إن الخطوة الصحيحة هي التي تكون في الاتجاه الصحيح. منذ عقود والحديث في المغرب عن العدل وعن دولة الحق والقانون وعن سيادة الأمة، لكن لا شيء من ذلك تحقق، سوى شعارات وإشارات ومسكنات.

عقدت الحركة الوطنية والشعب المغربي آمالا عريضة على الدستور، لأنه القانون الأسمى الذي يرسم شكل النظام السياسي ويبين علاقة الحكام بالمحكومين، ويحدد الحقوق والواجبات، ويضفي على العمل السياسي وضوحا ضروريا، تكون ثمرته ثقة وتعاون بين العاملين من أجل الصالح العام. عقد المغاربة آمالا وناضل بعضهم من أجل دستور هو ميثاق الثقة التي تقيم الشعب وتجعله مشاركا يصعد على سلم التنمية درجة درجة، عوض أن يكون هو كالسلم ينتصب قائما بأيدي الوصوليين ليحمل أرجلهم الصاعدة عليه.

تبخرت كل تلك الآمال رغم بعض الخطوات، لا لشيء إلا لأن تلك الخطوات لم تكن في الاتجاه الصحيح. وُضع الدستور لكنه جعل السيادة للحاكم وليس للأمة. وكانت طريقة وضعه خير مُخبر على مضمونه. منحه الحاكم لرعاياه وخدامه لتتبخر كل معاني التشاور، ولتعصف رياح الاستبداد العاتية بـ”النظام الشوري” الذي أشارت إليه وثيقة الاستقلال. هذا ما جعل المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي يدعو إلى مقاطعة دستور 1962 الذي طبخه الخبراء الأجانب، وينادي بأعلى صوته: “لقد نادى المغاربة بالدستور بعد أن فُقد العدل، وبعد أن سيطر الجور والظلم والطغيان، ظنا منهم أنهم سيجدون العلاج في الدستور، فإذا بهم أمام كارثة أخرى أدهى وأمر مما سبق (يشير إلى التنصيص على ولاية العهد)…”(1).

“تعديل دستوري” بين الإثبات والنفيمنذ مدة تداولت العديد من وسائل الإعلام حديثا عن تعديل دستوري جديد بالمغرب، فهناك من ذهب إلى أن النظام المغربي سيقبل في الأيام القليلة المقبلة على إجراء تعديل دستوري، وتتجلى دوافع ذلك فيما يلي:

أولا: تهيئة الأجواء لانتخابات 2007، ومحاولة منح نفس جديد للمشهد السياسي، من شأنه أن يجنب المغرب كارثة العزوف القوي عن المشاركة التي أنذرت به الانتخابات السابقة.

ثانيا: امتصاص الغضب الشعبي الناتج عن تفشي ظواهر خطيرة من قبيل السرقة والنهب والبطالة والتسول … إذ يبدو أن “مبادرة التنمية الوطنية” التي كان معولا عليها  في امتصاص الغضب- لم تلق التجاوب المنتظر، نظرا لمحدوديتها من جهة، وضعف التعاطي الإعلامي معها من جهة ثانية لحساب قضايا أخرى كان من أهمها حوار الأستاذة ندية ياسين الشهير.

ثالثا: استباق الأحداث، وإعداد أرضية دستورية تستوعب حل الحكم الذاتي بالصحراء. وقد تداولت بعض المصادر منذ شهور خبر انكباب خلية تابعة للقصر الملكي، برئاسة محمد المعتصم، على وضع مقترحات دستورية استعدادا للتطور الذي قد تعرفه قضية الحكم الذاتي في الصحراء.

رابعا: ضرورة التسويق الخارجي “للديمقراطية” المغربية، وركوب “الموجة” الدستورية التي يعرفها العالم العربي، انخراطا في “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، وتزلفا لأمريكا والدول الأوربية.

وفي المقابل هناك من يستبعد إجراء تعديل دستوري قبل انتخابات 2007. ولأصحاب هذا الرأي مبرراتهم، أهمها اثنين:

أولا: من الصعب مجازفة النظام وإقدامه على تعديل دستوري في هذا الوقت بالتحديد، نظرا لما عرفته الساحة السياسية منذ شهور من نقاشات حول الفصل 19 من الدستور وإمارة المؤمنين وشرعية النظام … فرغم أن الأحزاب، سواء في المعارضة أو الحكومة، قد لا تشكل أي خطر على بنية النظام، فإن أصواتا أخرى من الإسلاميين ومن الإعلام المستقل وغيرهم قد تستغل الظروف الدولية وتدفع بالتعديل الدستوري في اتجاه لا يرضاه النظام. لذلك فهذا الأخير، ونظرا لهذه الحسابات، لا يمكن أن يجازف بأي تعديل دستوري الآن.

