لا يمكن ولا ينبغي أن ننخلع عن شيء من تاريخنا. لكن نظرتنا التقديسية إلى منبع الإسلام العلوي المصدر الأرضي النشأة كما أراده الله أن يخرح من بين طينتها ونفخة القدس، توشك أن تعمي عيون بصائرنا عن العبرة في تنزل السماوي على الأرضي. هذا حق المنبع.

أما النبع الصافي والمثال العلوي فهو باق بين أيدينا بحمد الله وعنايته. هو قال الله وقال رسول الله وفعل وأقر. لا نلتفت إلى تشكيك المتمعشين فلاسفة التاريخ الذين يقاولون أيهم يثبت أن النصوص التي تعتمدها هذه الطائفة من المسلمين أو تلك ما هي إلا نتيجة مصالحة بين أهواء تحاربت وروايات أسندت مواقف سياسية.

لكل مقام مقال. ونرجع إلى ما يسد المسالك بين نشء نريده أن يشب على الارتشاف والكرع والارتواء من النبع الخالد، مباشرة وبلا واسطة مؤول…

لغة القرآنأول ما يتعين على تعليم يطمح إلى وصل الناشئة المومنة بالنبع هو تعليم اللغة العربية بحيث يكون للمومن ما يشبه ويقرب ويحاذي سليقة العرب الذين بلسانهم نزل الوحي. سمعوه فوعته عقولهم واستجاب لهداه بعضهم وكفر بعض ممن انغلق دون هدى الله وانختم قلبه.

وإن تعليم اللغة العربية للشعوب المسلمة عجمها وعربها لَمِمّا يتحتم أن نجعله في صدر الأولويات. توحد اللغة القدرة على الاستقاء من النبع الواحد كما توحد التفاهم والتقارب وتبادل المصالح. وكل ذلك شرط وفرض وضرورة تاريخية لتوحيد المسلمين. ونرجع إن شاء الله لنحاور الوطني القطري الفاضل.

إن كان عاق تعميم العربية في تاريخنا سعة المساحة وتباعد الشقة وتصارع القوميات وفشو العجمة، فإن مشروع وحدة المسلمين الذي يبشر به ويحمله الإسلاميون، ثم الثورة التواصلية التي قربت البعيد وأبلغت الصورة والصوت والمعلومات في لمح البصر من أقصاها إلى أقصاها، من شأنهما أن يجعلا تعميم اللغة القرآنية الشريفة المنيفة في متناول الهمة.

ومن يرفع الهمم ويبلغ ويصل ويقرب ويوحد غيره سبحانه لاإله إلا هو.

فإذا أصبح للتائب والناشئ حس إيماني، ووحشة من بوار الكفر والشظف الروحي في عيشة الغافلين، وتعطش إلى السماع القلبي والعقلي من الله ورسوله، وكان للناشئ والتائب بصر حسن بلغة القرآن، فقد تأهلا للاتعاظ المباشر بالوعيد والوعد، والاعتبار المباشر بما في القرآن من أحسن القصص وبما في السنة من نموذجية سماوية أرضية، أرضية سماوية.

ليس يستغني التائب والناشئ عن فقيه في الدين يعلمه ويفتيه في كليات الفقه وجزئيات الأحكام مهما كان بصره باللغة وإخلاصه في الطلب.

يرمي المثقف المغرب وراءه ظهريا علوم الفقه، ويزعم أنه مجتهد وهو يجهل مبادئ الأدلة الشرعية وطرق إثباتها وروايتها ونقدها وتأصيل الفروع عليها.

بينما يغمض فقيه الفروع والحرفي المتحجر عيونهما عن الأرض الغريبة البعيدة عن مداركهما، العاجة الثاجة بتاريخ اليوم، ومشاكل اليوم، وقوى اليوم، ومتناقضات اليوم. هذا العج والثج يخوض المثقف المغرب في لججه. فما لفقيه الفروع المفتي في النوازل الشخصية من سبيل إلى الفقه الكلي الذي يريد سلاحا حادا ذكيا موفقا مؤصلا لينازل أهل الأرض بالمعاني السماوية المتكيفة بضرورات الأرض المعالجة لها برفق وجهاد.

