل طوقه ذلك واستعمله به، ولقد تألق بعض الحكماء في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معاني الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان وتثبيته مع قصور رتبته وضرب له مثلاً لم يقصر فيه؛ وذلك أنه دعا بعض الملوك حكيم إلى شريعة الأنبياء عليهم السلام فسأله الملك عن أمور فأجاب بما لا يحتمله فهمه؛ فقال الملك: أرأيت ما تأتي به الأنبياء إذا ادعت أنه ليس بكلام الناس وأنه كلام الله عز وجل فكيف يطيق الناس حمله؟ فقال الحكيم: إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها ورأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه وتزيينه وبديع نظمه، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائم وأوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهائم بأصوات يضعونها لائقة بهم من النقر والصفير والأصوات القريبة من أصواتها لكي يطيقوا حملها. وكذلك الناس يعجزون عن حمل كلام الله عز وجل بكنهه وكمال صفاته. فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت النقر والصفير الذي سمعت به الدواب من الناس. ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءة في تلك الصفات من أن شرف الكلام أي الأصوات لشرفها وعظم لتعظيمها، فكان الصوت للحكمة جسداً ومسكناً والحكمة للصوت نفساً وروحاً. فكما أن أجساد البشر تكرم وتعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها. والكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل. وهو القاضي العدل والشاهد المرتضى يأمر وينهى. ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقول قدام شعاع الشمس ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس، ولكنهم ينالون من ضوء عين الشمس ما تحيا به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم فقط. فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه النافذ أمره وكالشمس الغزيرة الظاهرة مكنون عنصرها وكالنجوم الزهرة التي قد يهتدي بها من لا يقف على سيرها فهو مفتاح الخزائن النفيسة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ودواء الأسقام الذي من سقي منه لم يسقم. فهذا الذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام والزيادة عليه لا تليق بعلم المعاملة فينبغي أن يقتصر عليه.

الثاني: التعظيم للمتكلم: فالقارىء عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم ويعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر وأن في تلاوة كلام الله عز وجل غاية الخطر فإنه تعالى قال “لا يمسه إلا المطهرون” وكما أن ظاهر جلد المصحف وورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهراً، فباطن معناه أيضاً بحكم عزه وجلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهراً عن كل رجس ومستنيراً بنور التعظيم والتوقير. وكما لا يصلح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان ولا لنيل معانيه كل قلب. ولمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشى عليه ويقول: هو كلام ربي هو كلام ربي؟ فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم ولن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته وجلاله وأفعاله. فإذا حضر بباله العرش والكرسي والسموات والأرض وما بينهما من الجن والإنس والدواب والأشجار، وعلم أن الخالق لجميعها والقادر عليها والرازق لها واحد، وأن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله ورحمته وبين نقمته وسطوته إن أنعم فبفضله وإن عاقب فبعد له، وأنه الذي يقول هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي وهذا غاية العظمى والتعالي. فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام.

الثالث: حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير “يا يحيى خذ الكتاب بقوة” أي بجد واجتهاد وأخذه بالجد أن يكون متجرداً له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال أو شيء أحب إلي من القران حتى أحدث به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه. ففي القرآن ما يستأنس به القلب إن كان التالي أهلاً له فكيف يطلب الأنس بالفكر في غيره وهو في متنزه ومتفرج والذي يتفرج في المتنزهات لا يتفكر في غيرها؟ فقد قيل إن في القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضاً وخانات فالميمات ميادين القرآن والراءات بساتين القرآن والحاءات مقاصيره والمسبحات عرائس القرآن والحاميمات ديابيج القرآن والمفصل رياضه والخانات ما سوى ذلك فإذا دخل القارىء الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديابيج وتنزه في الرياض وسكن غرف الخانات استغرقه ذلك وشغله عما سواه فلم يعز قلبه ولم يتفرق فكره.

