يلح على المسلمين واجب عجزت عن الوفاء به الأنظمة الموروثة كما عجزت عنه الطبقة اللاييكية العصرية. ألا وهو تعميم التعليم والقضاء على الأمية. لا أمل لعزة في هذا العصر لأمة لا تقرأ ولا تكتب ولا تشارك شعوبها عن معرفة بما يجري في العالم وما تفرضه ضرورات الصراع في العالم.

منذ حين كان حديثنا عن الصفوة من الناشئة نصلها من النبع الصافي مصدر العلم الشامل، مصدر العلم بالله، وبرسل الله، وشرع الله، والإيمان بالله واليوم الآخر.

وحديثنا هنا عن تعميم المعارف الضرورية في الدين ومحو الأمية في الدين تساير جهود محو الأمية الأبجدية، والأمية السياسية، والأمية التقنية، وتساندها وتستند إليها.

إذ لابد من هذا التعميم مقدمة لاغتنام التقنيات التي هي قوام التصنيع، ولابد من التصنيع الذي هو قوام القدرة على الكسب، ولابد من مزاحمة الكاسبين في الدنيا المتنافسين فيها، القادرين عليها.

وإذ لا بد من تعميم التعليم ومحو الأمية ليطلع النوابغ الموهوبون، ولتفتح لهم الطريق ويشجعوا على تأصيل العلوم العصرية وتوطينها وترويضها على خدمة الأهداف الإسلامية والمقاصد الشرعية والمطالب الإيمانية.

وهي مهمة نبيلة أين نضعها في سلم الأسبقيات والأسبقيات تتزاحم على المرتبة الأولى!

تعميم التعليم يمكننا من إبراز النوابغ الموهوبين واختيار الكفاءات العليا والوسطى. وتنظيم المنح والمساعدات.

البحث العلميوتؤصل في معاهد البحث العلمي تقاليد الجدية والمسؤولية والنجاعة والجدوى العملية، يبذل في ذلك المال. ولا يكفي المال إن لم يكن كسب العلوم وتوطينها قضية لجماعة المسلمين كلها، وفرضا كفائيا يجاهد عليه المومنون والمومنات احتسابا وطاعة لله الذي أمرنا بإعداد القوة، كما يجاهدون في إكمال إيمانهم، وكما يشاركون في حياة أمتهم العامة. جهادهم ذاك من جهادهم هذا.

رحلت عنا تلك العلوم وكانت يوما ما من أيام عظمة المسلمين أطفالا أليفة في دارنا. تيتمت العلوم حتى كفلها النبوغ الأروبي وغذاها وطورها وسلحها.

متى يصيح مؤذن الفلاح فينا أن بضاعتنا ردت إلينا؟

بل متى يقف نزيف هجرة العقول من ديارنا إلى ديار الغربة؟

في كل قطر من أقطار التمزيق معاهد تسمى علمية. وهي قاع بلقع، لو تغيرت أعمالنا من إهمال لجد، ومن نظام الرشوة والمحسوبية الذي لا يشجع الكفاءات بل يثبطها، لعادت إلينا نبوغات بنينا وبناتنا.

هم هناك الآن وهن في بلاد تقدر الكفاءات، وتفسح لها المجال، وتهيء الجو العلمي الحافز، وتكافئ العامل العالم، وتؤمن حياة الناس.

أرجعنا إلى تمجيد العصرنة وكنا من قبل مع دعاتها في شجار؟

كلا، وإنما قضيتنا مع العقل الفلسفي الجاحد الكافر.

ومباراتنا ومنافستنا لمن يملكون القوة ويملكون مفتاح المستقبل يملي وجوبها الإيمان كما تمليها غريزة البقاء.

تتضاءل من عقد لعقد، بل من سنة لسنة في تسارع محموم، قيمة الموارد الطبيعية لتتعزز وتزداد نفاسة قيمة المادة الرمادية. يقصدون بالعبارة أدمغة النابغين، هذه التي تهاجر من ديارنا، نصرف على تنشئتها وتعليمها الأموال الطائلة ونحن الفقراء لتصب آخر الأمر في حصيلة الأغنياء.

