إن مرور نصف عشرية التربية والتكوين التي حددها الميثاق الوطني وانتهاء المخطط الخماسي 2000 / 2004، يجعلان من رصد النتائج وتقييمها واستخلاص الخلاصات حول جدوى الإصلاح وسيرورته ليس أمرا متاحا فقط، بل مطلبا ملحا وأولوية قصوى، خصوصا بعد الفشل الذريع الذي تجلت مظاهره وفاحت رائحته، ولامسها التلميذ والطالب والأستاذ على حد سواء، وبدأت تلقي بظلالها على المنظومة برمتها…

في هذا السياق عقدت الدولة يومي 21-22 يوليوز الماضي المنتدى الوطني لإصلاح المشروع التربوي، هذا المنتدى عرف تغطية إعلامية كبيرة، وعلق عليه الإعلام الرسمي والحكومي آمالا عريضة في تقييم التجربة وتقويم المسار، ذلك ما أكده المستشار الملكي الأستاذ مزيان بلفقيه في الكلمة الافتتاحية حين قال: “إن المنتدى فرصة للوقوف على حصيلة مشروع الإصلاح التربوي” (1). وأكده السيد الوزير الأول إدريس جطو قائلا: “إن المنتدى يشكل مناسبة للوقوف على الورش الوطني الإصلاحي” (2).

ولكن للأسف، خابت الآمال مرة أخرى، فكانت النتيجة من جنس العمل: تمخض الجبل فكان الوليد دون مفاجأة فأرا!!!

أنهى المنتدى أشغاله فلم تصدر عنه أية وثيقة تلخص التوصيات، ولا تقييما رسميا واضحا للمرحلة يحدد مكامن القصور والفشل، وميادين النجاح، هذا إذا كان هناك بعض النجاح أصلا. واكتفى المنتدون بترديد الشعارات وإطلاق الوعود المعسولة وكأنهم يخاطبون شعبا آخر غير الذي خبر كذبهم وعانى الأمرين منذ خمسين سنة من سوء تدبير الملف التعليمي التربوي في بلدنا، وكأن الوضع الكارثي بالمغرب لا يحتاج إلا إلى تنميق وتزويق، وبكيت على أموال ضاعت وجهود بذرت ووالهفي على الجيل الضحية الذي سيؤدي الثمن غاليا، واضحيتاه !!

على كل حال، أنهى المنتدى أشغاله بكلمة السيد الوزير الوصي ليملأ الفراغ بما يناسب المهزلة، تضمنت الكلمة ثلاث توصيات / تعليمات رئيسة:

1. الدعوة إلى صياغة استراتيجية جديدة للمرحلة المقبلة.

2. الدعوة إلى تشكيل لجنة مشتركة لاستكمال الإصلاح خوفا من أن يقع أي اهتراء أو انقطاع أو لحظة تواثب في مسيرة الإصلاح في المرحلة المقبلة.

3. الدعوة لاجتماع هذا المنتدى في دورة مقبلة بعد سنتين.

قبل أن أناقش مع القارئ الكريم مضمون التوصيات أتوقف هنا لأطرح مجموعة من الأسئلة أراها مدخلا لفهم تلك التوصيات ووضعها في سياقها:

1. ما هو مصير الاستراتيجية العشرية 2000/ 2010 حتى تتم الدعوة إلى صياغة استراتيجية جديدة ؟ وإذا كانت الاستراتيجية الحالية التي أقيمت لها الدنيا وأقعدت قد استنفذت جدواها وفشلت في تحقيق طموحات الشعب المغربي، لماذا لم تعلن الدولة صراحة الفشل وأسبابه ونتائجه ؟ أم أنها لا تمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية الرديفة للصدق والوضوح والمسؤولية لتخطو هذه الخطوة الجريئة ؟ !

2. ثم أين يلتقي شعار الاستمرار الذي يفيد المواصلة والامتداد مع الدعوة إلى صياغة استراتيجية جديدة ؟ وما موقع اللجنة في النسيج القانوني التنظيمي الذي يحكم قطاع التربية والتكوين ؟ وما هي الضوابط التي تحدد الصلاحيات وحدود العلاقة بالمؤسسات الوطنية والجهوية والمحلية ؟ أم أنها لجنة فوق القانون ؟!

3. ثم ما مصير المناظرة الوطنية للتعليم التي عقدت ثلاث دورات سنوية حتى نعوضها بالمنتدى الوطني ؟ فإذا كانت المناظرة أعلنت فشلها في الدورة الثالثة المنعقدة بمراكش في فبراير 2004 ولم تصدر عنها أية توصية إلى حدود كتابة هذا المقال، وبقيت أشغالها حبيسة قاعة الاجتماعات، لماذا لم تقدم الدولة تقييما لهذه التجربة الفاشلة في تدبير ملف خطير يحتل مكان الصدارة في سلم الأولويات الوطنية ؟ أو ليس المنتدى إعادة إنتاج نفس التجربة تحت لافتة أخرى ؟!