ثانيا: هناك أوراق أخرى لا زالت صالحة للاستعمال من أجل استقطاب الرأي العام، أهمها انتخابات 2007. فتصوير هذه الانتخابات، كسابقاتها، على أنها الخلاص والأمل لا يتطلب بالضرورة إجراء تعديل دستوري، بل تكفي بعض التغييرات في الإطار القانوني الانتخابي، والمتعلقة بتجديد اللوائح، أو التقطيع أو نمط الاقتراع … أو تغييرات في المشهد السياسي عموما كإضافة بعض الأحزاب أو غير ذلك.

رغم ما لهذه المبررات والمبررات المضادة من دلالات عميقة، فإن الجدال حول إمكانية إجراء تعديل دستوري، أو حتى حول مضمون هذا التعديل لن يفيد الحياة السياسية المغربية في شيء، لأن التعديل خطوة غير صحيحة، لن تنفك في جميع الأحوال عن منطق “الجمود على الموجود”.

“جمود على الموجود” بنكهة التعديلبلا خطوة صحيحة انطلق المسار الدستوري المغربي، ففي 23 ماي 1960 سيلتزم الملك بقرار انفرادي في خطاب له بوضع دستور قبل نهاية عام 1962. وهو تأخر زمني ملحوظ في طرح المسألة الدستورية مقارنة مع دول أخرى اتجهت منذ السنة الأولى لحصولها على الاستقلال إلى انتخاب جمعية تأسيسية لوضع الدستور. هذا التأخر يفسر من جهة أولى برغبة الملك في تهيئة الجو لفرض دستور ممنوح، ومن جهة ثانية بانشغال الأحزاب الوطنية بقضايا أخرى على حساب تنظيم الحكم السياسي؛ فحزب الاستقلال لم يكن ملحا على الدستور بقدر ما كان يولي أهمية خاصة لإجراء الانتخابات البلدية والقروية (مذكرة حزب الاستقلال إلى الملك في 22 أبريل 1958)، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية شارك في الحكومة دون أن يُلح على المدخل الدستوري لذلك … وبالفعل تحقق للملك ما أراد ولم تستطع أحزاب المعارضة فرض المجلس التأسيسي للدستور رغم إلحاحها عليه في البداية. وطبعت هذه الخطوة غير الصحيحة المسار الدستوري المغربي، فالمتأمل في هذا المسار الذي عرف خمسة دساتير، صدرت على التوالي في 1962 و1970 و1972 و1992 و1996 بالإضافة إلى مراجعات دستورية مؤرخة بـ23 و30 ماي 1980 و5 شتنبر 1995، يلحظ بما لا يدع مجالا للشك أن التغييرات الشكلية، التي كانت من دستور لآخر لم تمس أبدا الجوهر، الذي تكرس بفعل تلك الخطوة غير الصحيحة، والذي هو سمو الملك عن كل المؤسسات الدستورية، بل سموه عن الدستور نفسه. فالملك لا يستمد شرعيته من الدستور بل يعتبر هو الضامن الوحيد والأوحد لشرعية هذا الدستور. إنه دستور مسيج بملك، وليس ملك مسيجا بدستور. لقد ناضلت الأحزاب الوطنية في البداية ضد هذا الوضع غير الطبيعي، وجعلت المجلس التأسيسي للدستور مطلبا ملحا، بل جعلته أصل وأساس كل سلطة شرعية. لكن، ونتيجة لصراع استعمل فيه النظام مختلف الوسائل والأساليب، من إقصاء واحتواء وتفرقة واعتقال وإغراء، ستسكت أحزاب المعارضة عن مطلب المجلس التأسيسي، في أواسط السبعينات، بحجة الانخراط في المسلسل الديمقراطي. وأي مسلسل ديمقراطي وأي انتقال وأي مشروع حداثي على أرضية دستور غير ديمقراطي؟

وفي التسعينات، ونتيجة ثقافة سياسية انهزامية، ستصبح الضرورة محظورة، وسيصبح مطلب المجلس التأسيسي للدستور نوعا من “المثالية الدستورية” التي تجاوزها التاريخ، بل إن جل الأحزاب المغربية ستساهم في تكريس سمو الملك عن الدستور وذلك من خلال:

أولا: اللجوء باستمرار إلى أسلوب التحكيم الملكي في قضايا تكون في كثير من الأحيان من اختصاص الحكومة أو البرلمان.