الرابع: التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره. والمقصود من القراءة التدبر. ولذلك سن لأن الترتيل فيه الترتيل في الظاهر ليتمكن من التدبر بالباطن. قال علي رضي الله عنه: لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها. وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام. فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام بآية أخرى كان مسيئاً مثل من يشتغل بالتعجب من كلمة واحدة مما يناجيه عن فهم بقية كلامه. وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر بالتعجب من كلمة واحدة ممن يناجيه عن فهم بقية كلامه. وكذلك إن كان في تسبيح الركوع وهو متفكر في آية قرأها إمامه فهذا وسواس. فقد روي عن عامر بن عبد قيس أنه قال: الوسواس يعتريني في الصلاة، فقيل: في أمر الدنيا؟ فقال: لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك، ولكن يشتغل قلبي بموقفي بين يدي ربي عز وجل. وأني كيف انصرف، فعد ذلك وسواساً وهو كذلك فإنه يشغله عن فهم ما هو فيه والشيطان لا يقدر على مثله إلا بأن يشغله بمهم ديني ولكن يمنعه به عن الأفضل. ولما ذكر ذلك للحسن قال إن كنتم صادقين عنه فما اصطنع الله ذلك عندنا. ويروى “أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة” وإنما رددها صلى الله عليه وسلم لتدبره في معانيها. وعن أبي ذر قال “قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية يرددها وهي “إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم” الآية” وقام تميم الداري ليلة بهذه الآية “أم حسب الذين اجترحوا السيئات” الآية. وقام سعيد بن جبير ليلة يردد هذه الآية “وامتازوا اليوم أيها المجرمون” وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر. وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعد لها ثواباً، وحكي عن أبي سليمان الداراني أنه قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها. وعن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ من التدبر فيها. وقال بعض العارفين: لي في كل جمعة ختمة وفي كل شهر ختمة وفي كل سنة ختمة ولي ختمه منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد. وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه. وكان هذا أيضاً يقول: أقمت نفسي مقام الأجراء فأنا أعمل مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة.

الخامس: التفهم: وهو أن يستوضح من كل أية ما يليق بها إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل. وذكر أفعاله. وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام. وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.

أما صفات الله عز وجل فكقوله تعالى “ليس كمثله شيء وهو السميع البصير” وكقوله تعالى “الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر” فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين: وإليه أشار علي رضي الله عنه بقوله ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً كتمه عن الناس إلا أن يؤتي الله عز وجل عبداً فهماً في كتابه فليكن حريصاً على طلب ذلك الفهم وقال ابن مسعود رضي الله عنه: من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن. وأعظم علوم القرآن تحت أسماء الله عز وجل وصفاته إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أموراً لائقة بأفهامهم ولم يعثروا على أغوارها.

وأما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها. فليفهم التالي منها صفات الله عز وجل وجلاله إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على عظمته. فينبغي أن يشهد في العقل الفاعل دون الفعل، فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله فهو الكل على التحقيق. ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه. ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل وأن كل شيء هالك إلا وجهه؛ لا أنه سيبطل في ثاني الحال؛ بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته من حيث هو إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود بالله عز وجل وبقدرته فيكون له بطريق التبعية ثبات وبطريق الاستقلال بطلان محض وهذا مبدأ من مبادىء علم المكاشفة: ولهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز وجل “أفرأيتم ما تحرثون – أفرأيتم ما تمنون – أفرأيتم الماء الذي تشربون – أفرأيتم النار التي تورون” فلا يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمنى بل يتأمل في المنى وهو نطفة متشابهة الأجزاء ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجل والكبد والقلب وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع والبصر والعقل وغيرها ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة كما قال تعالى “أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين” فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى عجب العجائب وهو الصفة التي منها صدرت هذه الأعاجيب فلا يزال ينظر إلى الصنعة فيرى الصانع.

وأما أحوال الأنبياء عليهم السلام: فإذا سمع منها كيف كذبوا وضربوا وقتل بعضهم. فليفهم منه صفة الاستغناء لله عز وجل عن الرسل والمرسل إليهم وأنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيئاً. وإذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله عز وجل وإرادته لنصرة الحق.

وأما أحوال المكذبين؛ كعاد وثمود وما جرى عليهم فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته ونقمته وليكن حظه منه الاعتبار في نفسه وأنه إن غفل وأساء الأدب واغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة وتنفذ فيه القضية: وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنار وسائر ما في القرآن فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه لأن ذلك لا نهاية له وإنما لكل عبد بقدر رزقه، فلا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين “قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً” ولذلك قال علي رضي الله عنه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب. فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه. ومن لم يكن له فهم ما في القرآن ولو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى “ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم” والطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم.

وقد قيل: لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان من المزيد ويستغني بالمولى عن العبيد.

