عندما تغيب القيادة الربانية والمنهاج(1)

في الأمة اليوم دعاة إلى الله عز وجل كل يعرض على الناس الكتاب والسنة، وكل منهم خصه الله بعلم يدل به على الإسلام والإيمان والإحسان، لكن الله عز وجل اختص قليلا منهم باعتماد المنهاج، فعلموا جند الله كيف يبني الصف المسلم المؤمن المحسن إعدادا لفتح الدنيا وفتح الآخرة.

لكل طالب حق يفتح المنهاج النبوي الباب ليدله على غايته، ومطلبه لكي يسمو إلى هدف سام، أراده رجال مباركون لهذه الأمة المباركة.

نجد أناسا قانطين من طريق الحق والعدل، لكن بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعود الخلافة على منهاج النبوة، وبشرى الله بالتمكين والوراثة قائمة.

وسنة الله عز وجل في الفراعنة والهامانات وجنودهم تتكرر، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا، وما الحفرة الصدامية عنا ببعيد، والله يعد من طغى وتجبر وأعرض عن ذكر الله عز وجل بالمزيد.

الهم الأكبر الذي ينبغي أن يحكم حركة الإسلام هو تجديد الإنسان وتغييره.

هل الهم هو أن ندخل مع المشاركين في هذا الضجيج السياسي  مع الإشارة أننا لا ننكر العمل السياسي- الذي تختلط فيه الأوراق، أم يكون همنا هو صناعة هذا الإنسان، هو إعادة بناء هذا الإنسان، والإجابة عن أسئلته الحقيقية، ولذلك فنحن نعتقد أن أول خطوة في نهضة هذا الإنسان هو أن يغير ما بنفسه، فإن الحركة دون معرفة النفس وأمراضها وعلاجها هوس، فلا يقدر أن يغير المنكر من في قلبه منكر النفاق، ولا يقدر يأمر بالمعروف من لا يعرف الله عز وجل.

إن وهم “الإسلام السياسي” الذي وقع فيه العديد من المتحركين للإسلام يفرغ حركة الدعوة من المعنى، فتكون عرضة لسقوط المبنى.

أجاب الإمام البنا رضي الله عنه إجابات حقيقية عن مفاتيح التغيير، بل قدم نفسه أنموذجا يحتذى، صحب الرجل السادة الحصافية في مبتدأ الطريق محصلا بذلك نقطة البداية نحو التحرك السليم لأجيال الصحوة الإسلامية المباركة، ألا وهو لقاء الإنسان مع الغيب، وقد حدثت لقاءات تاريخية كانت منعطفا تاريخيا في حياة الأفراد وسلوكهم لابد أن تتأملها الحركة الإسلامية مليا.

إن الحركة بعد البنا سقطت في دوامة العنف السياسي، وتيار التغفيل عن الله عز وجل، وإنه لا علاج لهذه المنزلقات إلا أن يقيد الله للركب الإخواني قيادة ربانية ترسم الخطة وتكتشف المنهاج.

لقد أصبح لزاما اليوم على أبناء الحركة الإسلامية اكتشاف المنهاج النبوي الذي يرفع الإنسان من مستوى العادة إلى مستوى الفطرة، يعطيه روحانية ونورانية وقوة كما فعلت الدعوة الأولى على صاحبها أزكى الصلاة والتسليم، لذلك يؤكد الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله على أهمية اكتشاف المنهاج النبوي يقول: “ليست العبرة أن نلتمس أقصر طريق للحكم الإسلامي، ولا أن نلتمس أضمن الوسائل رأي العين، فكل طريق غير المنهاج النبوي، وهو السنة، وكل وسيلة لا يقبلها الشرع أمور مرفوضة، العبرة أن نكتشف المنهاج النبوي في التربية، ذلك المنهاج الذي كان عملا باهر النتائج، خرج من مدرسته كبار الصحابة، عظماء الأمة، نخبة الإنسانية بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، العبرة أن نكتشف أسرار المنهاج النبوي، الذي نتج عنه الجهاد الخالد الذي كانت ثمرته “المعجزة التاريخية” التي غيرت العالم أعمق تغيير وأوسع تغيير وأسرع تغيير”، إن الإخفاق الذي تحدث عنه الدكتور الترابي حفظه الله سببه عدم اكتشاف المنهاج النبوي في التربية، فليس المهم أن نلتمس أقصر الطرق للحكم، لكن المهم هو الظفر بالمنهاج الذي يعني وحدة التصور ووحدة الإرادة لكي لا نقف في وسط الطريق ونعلن الفشل، يقول الأستاذ المرشد حفظه الله: ” وحدة جهاد، وحدة تصور، وحدة إرادة. بدون هذا تكون سفرتنا إلى غير رشاد… إذا شرعنا في عمل جماعي قبل أن نتفق على تصورنا للعمل من كل جوانبه، فأدنى خلاف يوقفنا، وسنختلف على كل شيء، ومن ثم نعجز عن الاستمرار”، والتجربة السودانية ماثلة أمامنا، لذلك “يجب ألا يتحرك الركب في ميدان العمل قبل أن يتأكد من أن المنهاج محكم، وأنه لا خلل يخاف في الصف نتيجة لنقص في التربية أو لتفكك في التنظيم، أو لغموض في الرؤية، أو لعجز عن الإنجاز والإتقان وتحمل المسؤولية”، لأن “الخطأ في التصور المنهاجي للعمل الإسلامي يوقف تحركنا في أول منعرج تمحص فيه قدرتنا على الرؤية الواضحة لاتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، بالشكل المناسب” كما أن”الخطأ في العلم خطير على العمل، والعمل بلا علم تخبط وجنون، والعمل في الغموض لا يسير إلى غاية صالحة” فعادة ما تضيع الجهود وتتبخر الآمال لكل خطأ جوهري في التصور والرؤية، “تضيع جهودنا لكل خطأ أساسي في النظرة، وتقويم الماضي والحاضر والمستقبل، ومهماتنا ومراحل إنجازها، وظروف تطورها، كما تضيع لكل خطأ أساسي في إعداد القوة التربوية والتنظيمية والتنفيذية”.

