لماذا تأسست هذه الحركات الإسلامية؟ ماذا تريد؟ وما مقصدها الأساس؟

أسئلة جوهرية صاحبت نشأة هذه التنظيمات الخيّرة ورافقت تطورها المطرد وتلازمها وهي تلج المستقبل، تشدها إلى الأصل كي لا يضيع وسط الفروع المتفرعة. أيتها الحركة الإسلامية، لماذا تأسست؟

أسئلة تستكنه الأساس الذي تم عليه البناء، تعضيدا وتذكيرا وتوريثا للأجيال المتلاحقة من التائبين. أيتها التنظيمات الإسلامية، ماذا تريدين؟

أسئلة تتعدد الجهات التي تطرحها بين العدو المتربص والمخالف المستفهم والوافد الجديد والقائد المربي المجيب. أيتها التيارات الإسلامية، ما مقصدك الأساس؟

نطرح هذه الأسئلة من داخل الذات الإسلامية، تجديدا للنيات وتأكيدا على البديهيات وتتبيتا للمسلّمات. ونبادر إلى الإجابة بيقين قاطع، أن طلائع المومنين المتراصين في هذه الصفوف المتعددة يريدون أن يتوبوا إلى الله وأن يدعوا الناس إلى التوبة، يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين وهو يحدد ماهية جماعة العدل والإحسان: “جماعة العدل والإحسان هي جماعة دعوة وليست سياسة، ومعنى ذلك هو دعوة الناس إلى الله تعالى والتوبة إليه عز وجل” (ندوة رفع الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين).

1- الحركة الإسلامية والتجديد الرسالي:

تسعى الحركة الإسلامية العالمية إلى تجديد إيمان الأمة في قلوب الأفراد وإحياء دين الله في حياة المجتمع، قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم. قالوا: وكيف نجدد إيماننا يا رسول الله. قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله”. وفي حديث آخر “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

تجدد الحركة الإسلامية الإيمان والدين معا، في الأفراد والجماعة على السواء، تجمع هم الدنيا والآخرة في سعي واحد يبني في اتجاه قاصد قال سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه: “يا ابن آدم! أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما. وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر”.

الحركة الإسلامية توبة ودعوة رسالةً، رحمة وحكمة أسلوباً.

توبة الحركة الإسلامية هي الأساس وأم المقاصد، وذلك بأن يتوجه أبنائها بكليتهم لطلب وجه الله وأن يسارعوا إلى الخيرات واضعين نصب قلوبهم الفوز برضى الله والظفر بالنظر إليه سبحانه وتعالى.

الدعوة حِرفة الحركة الإسلامية وعنوانها ورسالتها، إذ أن حمل هم العالم يعني أساسا دعوته إلى مأدبة الرحمان، دعوته إلى الصلاة والقرآن والخلق الحسن والتفيئ بظلال الإسلام الطيبة وثماره الحلوة. إنها دعوة إلى التوبة وعقد الصلح مع الله.

لا تكون الحركة إسلاميةََ إن لم تكن الرحمة أسلوبها والرفق حاديها “ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما كان العنف في شيء إلا شانه”، بل إن نجاحها موقوف على اقتباس هذا المعنى القلبي العميق من مشكاة صاحب الرحمة وقائد حركة التجديد الرسالي الأعظم صلى الله عليه وسلم “إنما أنا رحمة مهداة”.

حكمة هذه الحركة المجددة تتجلى في طبيعة خطابها وممارستها، وتظهر في إدراكها المقصد الشرعي واستحضارها الإكراه الواقعي، وتبرز في استرشادها بسنة التدرج وحملها لواء التوازن تربية وحركة وفكرا.

نور هذه الرحمة الإحيائية يعم الأمة والأمم، إذ الحركة الإسلامية طليعة تربوية جهادية وسط هذه الأمة لتخرجها من وضع الفتنة وحالة الوهن إلى مكان العزة وصفة الخيرية.أمة تقود العالم نحو الخير والتعاون والوئام، أملا في أن يتوب كل إنسان وينعتق بأن يعتنق دين الله “إن الدين عند الله الإسلام”.

الحركة الإسلامية نواة تجديدية طيبة في هذه الأمة، ونداء رسالي صادق أن “سارعوا إلى مغفرة من ربكم”.

