من هو رضي الله عنه:

هو الصحابي الجليل سيدنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري وكان اسمه في الجاهلية عبد عمرو، وقيل عبد الكعبة، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن. وأمه الشفاء بنت عوف الزهرية، وكنيته أبو محمد.

ولد في مكة المكرمة سنة 43 قبل الهجرة، وأسلم مبكراً فكان ثامن ثمانية دخلوا الإسلام، أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه فما غُـمَّ عليه الأمر ولا أبطأ، بل سارع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبايعه وفور إسلامه حمل حظـه من اضطهاد المشركين، هاجر إلى الحبشة الهجـرة الأولى والثانيـة، كما هاجر إلى المدينـة مع المسلميـن وشهـد المشاهد كلها، فأصيب يوم أُحُد بعشريـن جراحا إحداها تركت عرجا دائما في ساقه، كما سقطت بعـض ثناياه فتركت هتما واضحا في نطقه وحديثه.

عن ابن إسحاق يصفه رضي الله عنه قال: كان ساقط الثنتين، اهتم، أعسر، أعرج، كان أصيب يوم أحد فهُتِمَ، وجُرح عشرين جراحة بعضها في رجله فعرج.

وهو رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أهل الشورى وأحد الثمانية الذين بادروا إلى الإسلام.

من فضائله:

كان سيدنا عبد الرحمن بن عوف تاجراً كبيراً ومن كبار أغنياء المسلمين، جاهد بنفسه وسيفه وأمواله، فكان كثير الإنفاق والصدقات على المسلمين، حيث تصدق بمئات الآلاف من الدراهم والدنانير، وجهز ألف راحلة في سبيل الله، وتبرع مرة بمائة راحلة بما تحمل من المؤن على فقراء المدينة، ووضع مرة أخرى قافلة كاملة جاءته من الشام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له عليه السلام بالجنة، وكان كثير الإنفاق على نساء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، قالت السيدة عائشة بعدما رأته ينفق عليها وعلى بقية نساء الرسول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون”. سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.

وكان تقياً ورعاً فقيها، وكان يفتي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر وعمر، وله ذكر في كتب الحديث، روى مجموعة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى عنه عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك وأولاده، وجبير بن مطعم وجابر بن عبد الله، وآخرون.

قال سيدنا عثمان: ما يستطيع أحدٌ أن يعتدَّ على هذا الشيخ فضلاً في الهجرتين جميعاً.

ومن مناقبه أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بالجنة، و أنه من أهل بدر، ومن أهل هذه الآية:{ لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة }.

وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، فعن عمرو بن وهب الثقفي قال: كنا مع المغيرة بن شعبة، فسئل: هل أم النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ من هذه الأمة غيرُ أبي بكر ؟ فقال: نعم. فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على خُفيه و عمامته، و أنه صلى خلفَ عبد الرحمن بن عوف، وأنا معه، رَكعة من الصبح، و قضينا الركعة التي سُبقنا.

وعن قتادة:{ الذين يلمزون المُطوعين من المؤمنين في الصدقات } (التوبة79 ) قال: تصدَق عبدُ الرحمن بن عوف بشطر ماله أربعة آلاف دينار. فقال أناسٌ من المنافقين: إن عبد الرحمن لعظيم الرياء.

وعينه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائداً على سرية إلى دومة الجندل، وفيها أسلم على يديه ملكها الأصبغ بن ثعلبة الكلبي وجماعة من قومه، وتزوج ابنته تماضر بنت الأصبغ بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أم ولده أبي سلمة الفقيه، وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات بني كلب لأمانته ونزاهته، وانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وهو عنه راضٍ، وأصبح مستشاراً أميناً للخليفة أبي بكر الصديق، وفي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب حج حبيبنا عبد الرحمن بن عوف بالناس، وفي سنة أخرى حج بأزواج الرسول عليه الصلاة و السلام، وكان الخليفة عمر يستشيره في كثير من الأمور لأمانته وثقته به.

