1- إشكالية وأزمة:

تنطلق إشكالية هذا الموضوع من قضية مفادها أن هناك انفصاما نكدا على مستوى واقعنا التعليمي كما على باقي مستويات مناحي حياتنا العملية، بين الواقع الكائن الذي نسمه بالفتنة سواء على مستوى الاختيارات، أو البرامج، أو المناهج أو الأهداف أو الغايات، وبين الممكن الذي نطمح تحقيقه والمثال الذي نراه متجسدا في تعاليم ديننا الحنيف.

لقد تحول رجل التعليم بفعل إرغامات متعددة إلى عبد حوالة لا رجل رسالة، وتحول ميدان التعليم إلى حقل تجارب لمنظومات فكرية متعددة متباينة مختلفة، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.

ما الرسالة التي نريدها لمسألة التعليم؟

إن أي خطاب حول المسألة التعليمية لا يمكن أن يرقى إلى مستوى العلمية إلا إذا:

1- انطلق من نظرة الشمولية متكاملة تحاول معالجة أزمة المجتمع كلية.

2- أدرك خطورة قضية العلم والتعليم في بناء حياة الأمم وتكوينها وإيجادها وإعطائها المكانة الحضارية اللائقة بها.

3- راعى خصوصية المجتمع المغربي وهويته الإسلامية التي نبت كينونته وأسست وجوده منذ قرون عديدة، دون أن ينسى الانفتاح المتزن على متطلبات العصر وحركة التغيير المستمرة.

4- طرح بدائل تغيرية واضحة المعالم،محددة الأهداف،ممكنة التطبيق في الواقع العملي المعيشي.

5- فهم ما فعلته فينا طاحونة التعليم المغرب من تغيير في عقولنا وسلوكنا، وهو ما يعني أن ما نحياه الآن واقعا آنيا، هو نتيجة حتمية لفعل الآخر المستعمر تربية وتعليما وتخطيطا.(1)

2- أزمة هوية وأزمة اختيارات:

يمكن أن نعود بواقع التعليم المفتون إلى عنصرين:

1. أزمة هوية:

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:

“ففي جامعاتنا ومدارسنا انفصلت كل صلة بين التعليم الذي تشهد على تحصيله الامتحانات شهادة مزورة بتزوير الضمائر وبين التربية والقيمة الخلقية، بل أصبح تعليمنا يمتاز بالانحلالية”(2).

إن الانفصام بين الجانب التعليمي والجوانب الأخلاقية، وتغييب المنظومة الإسلامية بغناها التربوي والتعليمي والمنهجي، ولدا لنا، أنتجا لنا مثقفا منشقا عن ذاته، منعدم الالتصاق بهويته، منفصلا عن أمته، غريبا في سلوكه، مستلبا في فكره، كما أخرج لنا رجل تعليم ممزق الأوصال النفسية والمعرفية، ما عاد يعي وظيفته الحقيقية ورسالته الأساسية ومهمته السامية.

2- أزمة اختيارات:

نرصدها في تجليات هي:

التبعية على مستوى المنظومات التعليمية لدوائر الاستكبار العالمي، وجعل التعليم حقل تجارب يستجيب للإرادات الدولية، والنماذج التغريبية.

غياب الأدوات العلمية في التوصيل والتواصل، وضعف الاعتماد على تقنيات البحث العلمي الحديث على مستوى صياغة الأهداف والبرامج والمناهج.

تكريس وضعية التفاوت الطبقي حيث لا يستفيد من التعليم إلا المحظوظ من أهل اليسار المقربين يظهر ذلك في بروز المعاهد التي لا تقبل إلا على ضوء الاختيار، والتراجع عن مجانية التعليم.

سيادة الطوابع النظرية على حساب الطوابع التدريبية العملية مما يؤدي إلى انعدام التوافق بين الحاجيات الاجتماعية وواقع التعليم.

التراجع عن التعريب لصالح التغريب.