تعميم التعليم، ومحو الأميات، ثم استصفاء النوابغ والنابغين، وتعبئة الكفاءات، مطالب ملحة. فهل تعجز الحكومة الإسلامية عن إنجاز هذا المطلب كما عجزت أنظمة العوالم المتخلفة التي نحن في غمارها ؟

تعليم في كنف الأمةتعجز أو تقدر. مما نرجوه من توفيقه سبحانه وبركته أن تقدر. وليس من شأن الحكومة الإسلامية وحدها أن تعلم وتعمم وتستصفي وتعبئ الكفاءات. بل ذلك أيضا من القضايا الأولى السابقة لجماعة المسلمين ولصالحي المومنين. ربما يكون أنجح للمهمة أن تدخل في الرعاية الصالحة لكافة المومنين والمومنات والمحسنين والمحسنات.

قرأنا منذ حين عن التعبئة الإسترادية الهائلة التي عبأها البعث العراقي في ميدان التكنولوجيا العسكرية التي تفرض تعبئة علمية عامة. هذا مثال على ما تستطيع إنجازه حكومة مصممة لها هدف يسهر عليه الممسكون بالزمام.

ومثال آخر ما أنجزه كاسترو وفي ثلاثين سنة من نهضة تعليمية محت الأمية في بلده وعممت. ومن قبل كوبا نهضة الإتحاد السوفيتي الهالك.

تستطيع إذن الدولة المصممة ذات الهدف أن تعلم وتعمم. لكن هل تستطيع أن تصطفي وتؤهل وتوطن؟

كان الاتحاد السوفياتي جاسوسا سارقا ماهرا لعلوم الآخرين واختراعهم. وما نعلم لكوبا ولا لتجربة البعث العراقي أصالة وتقدما وكسبا خالصا.

فإن استفهمنا التاريخ عن سر تقدم الغرب في العلوم وجدنا، من بين ما نجد من أسباب، استقلال التعليم عن الدولة واحتضان مؤسسات خاصة للمعاهد التي صبغت النبوغ والتفوق.

وإذا ذكرت كليات أكسفورد وكمبردج في بريطانيا العظمى فقد ذكرت الكنيسة ودعم الكنيسة ومال الكنيسة ومنح الكنيسة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية يختص التعليم الحر، لاسيما التعليم الجامعي والعالي، بنصيب الأسد: ثمانون في المائة من تعليمهم حر يعيش بالمنح الخاصة والتبرعات الإحسانية والقرض المسهل للطالب، يرد ما اقترضه بعد إنهائه الدراسة ودخوله في النشاط الاقتصادي.

يكفي ذكر جامعتي هرفرد وييل اللتين تألقتا في سماء العلوم منذ ما يناهز ثلاثة قرون وخرجت الصفوة القائدة لحركة الاختراعات المتقدمة.

إذا نظرنا الآن إلى الأصيل من تراثنا ماذا نجد؟

نجد المسجد في عين دائرة التعليم. ونجد التطوع والأوقات والإحسان إلى طالب العلم وكفالته وكفايته مؤونة العيش ولوازم الطلب من كتب تزخر بها خزانات المسجد.

ما كان التعليم والتعميم واصطفاء العلماء يوما شأنا من شؤون الدولة في الأصيل من تاريخنا.

كان المتمولون يتبارون في بناء المعاهد. وكان الأمراء يشيدون المدارس ويخصصون لها الأوقاف الغنية. نذكر لأمراء تلك العهود هذه المفاخر، فالمقام ليس مقام المحاسبة على ما أجرم المجرمون منهم.

وحتى عهد قريب كان المتمولون من المسلمين في بلادنا يعتبرون من البر كفالة طالب العلم ورعايته وتمويله. لا تزال في بوادينا بقية من تعظيم قارئ القرآن والدارس. النساء يرونها قربة إلى الله أن يطعم من صنعهن قارئ القرآن، والرجال ينفقون على المسجد والقائمين على المسجد.