وقد قام سيدنا عبد الرحمان بن عوف باختيار خليفة المسلمين عثمان بن عفان، فكان موضع ثقته ومستشاره كما كان من قبل موضع ثقة الصديق والفاروق.

التجارة:

كان -رضي الله عنه- محظوظا بالتجارة إلى حد أثار عَجَبه فقال: ( لقد رأيتني لو رفعت حجرا لوجدت تحته فضة وذهبا ) وكانت التجارة عند عبد الرحمن بن عوف عملاً وسعياً لا لجمع المال ولكن للعيش الشريف، وهذا ما نراه حين آخى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، فآخى بينه وبين الصحابي سعد بن ربيع، فقال سعد لعبد الرحمن: ( أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا، فانظر شطر مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيتهما أعجب لك حتى أطلّقها وتتزوجها ) فقال عبد الرحمن: ( بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلوني على السوق ) وخرج إلى السوق فاشترى وباع وربح.

حق الله:

لم تكن تجارة سيدنا عبد الرحمن بن عوف له وحده، وإنما لله والمسلمين حق فيها، فقد سمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول يوما: ” يا بن عوف إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حَبْوا، فأقرض الله يُطلق لك قدميك ” ومنذ ذاك الحين وهو يقرض الله قرضـا حسنا، فيضاعفـه الله له أضعافـا كثيرة. فقد باع يوما أرضا بأربعين ألف دينار فرّقها جميعا على أهله من بني زُهرة وأمهات المسلمين وفقراء المسلمين، وقدّم خمسمائة فرس لجيوش الإسلام، ويوما آخر ألفا وخمسمائة راحلة.

وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأربعمائة دينار لكل من بقي ممن شهدوا بدرا حتى وصل للخليفة عثمان نصيبا من الوصية فأخذها وقال: “إن مال عبد الرحمن حلال صَفْو، وإن الطُعْمَة منه عافية وبركة” وبلغ من جود عبد الرحمن بن عوف أنه قيل “أهل المدينة جميعا شركاء لابن عوف في ماله، ثُلث يقرضهم، وثُلث يقضي عنهم ديونهم، وثلث يصِلَهم ويُعطيهم” وخلّف بعده ذهبُ كثير، ضُرب بالفؤوس حتى مجلت منه أيدي الرجال.

قافلة الإيمان:

في أحد الأيام اقترب من المدينة ريح تهب قادمة إليها حسبها الناس عاصفة تثير الرمال، لكن سرعان ما تبين أنها قافلة كبيرة موقَرة الأحمال تزحم المدينة وترجَّها رجّا، وسألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “ما هذا الذي يحدث في المدينة ؟” وأُجيبت أنها قافلة لعبد الرحمن بن عوف أتت من الشام تحمل تجارة له فَعَجِبَت أم المؤمنين: “قافلة تحدث كل هذه الرجّة ؟” فقالوا لها: “أجل يا أم المؤمنين، إنها سبعمائة راحلة”.

وهزّت أم المؤمنين رأسها وتذكرت: “أما أني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حَبْوا” ووصلت هذه الكلمات إلى عبد الرحمن بن عوف، فتذكر أنه سمع هذا الحديث من النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثر من مرة، فحثَّ خُطاه إلى السيدة عائشة وقال لها: “لقد ذكَّرتني بحديث لم أنسه” ثم قال: “أما إني أشهدك أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحْلاسِها في سبيل الله” ووزِّعَت حُمولة سبعمائة راحلة على أهل المدينة وما حولها.