السادس: التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن قال صلى الله عليه وسلم “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت” ومعاني القرآن من جملة الملكوت وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت. وحجب الفهم أربعة؛ أولها: أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه. فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعاً لمثل هذا التلبيس. ثانيها؛ أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة. فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز منه ويحترز عن مثله. ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم. فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجاباً وهو منتهى المطلب؟ وهذا التقليد قد يكون باطلاً فيكون مانعاً كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار فإن خطر له مثلاً في القدوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه.. ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثان وثالث ولتواصل. ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده الباطل. وقد يكون حقاً ويكون أيضاً مانعاً من الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات وله مبدأ ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن – كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد – ثالثها: أن يكون مصراً على ذنب أو متصفاً بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون. وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني الكلام أشد احتجاباً وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدإ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم “إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي” قال الفضيل: يعني حرموا فهم القرآن. وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى “تبصرة وذكرى لكل عبد منيب” وقال عز وجل “وما يتذكر إلا من ينيب” وقال تعالى “إنما يتذكر أولو الألباب” فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب. رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي في الباب الرابع وأن ذلك لا يناقض قول علي رضي الله عنه إلا أن يؤتي الله عبداً فهماً في القرآن. وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لما اختلفت الناس فيه.

السابع: التخصيص وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المنهي والمأمور وإن سمع وعداً أو وعيداً فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي صلى الله عليه وسلم وأمته. ولذلك قال تعالى “ما نثبت به فؤادك” فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى. وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين؟ ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى “واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به” وقال عز وجل “لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم.

كذلك يضرب الله للناس أمثالهم. واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم. هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين” وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد فهذا القارىء الواحد مقصود فما له ولسائر الناس فليقدر أنه المقصود قال الله تعالى “وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ” قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله. وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه. ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات. وكان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض. وقال قتادة: لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان قال تعالى “هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً”.

الثامن: التأثر وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره. ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه فإن التضييق غالب على آيات القرآن فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقروناً بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله عز وجل “وإني لغفار” ثم أتبع ذلك بأربعة شروط “لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى” وقوله تعالى “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” ذكر أربعة شروط وحيث اقتصر ذكر شرطاً جامعاً فقال تعالى “إن رحمة الله قريب من المحسنين” فالإحسان يجمع الكل وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره. ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن.

ولذلك قال الحسن: والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته. وقال وهيب بن الورد نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئاً أرق للقلوب ولا أشد استجلاباً للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره. فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت. وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح. وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله واستشعاراً لعظمته. وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولداً وصاحبة يغض صوته ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم. وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقاً إليها. وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود “اقرأ علي قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً” رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: حسبك الآن” وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية. ولقد كان في الخائفين من خر مغشياً عليه عند آيات الوعيد. ومنهم من مات في سماع الآيات. فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكياً في كلامه. فإذا قال “إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم” ولم يكن خائفاً كان حاكياً. وإذا قال “عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير” ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكياً. وإذا قال “ولنصبرن على ما آذيتمونا” فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة. فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى “ألا لعنة الله على الظالمين” وفي قوله تعالى “كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” وفي قوله عز وجل “وهم في غفلة معرضون” وفي قوله “فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا” وفي قوله تعالى “ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون” إلى غير ذلك من الآيات وكان داخلاً في معنى قوله عز وجل “ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني” يعني التلاوة المجردة وقوله عز وجل “وكأي من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون” لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض، ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضاً عنها. ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفاً بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى: مالك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه؛ فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت. ولذلك قال يوسف بن أسباط: إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فاعدل إلى التسبيح والاستغفار. والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل “فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون” ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه – وفي بعضها – فإذا اختلفتم فقوموا عنه” قال الله تعالى “الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياتهم زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون” وقال صلى الله عليه وسلم “إن أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى” وقال صلى الله عليه وسلم “لا يسمع القرآن من أحد أشهى ممن يخشى الله عز وجل” يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به؛ وإلا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة. ولذلك قال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانياً فانتهرني وقال جعلت القرآن علي عملاً اذهب فاقرأ على الله عز وجل. فانظر بماذا يأمرك وبماذا ينهاك. وبهذا كان شغل الصحابة رضي الله عنهم في الأحوال والأعمال. فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألفاً من الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة اختلف في اثنين منهم. وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين. وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم ولما جاء واحد ليتعلم القرآن فانتهى إلى قوله عز وجل “فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره” قال: يكفي هذا وانصرف. فقال صلى الله عليه وسلم: انصرف الرجل وهو فقيه. وإنما العزيز مثل تلك الحالة التي منَّ الله عز وجل بها على قلب المؤمن عقيب فهم الآية. فأما مجرد حركة اللسان فقليل الجدوى. بل التالي باللسان المعرض عن العمل جدير بأن يكون هو المراد بقوله تعالى “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى” وبقوله عز وجل “كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى” أي تركتها ولم تنظر إليها ولم تعبأ بها فإن المقصر في الأمر يقال إنه نسي الأمر وتلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل وحظ العقل تفسير المعاني وحظ القلب الاتعاظ والتأثر بالانزجار والائتمار. فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.