2- الحركة الإسلامية والقصد الرسالي:

واضحةٌ أهداف الحركة الإسلامية: توبة ودعوة وإحياء لهذه الأمة على شريعة الله وإنقاذ للإنسانية من نفقها التعس. وقاصدةٌ طلائع جند الله في رسالتها التجديدية هذه.

القصد الرسالي عنوان بارز ينبغي أن يميز سير هذه الأفواج المؤمنة، ومنارة مضيئة حتى لاتتيه الحركة في دروب مسدودة والفكر في متاهات محدودة والزهادة في انعزالية منبوذة.

القصد الرسالي ترتيب للأولويات وتحديد للوسائل والأهداف والغايات في صيغة تراتبية تُزَايِل المقصد المخدوم عن الوسائل الخادمة، وتُبوِّء الغاية مكانتها السامقة لتبقى المطمح والمبتغى والمبتدأ والمنتهى والمعيار والحكم لأنها الأصل والأساس.

من أهم مبادئ القصد في رسالة الحركة الإسلامية، إحكام البناء في سنواته الأولى وعلى أكتاف رجاله الأُوَل على قواعد الغايات الكبرى والمقاصد العظمى قبل أن تكثر الاهتمامات والتفريعات والتخصصات، إذ عندها يبقى الأصل مكين يجدب له كل فرع ويحليه بقصدية الوجهة وينظمه في مشروع منسجم جميل. كما يظل الرجال المؤسسون شامة تربوية ترتفع روحانية الحركة بهم وضوء لامع يضيء الطريق وينير السبيل وصوت حان يذكر كل من غفل وتنكب، إذ رؤيتهم تذكر بالله ومحبتهم باب التجارة والفوز مع الله لأنهم أحباب الله.

ولقيمة المقصد وجب التأكيد عليه والتذكير به. إذ الإلحاح على ما يفترض أنه بديهي ومسلم به يستمد ضرورته من توالي الأيام والأعوام وتأثير الزمن وتفاوت الهمم وتوافد الأعضاء الجدد، وهذا ما يسميه الأستاذ ياسين بالإلحاح على البديهيات “يأيها الإسلاميون المقبلون على الحكم، ماذا تريدون؟ أتريدون دولة باسم الإسلام ينتهي عمَلُكم الدعَوِيُّ عند إقامتها، فتذوب الدعوة في الدولة، أم تريدونها خلافة على منهاج النبوة؟ وإذن فلا بد أن نتكلم في البديهيات لنصحح المسار ولنؤسِّسَ خطابنا وهو مرآة لما تُكنه النوايا على تقوى من الله” (العدل: الإسلاميون والحكم ص 76).

3- الحركة الإسلامية وتحميل الرسالة:

مطالبة الحركة الإسلامية بتحميل رسالتها لأجيال متلاحقة دون أن تحيد هذه الأجيال عن الوجهة ودون أن تزيغ عن القصد. إن عملية توريث الرسالة ليحملها مؤمنون جدد وتائبون منضوون إلى صف النور يجسد استمرارا ضروريا لكوكب النور الذي تكفل الله بإتمامه “والله متم نوره”. فهو اختيار إلهي واصطفاء رباني لحملة الرسالة.

حامل الرسالة الحامل هم آخرته والمتهمم بمصير أمته الأرضي، ملزمة دوائر التربية والتأهيل بأن ترتقي به ليحمل هم آخرة الأفراد أيضا، وهو مرقى جميل يفتل حقا في المصير الفردي عند الله عز وجل.

تخسر الحركة الإسلامية الرهان إن انخرط أبنائها في صراعية سياسية فكرية حركية بدعوى إقامة الإسلام ودولة المسلمين، متناسين جوهر التجديد الرسالي ولب اللب في هذه المعادلة وهو مصير كل فرد عند الله، كيف هو؟ أمؤمن كريم عند الله أنا، أم منافق هين عليه؟.

أكيد أن الحركة الإسلامية ملزمة بأن تزرع في أعضائها الإحساس بثقل المسؤولية وضخامة التبعات في تحمل قيادة هذه الأمة وتغيير ما بها، لكن آكد الأكيد أن ربح المعركة على مستوى الأمة يبدأ من هنا من داخل الأفراد “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.

نطقها مدوية سيدنا ربعي بن عامر في بلاط رستم “الله ابتعتنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”، هذه الرسالة وهذا حاملها قاصد في تجديده الرسالي.