كان أحد شيوخنا رحمهم الله جميعا وأحسن إليهم كما أحسنو إلينا يأخذ طالب العلم الوارد على المدينة إلى متجر من متاجر ذوي الدين والمروءة. فيعرفه به، ويذكر له حاجته، ويكله إلى بره، فيتبنى المحسن الطالب، ويخرج الشيخ من القضية المعاشية لطلبته ليخلص جهوده للتعليم. ومن المتمول الفاضل إلى الطالب تتمتن أواصر المعروف، يقوم بشأنه من منحة قارة ولباس وكتب، يصبح له في مدينة الطلب أهل عوضا عن أهله، ويتمتع بدفء الرعاية، يشجعه ذلك على إكمال دراسته.

بهذه الطريقة تسددت خطى أجيال من العلماء اكتنفتهم العطايا المالية والإنسانية في حضن جماعة المسلمين المتمثلة في أهل المروءة والدين، واكتنفتهم الأبوة الروحية المعنوية للعالم المتطوع الساعي لآخرته المقدم لها.

بذل العلملم يكن التعليم قضية دولة، بل كان البذل والتطوع والمسارعة إلى الخيرات هي البواعث، وهي الفواعل.

كان العالم في مسجده مركز إشعاع إليه يهرع السائل، وعليه تطرح المسائل، ومن توجيهه وبحرمته في المجتمع يتعارف الخيرون ويرصدون ذات اليد وذات المودة العناية لمصارف المعروف. كان في مقدمتها تشجيع العلم.

بوجود هذه النويات الخيرة الماسكة في مجتمعات المسلمين حافظت الأمة على بقائها المعنوي. في وسط النواة الاجتماعية علماء متطوعون، زاهدون فيما بيد الخلق، حارثون لآخرتهم، ومن حولهم سواد الأمة.

وكان لعلماء المسلمين الشأن العظيم. رحمهم الله.

كان العلماء يتقون الله عز وجل، يخافون أن يكتموا العلم عن الطالب وعن عامة الناس، فكان شغل يومهم وليلهم بث العلم. أدركنا من هؤلاء الأخيار من كان يبدأ أول مجلس للتعليم الطوعي بعد صلاة الصبح، ثم تتتالى مجالسه بلا انقطاع إلى ما بعد صلاة العشاء. فطائفة من الطلبة سألوه تدريس الكتاب الفلاني، وجماعة من العامة سألوه أن يحاضرهم بعد صلاة المغرب. وهكذا.

رحم الله تلك الأرواح الطاهرة. وعشنا إلى زمن رفعت البركة من مجالس علمائه لما أصبح درس ساعة يكافئ بقدر من صندوق الدولة.

رفعت البركة لما نسي أهل العلم الوعيد الشديد للباخلين بالعلم. وعسى يعود الله عز وجل بعائدة التوبة فينهض للتطوع ورعاية العلم وتعميمه والإنفاق عليه ذلك القرآن المبارك بين أهل العلم والدين وأهل المروءة والدين والمال.

أليس من ديننا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “من سئل علما يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة”؟ (رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة).

ثم أليس ممن يحق أن يتنافس المتنافسون في إكرامه طالب العلم الذي تضع الملائكة له أجنحتها رضى بما يصنع؟

إذا طلبنا من المولى التواب الرحيم سبحانه أن يعود علينا بعائدة التوبة، وإذا اقترحنا على الأمة استعادة تركيبتها الأصيلة وهي جماعة المسلمين بنوياتها من أهل العلم والفضل وبوظائفها الاجتماعية السياسية، فإنما نطلب ممن له القدرة سبحانه، ونقترح على مستقبل المسلمين تركيبة حية بكل معاني الكتاب والسنة ومقاصدها ومطالبها. لا مجرد تنظيمات دنيوية.