اعتماد مناهج ينعدم فيها التحليل والتركيب والحوارية والنقد لصلح مناهج الحفظ والإملاء التي لا تترك فرصة لظهور شخصية المتعلم،وتحفيزه على المبادرة والإبداع.

ينتج عن هذه الاختيارات ذي التجليات الآنفة الذكر، صناعة للأمية، وقتل للطاقات وبناء لذوات استهلاكية تدور في فلك الاستهلاك ذاته، فإذا المتعلم شخصية مضطربة لا قدرة له على اتخاذ المواقف وصناعة الحياة.

3- رسالة التعليم محررة:

إننا نريد رسالة تعليم تحرر وتنمي، تربي وتعلم وتغير:

– تحرر الإنسان من الوهن في القلب، ومن الخرافة في العقل ومن الشلل في الإرادة.

– تنمي الإنسان تهذيبا وتقويما ليكون إنسانا جديرا بإنسانيته.

– تربي بما التربية تغيير لذات الإنسانية التي لها ذهنيات ونفسيات، ولها استعدادات وعادات، وأمامها عقبات.

– تعلم بما التعليم تلقين لمعارف وتلقي لمدارك.

وبجملة واحدة، نرغب في رسالة تغير، تعرف الإنسان بحقيقته ودوره، وتنتج حركة وعي فاعل مشارك حامل لهم الأمة بصبر ورفق وتؤدة.

بهذه الوظائف التي نطمح أن تؤديها رسالة التعليم، وظائف التحرير والتنمية، وظائف التربية والتعليم والتغيير، نستطيع الإحاطة بجوانب الشخصية الإنسانية قلبا وعقلا وإرادة.

لكن على أي أساس؟: (3)

أ: إيجاد الحوافز الإيمانية التي تدفع المتعلم إلى بذل الجهد والوقت والمال لطلب العلم والتفقه فيه ابتغاء فضل الله عز وجل،ورجاء تطور أمته ونفعها، وكذا الحوافز التي تدفع أهل الغنى واليسار المادي إلى بذل المال للمتعلمين رعاية واعتناء، تفقدا ومواساة،وما يكون هذا بغير بيان فضل العلم والعلماء في الدنيا والآخرة، والتذكير الدائم والملح حتى يستيقظ الغافل ويهب النائم.

ب: تعميم التعليم: حيث إن الأمة الأمية الجاهلة يقذف بها التاريخ خارج الفعل المجتمعي الذي يبني ويصنع، هي أمة محرومة من عطاء الله وكرمه الوارد في قوله عز وجل “اقرأ وربك الأكرم” (العلق/3).

وإنما حقق الغرب رغم كفره وإلحاده ما حقق من تقدم علمي وحضاري وتقني، بفضل العلم والقراءة والبحث العلمي، وهي آليات وسنن كونية متى أتقنها المرء وصل ذرى المدارج الحضارية السامقة.

وإذا ما علمنا الشعب العلم النافع الذي يعمل على تفجير طاقاته وإبداعاته، نكون قد فتحنا أمامه الباب على مصراعيه للمشاركة الفاعلة الواعية التي تجعله مبديا لآرائه، حرا في مواقفه.

ج: استقلالية التعليم: إن سيطرة الدولة بأجهزتها على التعليم تجعله رهينا بغاياتها،أسيرا لأهدافها، وإنه آن الأوان لكي ينتقل التعليم إلى أحضان الأمة ترعاه وتنفق عليه وتواسي أهله، أولا، لأن ذلك هو الأصل، والقارئ للتاريخ ينكشف له كيف تعاملت الأمة في عصورها الزاهية مع التعليم، حيث كانت تحتضن الطلبة وتساعدهم وتبذل لهم ما يكفل لهم التفرغ للتعلم. وثانيا، لأن تجارب الأمم الراقية تظهر أن التعليم الحر ساهم بشكل كبير في بناء حضارتها (تجربة التعليم في الولايات المتحدة الأمريكية 80 بالمائة تعليم حر يقوم على القروض الطلابية).(4)

د: التكوين والبحث العلمي: “مفتاح التنمية الاقتصادية” بل مفتاح التنمية على كافة الأصعدة، وعلى كل الواجهات، يقول عبد السلام ياسين، رهين بـ:

“- توطين العلوم والتدرب على العمل.