هذه باقة من الأسئلة الملحة أضعها بين يدي أولئك المتربعين على كراسي عنجهيتهم الذين كلفوا أنفسهم تدبير هذا الورش احتكارا دون حق، وليتهم أحسنوا التدبير، ليتهم !!

لن أكون متسرعا إن جزمت بأن المنتدى وما ختم به يعتبر بداية المرحلة النهائية في عمر الإصلاح الأخير، ذلك أن دورة الإصلاحات التربوية في المغرب مرت تاريخيا عبر مرحلتين:

– مرحلة صياغة الإصلاح وتنزيله: خلال هذه المرحلة يعترض الإصلاح متاعب ومشاكل بنيوية لا تلبث أن تصبح إشكالات معقدة مستعصية على المعالجة لارتباطها بالإصلاح نفسه (مشروعيته وشروطه المعنوية والمادية وهلم جرا…).

– مرحلة إصلاح الإصلاح: خلالها تفرغ الدولة من إصلاح المنظومة إلى إصلاح الإصلاح، لتقتنع في النهاية ( إن كانت تمتلك أصلا قناعة ولم يكن الإصلاح مفروضا من الخارج ) باستحالة إصلاح الإصلاح، وبضرورة صياغة إصلاح جديد، فتبتدئ دورة أخرى.

قياسا على هذا المنوال التاريخي تكون الاستراتيجية الجديدة تمثل خطة إصلاح الإصلاح، وتكون اللجنة هي المؤسسة المكلفة بتدبيرها. إن الاستمرار في هذا النهج لن يزيد إلا في تعميق الأزمة وتكريسها، و تعقيد الإشكالات وتفريخها، وكان حري بنا وقد تأكدت استحالة نجاح هذه التجربة أن نفتح ورشا حقيقيا للإصلاح يشرك فيه الجميع دون إقصاء، إصلاح ينطلق من هويتنا الإسلامية ويروم تنشئة أجيال مخلصة الولاء لدينها ومسلحة بالعلوم الضرورية للنهوض والتحرر من قيود التبعية والانعتاق من ربقة التخلف، أجيال معبأة بالكفاءات والمهارات الضرورية لدوران عجلة التنمية الحقيقية.

لست متشائما ولا مبالغا، ولكم أن تحكموا معي على الوضع الجامعي الراهن حيث تم تجاوز الميثاق الوطني للتربية والتكوين جملة وتفصيلا، وأمسى خرابا منتقض الدعائم، فلقد تم:

1- تجاوز البناء البيداغوجي 2/4/6/9 المنصوص عليها في المواد 81-87 (3) إلى نظام 3/5/8 لتصبح ابتداء من هذه السنة 4/6/9 بعد إضافة الفصل الخامس دون سابق إنذار! !

2- إلغاء الأسلاك المخصصة لمزاولة المهن المنصوص عليها في المادة 77 وتجاوز التكوين بالتناوب المنصوص عليها في المواد 50-51.

3- إلغاء الأسلاك والشهادات المهنية – التي اعتبرها الإصلاح منفذا للجامعة على سوق الشغل  بخطاب وزاري في المناظرة الوطنية الثانية(4).

4- تجاوز الضوابط البيداغوجية التي نصت عليها المناظرة الوطنية الأولى مما خلف فوضى بيداغوجية عارمة لا يعلمها &#124أفقها إلا الله سبحانه وتعالى.

5- تكريس عزلة الجامعة عن محيطها الاقتصادي والاجتماعي بعدما فشلت الدولة في إقناع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بالإصلاح وجدوى الشراكة.

اللائحة أطول من أن يتم حصرها، ولنا في مقال آخر فرصة للتفصيل، خبروني بالله عليكم عن أي إصلاح يتحدثون ويريدون الاستمرار فيه ؟!!

إن الشعارات الزائفة والوعود الكاذبة قد تخدع، لكنها أبدا لا تغير من الواقع شيئا، والسرج الذهبي مهما غلا لا يجعل من الحمار حصانا.

ختاما، أدعو عقلاء هذا البلد ليتدخلوا لإنقاذ التربية والتعليم من الكارثة التي حلت به بما كسبت أيدي السفهاء وليعبئوا جهودهم وينخرطوا في حوار مجتمعي شفاف وصريح حول مداخل الإصلاح الحقيقية تكون أرضية للبديل الذي ينبغي إعداده لما بعد دفن المهزلة.

الهوامش:

(1) الاتحاد الاشتراكي العدد 7995.

(2) نفسه.

(3) الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

(4) الاتحاد الاشتراكي العدد 7492.محمد بن مسعود

كاتب عام الاتحاد الوطني لطلبة المغرب