لقد أنزل الوحي تبيانا وتفصيلا لكل شيء، لكن ما يسترعي الانتباه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صمت عن مسألة محورية في تاريخ الأمة المسلمة تتمثل فيمن يخلفه في المسلمين*، رغم أن المعطيات والظروف التي أحاطت وفاته صلى الله عليه وسلم كانت تجعل من الأولى منطقيا أن يستخلف عليهم من يقوم مقامه فيهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان قد دنا أجله حين دعا المسلمين للتهيؤ لغزو الروم على تخوم الشام وفلسطين، مما يعني أن المدينة ستفرغ من رجالها الأشداء، يضاف إلى ذلك حركية المنافقين داخلها التي بدأت تشتد حتى طعنوا في أسامة بن زيد أمير هذه الغزوة، كما أن ملامح الردة غدت مستشرية في القبائل حتى قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ادعى النبوة الأسود العنسي باليمن، كما ادعاها مسيلمة في بلاده اليمامة فاتبعه قومه، وبلغت به الجرأة أن طفق يبعث رسله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتغي مفاوضته. إن الأوضاع كانت تشير أنها ستعرف تطورات خطيرة تهدد دولة الدعوة الوليدة في المركز كما في الأطراف إذا ما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وهو أمر ما كان ليخفى على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان، “قال ابن إسحاق: ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة، فيما بلغني، تقول: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية،ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية”(1).

إن كل هذه التطورات ما كانت لتغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما يفند أكبر الفرضيات التي تطفو على السطح مفسرة صمته عن من يخلفه هو مفاجأة الموت له وللصحابة أجمعين(2). إنها فرضية لا تستقيم عند التحاكم إلى مجموعة من الأحاديث النبوية التي كانت توحي من خلال منطوقها أو مفهومها إلى علمه صلى الله عليه وسلم بقرب دنو أجله وإعلامه غيره بذلك، من ذلك أنه لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قبل حجة الوداع بقليل “خرج معه يوصيه ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري. فبكى معاذ بن جبل جزعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم”(3)، وقد لبث معاذ في اليمن إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان الأمر كما أخبر به عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم “قال ثم بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل، فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي. فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم، قال: السلام عليكم يا أهل المقابر. ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، لو تعلمون ما نجاكم الله منه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها، الآخرة شر من الأولى. قال، ثم أقبل علي، فقال: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة. قال، قلت: بأبي وأمي، فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف فبدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي قبضه الله عز وجل فيه حين أصبح”(4)، فانتبه إلى الحديث وما أخبر به من قدوم الفتن على الأمة كقطع الليل المظلم حتى يغبط الحي فيها الميت على مكانه، حتى نعلم بأنه ما من شيء كان ليرد قضاء الله اللاحق بالأمة، وقد كان ولا يزال. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام مرضه خرج إلى الناس عاصبا رأسه، ثم “جلس على المنبر، فقال: إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر وكان أبو بكر هو أعلمنا به”(5)، فإذا أيقنا من خلال هذه الأحاديث لخير الخلق أجمعين، عليه صلاة وسلام رب العالمين، علمه بقرب وفاته، وبقدر الله النازل على الأمة بفتن مظلمة متتالية، حتى إن كل لاحقة منها ستكون أشد من سابقتها، ثم قطعنا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا من بعده لكثرة ما روي في ذلك عن جلة الصحابة، من ذلك ما روي عن الإمام علي كرم الله وجهه “أنه قال يوم الجمل، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا عهدا نأخذ به في إمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا”(6)، وفي صحيح البخاري أنه لما “قيل لعمر ثم ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم”. إن أيقنا وقطعنا بذلك توافر لدينا وحدة الحكم في النص القرآني الداعي أن الأمر بين المؤمنين شورى بينهم، وبين السنة النبوية التاركة أمر الخلافة إلى اختيار الأمة. وهما الأصلان اللذان لا ينسخهما فعل من كان مهما علا قدره، فإن وجد من اجتهاد مخالف لهما لاعتباراته الظرفية، فلا يجوز أن يعلو فوق نص الكتاب وحديث خير الأنام صلى الله عليه وسلم الذي ما سن أمر تعيين أحد دون الرجوع إلى رأي المؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام: “لو كنت مستخلفا أحدا دون مشورة لاستخلفت عليهم ابن أم عبد”(7)، هذا شأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان مستخلفا، فكيف بغيره إلا أن يكون مظروفا بظرفه، أو متنكبا عن سيرته، وهل يرجى ممن يعدل عن نهجه أن يكون ناصرا لشرعته!

لو قُدر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بالأمر من بعده لأحد من آله أو صحبه، لانتفى دور الأمة على امتداد تاريخها، إذ لا يحق لها أن تعزل من عينه نبيها عليه أفضل الصلاة والتسليم، وكل وارث للخلافة إنما سيكون حلقة من حلقات متتالية في سلسلة ذهبية تتصل بالأصل النبوي، مما يجعل مشروعية حكم الإمام خارج عن إرادة الأمة في اختيار من يسوسها، ومن ثم فلا موجب عندها من حديث عن البيعة إلا باعتبارها تزكية لواقع التعيين، لا باعتبار المبايعة تعبيرا عن ولاية الأمة على نفسها ومنشئة لسلطة بديلة، مع ما تمنحه للأمة من إمكانية فسخ عقدها مع خليفتها إن اتخذ عهوده ظهريا. وهذا ما رسخ في فقه أهل السنة من معنى أن الخلافة تعقد بالاختيار، رسخ نظرا وانتفى عملا بعد أن اغتالته غوائل السلطان، وتنظيرات فقهاء في زمن متأخر من تاريخ المسلمين.

تبقى الإشارة أن من إعجاز السنة النبوية أنها تتعالى عن واقعها النسبي لتنفتح على ماجريات مستقبل متقلبة ابتلاءاته، ومتغايرة أوضاعه، فكما صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن من يخلفه، صمت عن الطريقة الواجب اتباعها في كيفية اختيار خليفة المسلمين، ليترك الباب مفتوحا أشد ما يكون الانفتاح على متغيرات الزمان، وما يتوافر فيه من وسائل اتصال متجددة، فلكل زمن رجاله واجتهاده، وإنما الأصل أن الأمر شورى بين المسلمين.

الهوامش:

* نتحدث من داخل المدرسة السنية، متجاهلين مقولات المدرسة الشيعية في هذه المسألة

(1) ابن هشام “السيرة النبوية” المكتبة العلمية- لبنان 4/665

(2) يذهب إلى مثل هذا الرأي محمد عابد الجابري في كتابه: “العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته” ص:129

(3) رواه ابن حبان في صحيحه، وابن حنبل في مسنده، وعلق الهيثمي في “مجمع الزوائد” قال: رواه أحمد بإسنادين… رجال راشد بن عاصم وعاصم بن حميد وهما ثقتان.

(4) رواه الإمام أحمد في المسند، والدارمي في سننه.

(5) رواه الشيخان واللفظ للبخاري

(6) انفرد به الإمام أحمد، وعلق عليه الهيثمي في “مجمع الزوائد” فقال: رواه أحمد وفيه رجل لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.

(7) أخرجه الحاكم النيسابوري في: “المستدرك على الصحيحين” وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.