وينبغي أن يدرك أبناء الحركة الإسلامية أن سلوك العنف والانقلابية أساليب صبيانية مآلها الفشل، فعندما نتخذ العنف مطية، وتأكلنا الانقلابية فذلك الفشل بعينه. “وإن من ينقض على السلطة دون أن تكون له قاعدة مجاهدة تبلغ حدا أدنى من الامتداد وقاعدة معنوية خلقية قوامها ثقة الشعب واستعداده، إنما يغامر بتجربة مآلها الفشل والإجهاض، مآلها الفشل عاجلا أو آجلا، كلا أو بعضا.

ومن ينظر إلى الأفق البعيد  كما حدث للركب الإخواني- يوشك مع الزمان أن يسترخي، ويكل إلى الأجيال غير المسماة حمل عبئ كان الحق أن يبادر هو إليه متى فتح الله”، ولعل الدكتور الترابي حفظه الله أدرك جيدا خطورة التحالف مع الانقلابيين الذين لن يخلقوا إلا استبدادا، والثقة في العسكر الذي لا يفهم غير لغة الأوامر، وأدرك جيدا خطورة الانقضاض على السلطة في مجتمع مفكك الأوصال.

حفظ الله الدكتور الترابي، فهو فارس من فرسان هذه الدعوة المباركين، امتلأ كنفه علما لكن الرجل مستغلق. بيد أنه حفظه الله لا يذكر نقطة البدء في حركة الإسلام الأولى على كثرة ما كتب، ألا وهي لقاء الانسان بنور الهداية في شخص حامل الهداية، ألا وإن المغناطيس الروحي للداعي إلى الله الأكبر عليه صلوات الله وسلامه كانت المحرك الأول للإسلام كما يقول الأستاذ عبد السلام ياسين حفظه الله.

وكم استمتعت بعمق الرجل واطلاعه الواسع حفظه الله وأنا أطالع كتابيه الأخيرين كتاب السياسة والنظم السلطانية، وتفسيره التوحيدي في جزئه الأول، ولي عودة إنشاء الله لأقف معه زاده الله حسنا، كما وقفت مع الإمام البنا رضي الله عنه في مقال سابق، ويسر الله للحركة الإسلامية في السودان سبل الرشد والرشاد.

أخلص إلى نتيجة مهمة جدا وهي خطورة أن نبني تحركنا على فراغ تربوي، فتلك هي الحالقة، وذاك هو الفشل بعينه، فما يلبث أن يتكالب علينا الأعداء فنضعف أو تدب في الصف عوامل الفرقة والاختلاف، وحفظ الله الأستاذ المرشد حيث يؤكد على ضرورة ما يسميه بتوزين العامل الذاتي إذ يقول: “يقتضي توزين العامل الذاتي وترجيح جانبه أن نعطي الأهمية القصوى لفحص ذاتنا، للنظر في عيوبنا، لتمحيص صفوفنا، وصقل قلوبنا… وقل ما شئت بعد أن تحكم مقدمات التربية وأسبقية تجديد الإيمان، ويقظة التطلع إلى الإحسان، قل ما شئت عن ضرورة النضج الحركي، وتطعيمه بالوعي السياسي ودراسة الأوضاع القائمة، وعن التحالفات المرحلية وشروطها، وعن الخصم في الساحة السياسية… كل أولئك مكملات متممات ضروريات. أسلحة علمية ومعنوية وإعلامية ومادية لا بد منها، لها الفاعلية التامة إن لم تتنزل على فراغ تربوي”

فهل نستفيق ونقرأ كتاب العالم أم تسرقنا الأشكال واللهث المحموم وراء اليومي وننسى الجوهر؟

(2)

يتنكب أبناء الحركة الإسلامية الطريق عندما يعتقدون أن قادتهم سياسيون محترفون.

