ما لم يغرس التعليم الإسلامي المتجدد بذور الإيمان في قلوب الناشئة وفي سن مبكرة، وما لم يصل بحبل الفطرة الموكل صيانته وتوريثه الأسرة بحبل القرآن وعلم الحق المستقي من القرآن فهي مسحة سطحية وصبغة على وجه النفوس مالها من قرار في شغاف القلب.

للتعليم هدفان أساسيان في أي ملة وقوم: أولهما المؤسس للآخر هو غرس الولاء مبكرا في النفوس. إما الولاء لحضارة وتقاليد أسرية قومية، وإما الولاء لدين، وإما الولاء لشخص حاكم يعبد من دون الله كما كان يربي ستالين أطفال الاتحاد السوفياتي على الولاء لشخصه، وكما يفعل كيم إيل سونغ في كوريا الشمالية حيث لا نشيد إلا في مدح أب الشعب، ولا صورة إلا ما يمجد القائد الخالد، ولا استعراض، ولا درس يبدأ، ولا تمثالا ينصب، ولا شاذة وفاذة إلا وتنصب جهودها لترسيخ الولاء للطاغوت.

الهدف الثاني المؤسس على الأول هو إكساب الناشئة المهارات العقلية العملية المطلوبة اجتماعيا واقتصاديا.

الهدف الأول تربوي نفسي يكون أقوى تمكنا في نفوس المتعلمين كلما كان أكثر بكورا، وكلما كانت أساليبه أشد وقعا وأمتن تماسكا وأسبق إلى النفوس قبل أن تسكنها تربية أخرى وولاء آخر.

والهدف الثاني تعليمي تدريبي عملي من شأنه أن يفي بالمقصود منه إن كان الباعث التربوي النفسي الولائي المؤسس في مكانه من التأصل والتمكن وقوة الدفع، وإذا كانت برامجه وجدواه العملية وملاءمته للحالة الاقتصادية ملبية لحاجات المجتمع منفتحة عليها.

في المجتمع الإسلامي المتجدد لا ولاء يقبل إن لم يكن لبه الولاء لله وحده لا شريك له. وما سوى هذا اللب من إشعاعات وتفرعات إنما يقتبس الحرمة في نفوس المسلمين من انبثاقه وانبعاثه عن اللب.

أعني بالانبعاث الاندفاع الداخلي القلبي الأخلاقي الإيماني.

يقول علماء اللغة: البعث إثارة الشيء وتوجيهه ومضيه.

ينبعث العامل تلبية لنداء مثير، وتوجيه موحد، ويمضي مع حركة عامة تصنع مناخ الحماس، بل مناخ الإرادة والعزم والعمل الجاد. فإذا كان النداء لا يثير ولا يعبئ لغربته عن الأسماع النفسية، وكان التوجيه معاكسا لميل الناس، وكانت الحركة اضطرابا ودورانا، فينبغي مراجعة النظام التربوي التعليمي من أساسه. ينبغي اتهام الباعث المزيف الذي تمج الفطرة صوته، وتعصى توجيهه، ولا تمنحه من ذات جهدها إلا رغبا في الجزاء العاجل ورهبا من سطوة القائل الآمر، ولا تسير بسيره إلا مغلولة مجرورة.

هذا هو موطن الداء في علة المسلمين: الباعث لا يجد صدى في النفوس لأنه نداء من جانب الشك لا من جانب الإيمان.

في أحشاء الأمة إيمان راقد ينبعث ويبعث الأمة بقوة يوم تسمع الأمة الصادقين من أبنائها ينادونها بنداء الإيمان، بصوت القرآن.

أوبئة وتلقيح هذه الحشاشة الإيمانية يرثها الطفل من أبويه، يزيدها انتعاشا ما يبثه الأبوان في الأشهر الأولى والسنوات الغضة من خير. ويوهنها ويشوشها ويخملها ما يكون في الأسرة، وخاصة الأم، من استهانة بالدين وجهل به. ويوهنها ويمرضها ما يتعرض له الطفل في الأشهر الأولى وفي السنوات الغضة من أوبئة تعدو عليه من المحيط والجوار ووسائل الإعلام المتنطعة المليئة بمشاهد الميوعة والقسوة والاستهتار بالقيم المروئية.

فأول ما ينبغي في المجتمع المسلم المتجدد أن يفتتح مسار الأطفال في الحياة بتلقيحهم ضد الأوبئة الموروثة التقليدية والأخرى العادية بوقاحة متزايدة من على متن الأقمار الصناعية تتلقفها البرابولات.