– اكتساب الخبرات وتشجيع الإنتاج” (5)

و”إنها معركة حاسمة، معركة انتزاع العلوم والخبرة من مخالب قوم شحيحين بها، غيورين عليها، ولن يمكننا بناء حضارة إسلامية ولو بلغ كم المواد الخام وعدد الأيدي العاملة والمال الموفور ما بلغ بدون المواهب العلمية والمهارات العلمية والتدبير الإداري والتنظيم المتخصص، وإنه إخفاق فظيع للقومة بدون صناعة، وإنه حلم تافه أن ترفع أبراجا معدنية مستوردة على ركام من بلادة الأدمغة وبداوة الحس”(6).

ليس الأمر أمر ثروات طبيعية أو مادية مالية أو حتى كتلة بشرية غثائية، إنما الأمر أمر عقل خبير متخصص مدبر مسير منظم، وإن تجاوز الأمية الصناعية والتقنية رهين بتأسيس البحث العلمي الرصين، ورصد الخبرات العلمية له، والدعم المالي الملائم مع الحرية المشروعة الهادفة والتشجيع والتحفيز الدائمين المستمرين.

هذا الأساس، فما المضمون؟

أ: بناء منظومة تعليمية قرآنية، تكون منبع صياغة البرامج والمناهج خصوصا في المرحلة العمرية الأولى التي تعد أساس بناء الشخصية الإنسانية، وذلك لغرس الولاء المبكر لهويتنا وديننا، ذلك الولاء الذي يزود الناشئة بمنظومة قيم ديننا الحنيف وعلى رأسها حب العلم والعلماء، وحب القرآن، وأدب العلم والتعلم، ولا يكون هذا إلا إذا ربطنا العلم بالإيمان، والعقل بالغيب، تجاوزا لما ورثناه من تصورات استعمارية كنسية،جعلت مضامين تعليمنا مغربة منحرفة محرفة.

وهنا إنما نؤكد على:

مضمون تعليمي يصل الإنسان بالله عز وجل، ويخبره عن مصيره ويحدثه عن نبأ الغيب والموت وما بعد الموت، والمصدر والمنبع القرآن والوحي عموما، يقول عبد السلام ياسين:

“ما لم يغرس التعليم الإسلامي المجدد بذور الإيمان في قلوب الناشئة في سن مبكرة، وما لم يصل حبل الفطرة الموكولة صيانته وتوريثه للأسرة بحبل القرآن، فهي مسحة سطحية وصبغة على وجه النفوس مالها من قرار في شغاف القلب” (7).

ترسيخ اللغة العربية لغة الوحي دونما انغلاق على الذات، وإنما يكون هناك انفتاح على علوم الكون  حكمة الإنسانية ضالة المؤمن ولكن بعد أن تكون الذات قد تحصنت وتسلحت بهويتها ومعايير بناء شخصيتها المستقلة التي لا يجعلها نسخة من الأخر،مالكة لجهازها المعرفي وأدواتها المعرفية وسلوكاتها المعيشية. وإنما نؤكد على أمر اللغة لأن اللغة دائما تحمل تجربة الشعب وفكره ونظرته للوجود، “وسيبقى المسلمون لقطاء متطفلين في عالم العلوم والصنائع مادام تعليمهم لا يركز على لغة القرآن في المجالين التربوي القلبي والتعليمي الفكري مسايرا هذا لذاك موصولا به مستقيا من مبناه ولفظه ومعناه”. (8)

ب: بناء الشخصية القرآنية لرجل التعليم: إذ المربي هو القطب الأساسي في عملية التعليم والتعلم، وإن غياب الرجل المربي من أهل المروءة والكفاءة يؤدي إلى تدمير الذات المتعلمة وتخريج أفواج من المهملين غير المبالين. غير أن هذا لن يتحقق بغير ثلاثة شروط نحسبها مهمة وضرورية:

+ الشرط الاجتماعي: من الأحلام والأماني أن نطالب المعلم بما لا قبل له به، أن يكون مثالا ونموذجا يحتذى ويقتدى في مجتمع سمته التسيب وخاصيته اللامسؤولية، إن لم نحقق له الشرط الاجتماعي بشقيه المادي والمعنوي.

