ولعله يحدث القلق ويعتري الشك وتحوم الريبة للفجوة الواسعة بين ما جاء به الأمر الإلهي والنهي والتبشير والإنذار وبين ما آل إليه المجتمع المسلم المتشقق المتشظي ما بين مجتمع مدني هو في طور التكوين وفتات تقليدي هجرتهما الروح الإيمانية، وهجرتهما الثقة، وهجرهما التكافل، وهجرهما العلم، وهجرتهما العلوم.

العلم الذي لا علم أشرف منه هو العلم الحق بالحق. هو العلم بالله عز وجل وبكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هو العلم بما فرض الله وسن رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو العلم المفروض طلبه فرضا بنص الحديث. حديث “طلب العلم فريضة على كل مسلم” جاءت روايته من أوجه كثيرة بعضها يؤيد بعضا.

فهذا هو العلم الواجب، لا يسع التائب الاستغناء عنه من مصادره بتواضع وحرص، ولا يسع الناشئ في حضن الإيمان أن يكتفي منه بالقطرات.

وتحوم الريبة ويعتلي الشك والقلق عندما تذكر الغرباء عن دينهم قضية محو الأمية وتعميم التعليم وتمويل البحث العلمي، واكتساب الفنون التقنية.

تقول الحوائم: وهل هذا أيضا من الدين ؟

ويقول النافر المنفر المبدع للمسلمين المكفر للخلق أجمعين: أي إسلام هذا الذي يريد أن يقرن الصريح بالدخيل، والطيب بالخبيث. هذا تخلى عن وظيفة العلم وتخلت عنه لما لم يتطابق في ذهنه العتيق ما فهمه من أوراق التقليد مع ما تشاهده عينه المشدوهة، بصدق ربما، من عجائب تقليب الله الليل والنهار بالناس، ومن غرائب ابتلائه سبحانه للخلق.

ويا رفق الإسلام، كم ينتظر الدعوة من جهاد ليتبوأ الصادون عن سبيل الله مقاعدهم في هامش العجز والخمول، ولتسري في الأمة روح البذل في سبيل الله !

جهود لتعليم صالحي المسلمين والتائبين والناشئين أن الجهاد لنشر العلم في الأمة جبهة واحدة. العلم الحق هو عماد الحملة ورايتها. وسائر المطالب من محو الأمية، وتعميم التعليم، واستصفاء أهل النبوغ، والإنفاق على التعليم، وتشجيع البحث العلمي وتوطينه واستثماره، كلها أسلحة ضرورية. بجهاد واحد وإعداد للقوة واحد.

إن كان كسب العلم الضروري للعبادات الفردية فريضة على كل مسلم ومسلمة، وعلى كسبه الاستقامة عليه تتوقف سعادته في الآخرة، فإن كسب العلوم والجهاد في تحصيلها قضية حياة أو موت في حق الأمة.

هذه العلوم الكونيةهذه العلوم الكونية التي يطورها ويستعملها ويركب جيادها الجاهليون لا تقابل العلم الحق ولا تقاتله ولا تزاحمه على حياة البشر لو أنها وضعت مواضيعها ولم يعد بها العقل المبسط المموه للحقائق مكانها من إعراب الخلق.

ليست هذه العلوم الكونية، وليست أسباب اكتسابها من محو الأمية و& ورجسا من عمل الشيطان. لم يصنعها العقل الغربي.

لم يصنعها..

إنما هي أسرار أودعها الخالق البارئ سبحانه في خبايا المادة وتلاحمها الفيزيائي وتفاعلها الكيماوي وقوانينها الرياضية في الذرة والأجرام السماوية، وفي الماء والهواء، وفي المعدن والأحياء، وفي النبات والحيوان.

وخلق سبحانه وقدر الأدمغة البشرية. رقد بعضها فلم يطور آلات علمية لينبش ويبحث ويستخرج. وبحث بعضها فوجد.

الناس سواسية في العقل، كافرهم ومومنهم.

وهذه الآلة الكلية الأساسية التي بها تستخرج كنوز الأسرار التي وضعها البارئ سبحانه في ثنايا الكون كان للمسلمين اليد الأولى الطول في تدبير صنعها واستنباط طرق استعمالها.

إنها الطريقة التجريبية نسبوها لبكين ونسل بكين من رواد العلوم في الغرب، فأنكرت أبوتنا وننكر نحن بنوتها وذلك عقوق. والتوبة عن كبيرة العقوق تأتي في مقدمة التوبة.

أي شيء صنع المستكشفون والباحثون طورا على طور؟ اكتشفوا شيئا كان هناك صنعه غيرهم. وصاح صائح الظفر من تلك الديار: هذا نيوتن صاغ قانون الجاذبية، وهذا باستور اكتشف الميكروبات وصنفها وصنع الأمصال.

ويحكم وهل صنع ذلك الجاذبية؟ وهل خلق هذا الأحياء المجهرية وبثها في الأحياء الصحيحة والمريضة~ !

ويحك يا ابن آدم !وأنت، أي شيء أنت ؟

إدَّارك علمهم في الآخرةسفُل علم القوم بالله عز وجل، بل انعدم واضمحل. آدَّارك علمهم بالآخرة، فهم في عماهم عن العلم الحق. وفتح الله عليهم بلاء العلوم والصنائع والتكنولوجيا تجري بهم وبالعالم. وهي تتحكم لا هم. الله سبحانه يجريها ويرسيها.

آدارك علمهم بالآخرة فهو في أحط المحطات. بل لا تذكر الآخرة لأنه لا مصدر لعلمها إلا الوحي. والوحي أمر لا تدركه العقول المنكبة على المادة في المختبرات المجهزة الدقيقة التي تقسم الزمان وتحسبه في ملايين أجزاء الأجزاء من الثانية وتقسم الذرة إلى ما تبقى منبهرة في تجزئه وتركيبه وحركته الدائرية المتجاذبة المتدافعة.ولا يشم رائحة الوحي وعلم الآخرة العقل المجرب الذي يصوب تلسكوباته الفضائية إلى عوالم يحسب مسافتها بملايير السنوات الضوئية، ويجد لها نظاما دقيقا شبيها في حركته وتجاذبه وتدافعه وترابطه بنظام الذرة.

ثم لا يفيء هذا العقل الجبار إلى الله عز وجل. سبحان الله الذي أضل من شاء عن العلم به بما شاء من العلوم الكونية~!

وقد بدأ ثلة من علماء المختبرات يرجعون إلى الإيمان بالله. وما ندري أي جدار ينصبه الله عز وجل للحياة المنتشية بكشوفاتها، تصطدم به يوما لتفيق من هذه الغيبوبة المنكرة.

أسلمة العلوميكتب المومنون عن ضرورة أسلمة هذه العلوم الكونية. هي مسلمة لولا أن العقل الذي سطا عليها ونسبها إلى نفسه صاغها صياغة انقطاع عن مغزاها ومولدها وما تعنيه من نظام الكون ووجود الإنسان وقابلية عقله لتلقيها .

هي مسلمة لولا أن نتائجها وقوتها وإمكانيتها يسخرها البشر المستكبرون في الأرض بغير الحق لأهداف العلو في الأرض لا لتزويد التكافل البشري والتراحم الإنساني بما يلزم من وسائل.

العلوم التجريبية المحضة، وما يؤسسها من رياضيات، وما ينتج عنها من تطبيقات عملية، كلها مسلمة لولا القصد الكافر والاستعمال الفاجر. من خلقها ودبر العقل البشري ؟