الحركة الإسلامية مشروعها الاقتحامي ومسيرتها التاريخية معرضان للانتكاس إن لم يقدهما المحسنون أولياء الله عز وجل لأن المؤمنين مهما على إيمانهم معرضون لنوازع الاختلاف، وأفغانستان الابتلاء ماثلة أمامنا.

إنما يقود الركب المؤيد الموفق، وأخطر ما يمكن أن تبتلى به الدعوات غياب التأييد الإلهي: الخذلان -نعوذ بالله من الخذلان-، وإذا أقامت الحركة الإسلامية أمرها في وقت الاستضعاف على أمر معوج لم يكن لها في زمان الظهور إلا خلل في السلوك، وإنما تستقيم النهاية باستقامة البداية.

إذا أراد الله بالحركة الإسلامية تسديدا ورشدا قيض الله لها من أوليائه عارفا بالله كاملا مكملا معه رأس الأمر كله، نور الكشف وروح العلم وتوفيق الله عز وجل، يشد الأواصر بالصحبة والمحبة.

الصحبة مدخل أساس لفهم صحيح وإرادة ربانية وعمل موفق غير معكوس ولا منكوس.

الصحبة خلاص من شباك الحيرة المقلقة، وانطلاقة واعية تحرر حركتنا الإسلامية من الأنانية الفردية، وتنطلق بها حرة طليقة في آفاق الإقبال على الله عز وجل، والتهيئ اللازم لتجديد الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

إن بقاء الحركة الإسلامية دون صحبة تدلها على الله عز وجل وتقربها منه استهتار لا معنى له.

بيت خراب هو بيت حركتنا الإسلامية إن لم تتنبه إلى خطر غياب المحسنين أولياء الله عز وجل عن صفوفها، شجرة هي قد يبست وتناثر ورقها إن لم تمتلك المنار وهي في عالم كثير الظلام: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق)(8)، قفص هي بلا طائر إن لم تنبت وتثبت في أرض الصحبة المباركة الموصولة بالنبع المتسلسلة بالتلمذة والمجالسة والتزاور والتحابِّ في الله عز وجل والتي أخبر عنها الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

ما الحديث عن الخلافة وعن التغيير المنشود إلا أحلام طائشة إن لم تشتد قلوب الأمة باشتداد قلوب رواحلنا.

التربية الإيمانية الإحسانية بداية السير الموفق المسدد لحركتنا الإسلامية، وإلا فهي بداية الانحراف والمغامرة في بيداء الإسلام الفكري الثقافي المقفرة إلى غير وجهة.

قيادة تعتقد أنها الرأس المفكر دون أن تكون في نفس الوقت قلب الجماعة الحي قيادة كالقيادة وليست بها.

قيادة تمتلك نورانية وكرامات لكنها عاجزة عن فهم الواقع، والتخطيط للمستقبل قيادة كسيحة عرجاء.

قيادة تنطق بالإسلام والقلب فارغ من حب الله والشوق إليه واستمطار رحمته تقود الركب إلى التيه.

تنظيم حركاتنا الإسلامية بلا تربية إيمانية إحسانية تحزب سياسي أبعد ما يكون عن الإسلام.

ألا وإن الإسلام الفكري الثقافي التسطيحي الفارغ من ذكر الله والخشوع الدائم بين يديه خطر يهدد سير حركتنا الإسلامية

كيف يدعو إلى الله عز وجل من لم يعرفه؟

لا بد أن تجتمع في من يقود الركب الكفاءتين: الرحمة القلبية والحكمة العقلية(9)، الربانية والكفاءة الجهادية.

لا ينبغي للحركة الإسلامية أن تتغذى بنخالة الطعام الإسلام الفكري الثقافي البائت وتترك اللب والجوهر، اللب: حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصحبة العارفين، وصدق الإرادة.

(3)

لذلك فإننا نعتقد أن دواء هذه الأمة التربية الإسلامية على المنهاج النبوي بالسمت الإسلامي، والتؤدة الإسلامية، والاقتصاد الإسلامي. بالرفق لا بالعنف وبالجهاد في سبيل الله لا بالانقلابية كما يقول الأستاذ المرشد حفظه الله، ودعوة الله لا تقوم على الكراهية والنقمة، وإنما تحرر الإنسان من أنانيته لبذل الخير والرجوع إلى الخير، مع الأخيار من المومنين.

المـنـابـع:

1. مقدمات في المنهاج، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص 34.

2. المنهاج النبوي، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص217.

3. نفسه، ص 235/236.

4. نفسه، ص 236.

5. نفسه، ص236.

6. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، ص10

7. حوار مع الفضلاء الديمقراطيين، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص111

8. رواه الحاكم عن أبي هريرة.

9. المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ص: 130.