ثانيا: الاحتجاج المستمر بالخطابات الملكية وليس بمبادئ دستورية.

ويبقى أسلوب المذكرات أفضل تزكية قدمتها أحزاب المعارضة للخطوة غير الصحيحة. نذكر في هذا الصدد مذكرة حزب التقدم والاشتراكية سنة 1992 ومذكرتي الكتلة (19 يونيو 1992 و23 أبريل 1996) والمذكرة الثنائية لحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي (9 أكتوبر 1991). لقد اكتفى أصحاب هذه المذكرات بتقديم مطالب دستورية محتشمة تعترف للملك بشرعية سلطته التأسيسية. وقد تعامل الحسن الثاني تعاملا ذكيا مع هذه المذكرات بحيث وظف شكلها لتظهر بمظهر الحوار والمشاركة بشأن الدستور، وفحص مضمونها بانتقائية فكان يقبل بعض ما ورد فيها من اقتراحات جزئية، ليس لأنها لا تمس جوهر النظام في شيء، فهذه المذكرات من ألفها إلى يائها لا علاقة لها بجوهر النظام، بل هي تكريس لسمو الملك على الدستور، ولكن لأن الحنكة السياسية تقتضي عدم الاستجابة لكل المطالب دفعة واحدة .. وبين القبول والرفض كان هناك حل ثالث، ألا وهو الالتفاف على مطلب معين، كما حدث في دستور 1996 فيما يتعلق بتعميم الانتخاب المباشر لكل أعضاء البرلمان، حيث تم إحداث الغرفة الثانية، لتصح مرة أخرى، وإن كان في قضية أقل خطورة، مقولة محمد بن عبد الكريم الخطابي “فإذا بهم أمام كارثة أخرى أدهى وأمر مما سبق…”.

إن تصويت أحزاب المعارضة، باستثناء منظمة العمل، على دستور 1996 بـ”نعم” لا يرجع إلى اقتناعها بمضمونه الدستوري ولكن يرجع بالأساس إلى عوامل أخرى نذكر منها:

أولا: ضعفها التنظيمي والإيديولوجي والجماهيري أمام تنامي الحركة الإسلامية. ولعل من أسباب هذا الضعف تخليها عن الخطوة الدستورية الصحيحة.

ثانيا: يقينها بأن الدستور ليس هو المحدد للفعل السياسي بالمغرب وإنما المحدد هو الملك، لذلك فلا أمل في الوجود والفعل السياسيين إلا في الارتباط بالملك. الأمر الذي أصبحنا نرى آثاره السيئة في المشهد السياسي، لأن التطوير يكون مع التدافع والاحتكاك وليس مع المماهاة والتماثل، والحياة السياسية السليمة لا تقوم على قواعد التقليد. وإنما على قواعد الاختلاف والتنافس وحسن إدارة التدافع.

يتبين مما سبق أن أي تعديل دستوري في الوقت الراهن لن يغير من جوهر النظام شيئا، لأن ميزان القوى، على الأقل بالنظر إلى الحقل السياسي الرسمي، هو لصالح الملك. أكثر من أي وقت مضى.

الخطوة الصحيحة: جمعية تأسيسية منتخبةلن تكون الخطوة الصحيحة إلا بالخروج من ذلك الطريق السيار، الذي انطلق بخطوة غير صحيحة، والذي رسمه الملك لنفسه، وسايرته فيه الأحزاب بعد فترة ممانعة، أصبحت بحكم ثقافة الهزيمة مدانة حتى من أبطالها، الذين قدموا تضحيات جسام.

الخطوة الصحيحة جمعية أو مجلس تأسيسي منتخب انتخابا حقيقيا عاما وحرا ونزيها. من شأن هذا المجلس أن يعيد الأمور إلى نصابها. فتعود السيادة إلى الأمة بعد طول استلاب، وتتحدد السلط وتتضح بعد طول غموض، وتتقرر المسؤوليات بعد أن عشنا ردحا من الزمن وضعا مقلوبا، من بيده القرار لا يحاسب ومن لا قرار له يحاسبه الجميع، على الأقل كلاميا، دون أن يستطيع القول لا سلطة لي في اتخاذ القرار. من شأن المجلس أو الجمعية التأسيسية أن تخرجنا من تلك المغالاة في استثمار منظومة الرموز والتمثلات إلى مؤسسات قوية فاعلة ومسؤولة. كل في ميدانه ومجاله. ولا مكان من قريب أو بعيد لتركيز السلطة واحتكارها.