ألا ترى الناس يهتمون بصحة أطفالهم كل العناية ويسارعون بأطفالهم إلى مراكز التلقيح ضد أمراض الجسد متى شرح لهم الخبير أخطار الإصابات ونجاعة الأمصال؟

كذلك حين يستقر عند المسلمين أن صحة أبنائهم وبناتهم النفسية تتوقف على مدى حصانتهم ومنعتهم ضد الأمراض الفتاكة بالعقول والنفوس، فستراهم يسارعون بأبنائهم وبناتهم إلى المصحات النفسية العقلية.

ألا وإن عافية النفوس وشفاء العقول وحصانة الكائن الناشئ في حضن الأسرة المسلمة، السليمة مبدئيا، إنما تستمد من القرآن. يكون حرف القرآن المقدس أول ما يطرق سمع الصبي والصبية، تلاوة تتغنى بالآيات بدل الهراء، وأول ما يلامس نفسه.

حرف القرآن صرفا مجودا مَتلوّاً متغنى به، ثم قراءة يتعلم الطفل القراءة في آيات الله. ثم حفظا يصحبه شرح مبسط. وتفريع عن القرآن لكل ما تتسع لفهمه وتحتاج إليه عقول الأطفال النامين.

تعليم قرآنيينبغي النظر في برامج التعليم للسنوات التسع الأولى من حياة الأطفال لتندرج كلها في كنف القرآن وتستشهد به وتستند إليه.

بدل هذه المحفوظات المتصابية التي تحدث الطفل عن سعاد كيف احتضنت دميتها، وعن سعد كيف لعب مع قطته، نقص على الآذان الطرية قصص القرآن. وفي القرآن أحسن القصص. ليس تأتيه الجاذبية من طرافة مواضيعه لكن من نورانية مصدره وقوة ندائه.

وبدل أن نعلم الحساب في مجردات أو مخشبات لَهْوِيَّة نعلم الحساب في الخمس الصلوات وركعاتها وسجداتها وأنصباء الزكاة. وللمخشبات والمجسدات والصور مكانها خادمة لا مخدومة.

وبدل إسناد دروس الأشياء إلى ملاحظة الظواهر وحدها نوجه فكر الأطفال إلى تدبر ملكوت السماء والأرض وما خلق الله من شيء. ولا يتنافى هذا مع تدقيق الملاحظة ورصد تفاعلات الأكوان.

بدل تعليم مادي يطمس الفطرة، تعليم قرآني يحييها.

فإن احتج متغرب ومتلكئ على أن إدخال الغيبيات في البيداغوجيات خلط لا تقبله العقلانية ولا يكون العلمية الفاعلة التي من شرطها الحياد العقائدي، عذرناه.

نعذر من أصابه إدز-سيدا فقد المنعة المكتسبة. ربما ما اكتسبها قط، أو ضاعت منه مع ما ضيعت من موروثه الفطري صحبة العقلانية الكافرة، واقتراف السفاح الثقافي.

إن أشرنا إلى حرف القرآن المقدس فلسنا نريد للناشئة أن تكون حرفية في تعاملها مع المعلومات الكونية. الإيمان بالغيب لا ينعكس على العقل بالتعمية والتضليل، لكن بالهداية وتوسيع الأفق، بحيث يقبل العقل بارتياح واقتناع ما جاء به الوحي إلى جانب ما تأتي به الملاحظة والتجربة والاستفادة من علوم الأكوان.

لا تناقض بين الغيب والشهادة إلا لدى عقول طمستها سيدا فقدان المنعة.

وهل فنون البيداغوجية وعلومها، وهي نتيجة تجارب، لا يُسمح لها في قانون فاقدي المنعة إلا بخدمة أهدافهم؟

كلا، بل نجند كل هذه العلوم ووسائلها ومشوقاتها لخدمة القرآن والتأهيل القرآني لمعارف الطفل. ونجند بعد ذلك بيداغوجيات التعليم الخاصة لخدمة الأهداف الإسلامية على كل المستويات. لا نعترف لأي كان باحتكار الوسائل العلمية.

ونراقب تجارب الأمم لنستخرج منها الدرس في علاج الخلل الملازم لمنظومات التعليم في بلادنا المتخلفة.

لهم دينهم الثقافي القومي ولنا ديننا.

على مستوى الباعث التربوي لا درس يقتبس منهم إلا الدروس السلبية. ولنا عندهم ودائع في غير ذلك نأخذها من يد القدر الإلهي الذي يمد كلا من هؤلاء وهؤلاء عطاء من ربك غير محظور.