المادي بضمان الحد المتكامل لعيشة كريمة هنية تحفظ ماء وجهه، لأن المنشغل بالخبز اليومي لن يفرغ للتعليم والتربية.

والمعنوي بتهييء ظروف الاستقرار النفسي حتى لا يكون في وضعية موزعة ممزقة.

+ الشرط العلمي: إذ لا بد من الكفاءة المهنية التي تجعل المعلم علما في مهنته، ومن الزاد المعرفي العلمي. ومن المعرفة بشرائط التدريس الهادف، ومن المعرفة بنفسية المخاطب الذي هو المتعلم، ومن اكتساب أدوات الاتصال والتواصل والتنشيط والتفعيل. أي لا بد من كفاءة علمية عملية تقنية تساعد على أداء الواجب في أحسن الظروف.

+ الشرط الأخلاقي: إنه ما ينفع علم لا يتبعه عمل، وما يؤثر من يفعل عكس ما يقول، وما يربي من يحتاج إلى تربية، وما يغير من قائده هواه، ما استطاع أن يغير ما بنفسه حتى يغير ما بالناس. من هنا لا تحمل مسؤولية التعليم إلا لأفاضل الناس ذوي الدين القويم والمروءة العالية والأخلاق الفاضلة، من يجمع الحزم والتؤدة، واللين والشدة.

وغني عن البيان أن تحقيق هذا النموذج متعلق بتحققه على مستوى التدبير القيادي المجتمعي السياسي إذ التغيير كل لا يتجزأ، ومجموع كامل لا يتفرق ويتمزق.

ج: التطوير والتحديث: تجاوزا للارتجال في البرامج، والعتاقة والبطء في المناهج، ولن يكون ذاك، إلا بربط نظامنا التعليمي التربوي بوسائل الاتصال الحديثة، استفادة منها واحترازا من قوتها الجبارة في صناعة العقول وتوجيه الرأي وتشكيل الأدمغة، وكذا بالمزاوجة في التعليم بين النظري والعقلي المجرد وبين التجريبي التدريبي عبر فتح جامعاتنا ومدارسنا أبوابها للصناعة والأبحاث التطبيقية التي تساهم في الدفع بعجلة البناء التنموي الاقتصادي، وما نموذج اليابان عنا ببعيد، بل هو المثال الناطق الحي على قدرة الإنسان وذكاء الإنسان إذا توافرت له الظروف وضمنت له الحرية.

إن بناء تلك الأسس، بتلك المضامين، كفيل بتغيير العلاقات القائمة في نظامنا التعليمي متى توفرت النيات الصالحة والإرادات الصادقة والشروط الملائمة،خاصة بين مختلف المتدخلين في قضية التعليم والتعلم.

الهوامش:

(1) يراجع بهذا الصدد ما أورده الأستاذ عبد السلام ياسين حول طاحونة التعليم في كتاب “العدل” ص 359، و”حوار الماضي والمستقبل” ص 115 وما بعدها.

(2) “الإسلام غدا” عبد السلام ياسين ص 709.

(3) يراجع هنا ما كتبه الأستاذ عبد السلام ياسين في: حوار الفضلاء الديمقراطيين فصل “تعليم يحررنا” ص 120.

(4) المرجع السابق نفسه ص 138-139.

(5) في الاقتصاد الإسلامي عبد السلام ياسين ص 24.

(6) نفسه ص 173.

(7) حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. عبد السلام ياسين ص 152.

(8) نفسه ص 161.