لا يوهمنا واهم أن هذه المطالب التي يجمع عليها المغاربة يمكنها التحقق بالتدريج من خلال تعديلات دستورية، وانطلاقا من مسار دستوري عنوانه البارز سمو الملك عن الدستور. ولا يعترض علينا معترض بقوله أن المراهنة على النص الدستوري هي نوع من الانتماء إلى العقلية الفقهية السكونية وأن الحياة السياسية أكبر من أن يتحكم فيها نص دستوري. كلام صحيح لكن ما ليس صحيحا هو أن دستورا أجمعت عليه الأمة بعد حوار ونقاش، ورأت فيه تكريما لها، وَرِفْعَة لقدرها وشأنها، لن يكون بكل تأكيد مآله نفس مآل دستور ممنوح فرض على الأمة فرضا.

ومتى كان الدستور فعلا يعبر عن ضمير الشعب ومعتقداته وتوجهاته العامة، وسادت ثقافة دستورية تؤكد أهمية الدستور لكونه الدليل والمرشد للسلطة السياسية، ولكيفية ممارستها، وأنه قانون أساسي يتضمن أهداف الدولة وشكل نظامها السياسي، ويحدد الحقوق والواجبات والمسؤوليات، ويضع الضوابط والكوابح، ويبين العلاقات والارتباطات .. متى كان ذلك كان الالتزام بالدستور.

هذه الخطوة الصحيحة لا يمكن أن تنطلق من فراغ، بل هناك شرط يشكل الأرضية الصلبة لهذه الخطوة، إنه إرادة جماعية تتبلور من خلال مشاركة مختلف الفاعلين، إلا من أبى، تتجسد سياسيا في جعل ميزان القوى لصالح الشعب، وتتجسد فكريا في حوار ونقاش هادئ حول القيم والمبادئ الكبرى التي تجمع المغاربة، وتجعل من اختلافهم الفكري والسياسي قوة.

لابد من تحديد وتوضيح تام لمرجعية الدستور. تحاول بعض القراءات السطحية في الدستور الممنوح أن توهمنا أن مرجعيته تمثلت في المزج والتوفيق بين الإسلام والديمقراطية. وهو ادعاء مجانب للصواب إذ المرجعية الأساس هي الأحكام السلطانية، التي ظهرت بعض انقضاض عروة الحكم، والذي كان أخطر ما تقرر فيها عدم محاسبة الحاكم وفرض الحكم الوراثي… أما الإسلام والديمقراطية فقد شكلا مجالا للاستمداد الاصطلاحي لتزيين واجهة الدستور.

لا مناص من نقاش مستفيض، فالإسلام دين الأمة، وهو دين الشورى والعدل والإحسان، كما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما عرف المسلمون ذلك قبل انقضاض عروة الحكم، لكن ما حدث في تاريخ المسلمين من انكسار وتحريف وتزييف، حيث استبد السلاطين وسطوا على ألقاب إسلامية، وأحاطوا أنفسهم برموز وطقوس قالوا أنها دينية، وانبرى بعض الفقهاء لتبرير الظلم والاستبداد. كل هذا جعل بعض المغربين يقررون أنه لا تحرر من الاستبداد إلا بترك الإسلام جانبا. لم يميزوا بين الإسلام وتاريخ المسلمين الذي حدثت فيه انكسارات وانحرافات. لذلك لابد من التمييز ومعرفة الأصول والمبادئ السياسية في الإسلام. ولعل في كتابات بعض الوطنيين الشرفاء كمحمد بن حسن الوزاني وغيره ما يوضح تلك الأصول والمبادئ. وكذلك على الإسلاميين أن لا يحكموا بفشل تطبيق الآليات الديمقراطية في بلدهم انطلاقا من حكم كان وما يزال لا يستلهم من الديمقراطية إلا مصطلحاتها.

(1) نداء حرره المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي في القاهرة بتاريخ 1 دجنبر 1962 ونشرته جريدة المحرر آنذاك.