خوفه رضي الله عنه وأرضاه:

وثراء عبد الرحمن -رضي الله عنه- كان مصدر إزعاج له وخوف، فقد جيء له يوما بطعام الإفطار وكان صائما، فلما وقعت عليه عيناه فقدَ شهيته وبكى ثم قال: “استشهد مصعب بن عمير وهو خير مني فكُـفّـن في بردة إن غطّت رأسه بدت رجلاه، وإن غطّت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خير مني، فلم يوجد له ما يُكَـفّـن فيه إلا بردة، ثم بُسِـطَ لنا في الدنيا ما بُسـط، وأعطينا منها ما أعطينا وإني لأخشى أن نكون قد عُجّلـت لنا حسناتنا”. كما وضع الطعام أمامه يوما وهو جالس مع أصحابه فبكى، وسألوه: “ما يبكيك يا أبا محمد ؟” قال: “لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، ما أرانا أخّرنا لما هو خير لنا “.

وخوفه هذا جعل التواضع حاديه، فقد قيل: “أنه لو رآه غريب لا يعرفه وهو جالس مع خدمه، ما استطاع أن يميزه من بينهم”.

الهروب من الإمارة:

كان عبد الرحمن بن عوف عليه رضوان الله من الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة لهم من بعده قائلا: “لقد توفي رسول الله وهو عنهم راض” وأشار الجميع إلى عبد الرحمن في أنه الأحق بالخلافة فقال: “والله لأن تُؤخذ مُدْية فتوضع في حَلْقي، ثم يُنْفَذ بها إلى الجانب الآخر، أحب إليّ من ذلك” وفور اجتماع الستة لاختيار خليفة الفاروق تنازل عبد الرحمن بن عوف عن حقه الذي أعطاه إياه عمر، وجعل الأمر بين الخمسة الباقين، فاختاروه ليكون الحكم بينهم وقال له سيدنا علي -كرم الله وجهه-: “لقد سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصفَك بأنك أمين في أهل السماء، وأمين في أهل الأرض” فاختار سيدنا عبد الرحمن بن عوف عثمان ذي النورين للخلافة، ووافق الجميع على اختياره.

وفاته:

في العام الثاني والثلاثين للهجرة جاد بأنفاسه -رضي الله عنه- وأرادت أم المؤمنين أن تخُصَّه بشرف لم تخصّ به سواه، فعرضت عليه أن يُدفن في حجرتها إلى جوار الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وعمر الفاروق، لكنه استحى أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار، وطلب دفنه بجوار عثمان بن مظعون إذ تواثقا يوما أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه وكان يتمتم وعيناه تفيضان بالدمع: “إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال” ولكن سرعان ما غشته السكينة وأشرق وجهه ولاحت تباشير اللحاق بالركب للقاء الأحبة سيدنا محمدا وصحبه.

وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن جده، سمع عليَّاً يقول يوم مات عبد الرحمن بن عوف: اذهب يا ابن عوف ! فقد أدركت صفوها وسَبقتَ رنقها. الرنق: الكدر.

وعن إبراهيم بن عبد الرحمن، قال: غُشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه حتى ظنُّوا أنه قد فاضت نفسه، حتى قاموا من عنده، وجلَّلوه، فأفاق يكبر، فكبَّر أهلُ البيت، ثم قال لهم: غُشِي علي آنفاً ؟ قالوا: نعم، قال: صدقتم ! انطلق بي في غَشيتي رجلان أجد فيهما شدة وفظاظة، فقالا: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فانطلقا بي حتى لقيا رجلاً، قال: أين تذهبان بهذا ؟ قالا: نحاكمه إلى العزيز الأمين، فقال: ارجعا فإنه من الذين كتب لهم السعادة والمغفرة وهم في بطون أمهاتهم، وإنه سَيُمتَّع به بنوه إلى ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهراً.

وقد أوصى عند احتضاره بخمسين ألف دينار وألف فرس في سبيل الله وأوصى لمن بقي ممن شهد بدراً بـ 400 دينار لكل رجل منهم وكانوا 100 رجل ومنهم الخليفة عثمان بن عفان، وخلف وراءه مالاً عظيماً من الذهب والإبل والشاة والخيل والمزارع، وتوفي في المدينة سنة 32هـ في خلافة عثمان بن عفان وعمره 75 سنة، ودفن في البقيع رحمه الله ورضي عنه وأرضاه.