ويتسلل الكفر إلى ما يسمى “العلوم الإنسانية” التي تصطنع مناهج العلوم الكونية من إحصاءات ومقارنات واستنتاجات.

تسحب هذه “العلوم” على مجال بحثها مقدمة الشك المبدئي الذي هو عماد العلوم التجريبية. لا تعترف العلوم المضبوطة بعلمية شيء إلا إن ثبت بالتكرار إمكان عودة نفس الظواهر بعودة نفس الشروط. ولا تعترف بعلمية لا يقع عليه الحس بواسطة الملاحظة المباشرة أو الآلة، أو بواسطة المنطق العقلي الرياضي الذي يلحق بالفرضيات التقديرية الملاحظات العينية فتتأكد علمية الظواهر أو تبطل.

لا يزال الإنسان سرا غامضا من حيث جسمه العجيب مهما تفرعت المعلومات البيولوجية الفيزيولوجية الوارثية عنه. لا يزال سرا غامضا خاصة من حيث نفسه وعقله ومشاعره وعواطفه، وهذه لا تخضع للمبضع، ولا تنكشف للمجهر، فلا يبقى إلا الشك المبدئي يرجع بعضه على بعض، ويتغذى بعضه ببعض، وبعض بعضه أعقاب بعض.

مسلمة أن لا إله إلا الطبيعة هي أساس هذه “العلوم” الدعية. فأسلمتها لا يفيد فيها إعادة الصياغة، ولا تحوير الاستعمال والتطبيق.

ذكاء حفار ينقب عن بقايا العظام باحثا عن جده القرد متى تفرع عنه أو عن شقيقه الحيوان العمودي.

ذكاء جوال في مجاهل الأرض يستطلع تقاليد الأقوام كيف تطورت، وكيف نظمت العلاقات بين الناس والناس وبين الناس والطبيعة، وكيف كانت الأشباح والأوهام التي غشيتهم في يقظة أو منام، وكيف نشأت لغاتهم، وكيف حاربوا الجار، وكيف تزوجوا وكيف تصاهروا، وكيف ماتوا وكيف دفنوا.

ذكاء غواص في التاريخ المتحضر يستنطق أحداثه ويفصل ويحمل ويعزو النتائج إلى أسبابها المنصوصة المكتوبة، والتي سكت عنها النص، والتي حرفتها سلطة لاحقة، والتي أملاها الظرف أو ضيقت مدلولاتها ووسعت المنافسات السلالية والأديان والطبقات.

غاشية من ظلام الشك الدامس وظلام الجهل، بل المتجاهل، للحقيقة الفطرية والسؤال الفطري: من أين جئت وإلى أين أصير بعد القاضية التي لا تحتمل الريب إن احتمله أي شيء: الموت والخروج من هذه الدنيا العجيبة بعد الدخول إليها، ما دخلت ولا تخرج بل أدخلت وستخرج.

يرتع الذكاء البشري طولا وعرضا وعمقا في الأكوان اللأركيولوجية والأنتربولوجية والتاريخية هاربا من حقيقة الحقائق، ملتفا عليها، لاهيا عنها بإفرازاته العلومية.

علوم بلا هدف غير المعرفة ثم المعرفة ثم المعرفة. ولما كانت هذه المعارف متراكمة على مدى أعمار الحفارين الجوالين والغواصين لاتشبع الحاجة المعرفية الحارة المحرقة -كانت تكون- وهي ما معناي ومعنى الوجود فهي في ميزان الحق باطل.

ومن حكمة الله تعالى وإملائه لأهل الضلال المعرضين عن سماع الوحي أن زين لهم التمادي في تعاطي المخدرات المعرفية. فما هو إلا مخدر منش لبؤس الإنسان الغافل عن الله الجاحد كل هذا الإفراز الذكي.

الذكي !؟

كيف نستفيد نحن المسلمين من منهجيات الذكاء وكيف نؤسلمها، وهل من نفع في ذلك؟

هل من سبيل ونفع أن نصطنع من مناهج التاريخ وعلوم التنقيب؟ لاشك أن لأهل التخصص الذين قام بنيانهم الفكري على الإيمان لا على الشك المبدئي كلمتهم في الموضوع لا نحب أن نستبقهم إليها.

ولا تخلو هذه “العلوم” من درس يأخذه المومنون، ومن فائدة عملية، إما من حصيلتها كما هي حصيلة علوم الطب، وإما من دلالتها على سفه الذكاء البشري الغافل عن الله. الجاحد الكافر الغبي.

أمس هذه “العلوم الإنسانية” رحما بالعلوم المضبوطة التجريبية علوم الطب. والحصيلة كبيرة تضرب إنجازاتها في تخوم العجائب والغرائب. وتعد مناهجها بكشوفات مقبلة من شأنها أن تضع البشرية أمام تحديات حاسمة. وإن علوم الهندسة الوراثية مؤزرة بالحاسوب وعجائبه مقدمة لثورة يعلم الله مآلها.