التاسع: الترقي: وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله عز وجل لا من نفسه “فدرجات القراءة ثلاث، أدناها: أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفاً بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال. الثانية: أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم. الثالثة: أن يرى في الكلاء المتكلم وفي الكلمات الصفات فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصوراً لهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره. وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين. وعن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: والله لقد تجلى الله عز وجل لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون. وقال أيضاً وقد سألوه عن حالة حقته في الصلاة حتى خر مغشياً عليه فلما سري عنه قيل له في ذلك فقال: مازلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته، ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة ولذة المناجاة. ولذلك قال بعض الحكماء: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوه على أصحابه، ثم رفعت إلى مقام فوقه كنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به فعندها وجدت له لذة ونعيماً لا أصبر عنه. وقال عثمان وحذيفة رضي الله عنهما: لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن، وإنما قالوا ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام. ولذلك قال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة. وبمشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد ممتثلاً لقوله عز وجل “ففروا إلى الله” ولقوله “ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر” فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره وكل ما التفت إليه العبد سوى الله تعالى تضمن التفاته شيئاً من الشرك الخفي، بل التوحيد الخالص أن لا يرى في كل شيء إلا الله عز وجل.

العاشر: التبري: وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بين الرضا والتزكية. فإذا تلا بآيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك بل يشهد الموقنين والصديقين فيها ويتشوف إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم، وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً. ولذكل كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري، فقيل له: هذا الظلم فما بال الكفر؟ فتلا قوله عز وجل “إن الإنسان لظلوم كفار” وقيل ليوسف ابن أسباط: إذا قرأت القرآن بماذا تدعو، فقال: بماذا أدعو أستغفر الله عز وجل من تقصيري سبعين مرة. فإذا رأى نفسه بصورة التقصير في القراءة كان رؤيته سبب قربه. فإن من شهد البعد في القرب لطف به في الخوف حتى يسوقه الخوف إلى درجة أخرى في القرب وراءها. ومن شهد القرب في البعد مكر به بالأمن الذي يفضيه إلى درجة أخرى في البعد أسفل مما هو فيه. ومهما كان مشاهداً نفسه بعين الرضا صارا محجوباً بنفسه، فإذا جاوز حدا الالتفات إلى نفسه ولم يشاهد إلا الله تعالى في قراءته كشف له سر الملكوت. قال أبو سليمان الداراني رضي الله عنه: وعد ابن ثوبان أخاً له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد فقال له: وعدتني أنك تفطر عندي فأخلفت فقال لولا ميعادي معك ما أخبرتك الذي حبسني عنك! إني لما صليت العتمة قلت. أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت إلى روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت. وهذه المكاشفات لا تكون إلا بعد التبري عن النفس وعدم الالتفات إليها وإلى هواها ثم تخصص هذه المكاشفات بحسب أحوال المكاشف فحيث يتلو آيات الرجاء ويغلب على حاله الاستبشار تنكشف له صورة الجنة فيشاهدها كأنه يراها عياناً وإن غلب عليه الخوف كوشف بالنار حتى يرى أنواع عذابها. وذلك لأن كلام الله عز وجل يشتمل على السهل اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف وذلك بحسب أوصافه، إذ منها الرحمة واللطف والانتقام والبطش. فبحسب مشاهدة الكلمات والصفات يتقلب في اختلاف الحالات وبحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة ويقاربها؛ إذ يستحيل أن يكون حالة المستمع واحداً والمسموع مختلفاً إذ فيه كلام راض وكلام غضبان وكلام منعم وكلام منتقم وكلام جبا متكبر لا يبالي وكلام حنان متعطف لا يهمل.