ومواكبة هذه العلوم الطبية ضرورة ماسة، يلاحقها الفقيه بمطلبه أن تنضبط بالأخلاق الإسلامية، ويخطب ودها الطبيب المومن والطبيبة، لأن صحة الأبدان شرط في صحة الأديان.

وأخس هذه “العلوم الإنسانية” وأشدها سفها التحليل النفسي الذي تخبطه بالمس الشيطان اليهودي الفرويدي: سفيه وغبي هذا “العلم” الذي يحط الإنسان إلى مراتب الدون، وينهي سر وجوده وحركاته وسكناته إلى الكبت الجنسي. كان هذا التحليل ولا يزال فلسفة الانحلال من كل ضابط خلقي وحشمة وحرمة.

أنزل هذا “العلم” الإنسان منزلة البهيمة كما أنزله “العلم” الدرويني منزل القرد. وهيأ هذا “العلم” الخسيس النفوس للثورة الجنسية التي اكتسحت الغرب منذ ثلاثين سنة، والتي تغزونا موجاتها طاقا بعد طاق. فالإنسان بمقتضى هذا الخسيس حيوان شهواني. لاغير.

غاشية من ظلام على وجه هذه العلوم، وأشدها قتامة ونكرا ما يسفل الإنسان في عين نفسه، فيصرفه عن سعادته في الدنيا، وهي هيِّن فوتها إذا قورنت بالشقاء الأبدي المعد لمن خسروا أنفسهم ولم يتعلموا من الوحي والفطرة المربية والمسجد المعلم قيمتها.

وإلى التربية والتعليم والمسجد والأسرة نرجع.

تنبيهانتنبيهان أضعهما احترازا أن يفهم اقتراحي لتعليم مسجدي تطوعي على غير وجه ما يفرضه التنظيم، وتتيحه سنة التدرج.

لا ريب أن تحويل التعليم من هيمنة الدولة، ومن لا مسؤولية التأميم، إلى تعليم يتكفل به ويرعاه التطوع والمسجد والمدرسة الحرة والجامعة والمعهد، عملية لا تتم بحملة عام أو عامين، بل ولا عقد أو عقدين. وإنما هي عملية بطيئة تصحب التغيير الإسلامي العام. ويصحب التغيير آمال وآلام. نسأل الله الرؤوف الرحيم أن يسدد الخطى ويسهل الصعب.

وقد يقرأ قارئ قصة التعليم المسجدي التطوعي فتسبق إلى ذهنه الصورة التقليدية لأطفال على الحصير البارد تصول عصى المؤدب على رؤوسهم.

للمسجد حرمة وروحانية تتناسب ومجالس الوعظ، ويصلح فيها الحِلَقُ العامة.

لكن تعليم الأطفال، وتدريب الأطفال، وتربية عقول الأطفال، يصلحها الحرمة والروحانية، ويصلحها المبنى الصحي، والمجال الحيوي للرياضة، والمشغل للتداريب العملية، ووسائل التعليم التي أصبح الحاسوب آلة مهمة من آلاتها.

قصدي إذن أن يسود التعليم حرمة المسجد، وروحانيته، وفضيلة التطوع والبذل السخي والمسؤولية الأخلاقية. لا أن تضم بناية المسجد مرافقه المحدودة ما لا يحد من حاجات تعليم الأطفال واليافعين والشباب.

ومن الحرمة والمسؤولية الأخلاقية الإيمانية إعادة علاقة المعلم بالمتعلم إلى نصابها الإسلامي. فيكون التوقير والحب والتبجيل تحية واجبة على المتعلم للمعلم. ويكون الرفق والنصيحة والرحمة واحترام الشخصية حقا على المعلم إزاء المتعلم.

وإنه لمن واجب التلامذة والطلبة منذ فجر الحكم الإسلامي أن يضعوا أيديهم في أيدي الصالحين من رجال التعليم ليقاوموا الشغب والفوضى في مدارسنا، وليفرضوا الجدية والإقبال على طلب العلم والإحترام المتبادل.

وما جيل أحق بالفضيلة من جيل، ولا وازع السلطان أقدر على تقويم المعوج وإصلاح الفاسد إن لم تؤازره المشاركة في القواعد.

هذه كانت جولات في شكل التعليم الإسلامي المغير وملابساته وعموميات نظامه.

مضمون التعليمونصل إلى مضمونه ومناهجه. والله المستعان:

إن المسجد والتطوع والمسؤولية الأخلاقية وصلاح ما بين المعلم والمتعلم إن هي إلا وعاء يبقى كالفارغ معطلا إن لم يشغله مضمون قرآني وشغله الإسلام الفكري المقارن الذي يباري الجاهلية على أرضيتها ويخجل أن ينطق بالغيب أن يذكر الله والدار الآخرة.

لا يلبث إصلاح سطحي أن يتلاشى وقعه إن تناول القشر ولم يستفرغ اللب الموروث ليحيي في المنظومة التعليمية الإعلامية روح الإيمان المتجدد.