وما من سبيل للمسلم المثقف إن أراد لنفسه نجاة من عناد المثقفين واعتزازهم بأنفسهم إلا أن يؤصل فكره ويهيء بالتوبة الإنقلابية المحل لتلقي الوحي بنية جديدة واعتبار جديد لقيمة فقه العلماء الأفذاذ من هذه الأمة. وإذا هو إن فعل رجل من الرجال…

أمية تاريخيةسواء اجتمعت الأمية التاريخية مع الأمية الفقهية على طمس معالم الاهتداء بين يدي التقليدي المقلد والمسلم الحداثوي أو انفردت إحداهما بأحدهما فالاستقاء من النبع على بصيرة تضع الأمور مواضعها أمر ممتنع.

ومن أفحش التيهان عن المعالم والغمض في البصيرة ووضع الأمور في غير مواضعها أن نتغنى مع جوقة المعزين لأنفسهم بالأمجاد الأموية والحضارة العباسية دون أن نأطر الصورة في إطارها الصحيح.

انحجبنا إذا عن النبع إن فعلنا، وارتوينا من أمشاج. زيفنا لأنفسنا الصورة من حيث نظن أننا نعزز جمالها. أضفنا على أنفسنا زيفا بعد زيف حين نحيط بهالة اسم “الخلافة” الصورة المتألقة بجهاد المجاهدين وعلم العالمين واتقان المتقنين، ننسب كل ذلك إلى أنظمة حاكمة ما أنزل الله بها من سلطان.

وتلك أمية في التاريخ تزيد فظاعة الأمية الفظيعة في الدين.

لا يتسع هنا المجال لإيراد الأحاديث النبوية الصحيحة التي أخبر فيها النبي صلى الله عليه وسلم بما ينقض عرى الإسلام بعده من تحول نظام الحكم من خلافة وشورى إلى ملك عاض فجبري.

أنت معزول مغرور حين تكذب الوحي وتسميها خلافة أموية عباسية. تخالف ما سماها به نبي الله الناطق من زمانه بمستقبل علمه الله علمه، فأنت بذالك رحمك الله ورحمنا على قدم مع المتغني بأمجاد التاريخ العربي، لا يفقه قبيله من دبيره إلا تباريا مع الأقوام كيلا يكون لهم مجد ولا مجد لنا، وحضارة ولا حضارة لنا. وثقافة نبزهم فيها بزا بما قيل من شعر وما تغنى من مغن في القصور الفخمة الضخمة.

غبش في وجهة استقبالنا القبلة النموذجية النبوية التربوية إن نحن غطينا على ما قصه الله تعالى علينا من عبر تربوية على العهد المجيد حقا وصدقا، عهد النبوة. وسد يحشرنا إلى الأمية التاريخية فالضياع في الأوهام ما نحلي به من تسميات مضللة هي من اختراع أصحاب السيف عهود أصحاب السيف. ومن أخطاء الصحابة رضي الله عنهم وشرور من بعدهم نتعلم.

وَيْ ! أَوَ يخطئ الصحابة !

هذاك الذي يحلل التاريخ ويصنفهم يمينا ويسارا ووسطا، ويتصيد الشوارد من فتات تلفيق المستشرقين ما هو إلا متجن أفاك. فلا ننتسب إلى شيء من الإفك والتجني باعتبارنا ما قصه الله تعالى علينا من عجر الأحباب وبُجَرهم لغوا يجب شطبه من التاريخ، وما حفظته لنا السنة المروية بأمانة عظيمة نزيهة قصصا من القصص.

ننحسر إذا وننكسر ونبقى مع الراكضين في العمة والحيرة إزاء ما أمامنا وما حولنا من مهمات لن نفقه مغزاها ومأتاها إذا لم نفقه متحركات النموذج الكامل الفريد وسواكنه، إن لم نتبطن نفسيات مومنة تولاها الله عز وجل برعايته في أحضان المربي المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم.

وننحجب عن المنبع النموذجي وعن النبع الصافي معا إن تداولنا تراث الأمجاد الحضارية اللاحقة، نضل به فكرنا وشعورنا وولاءنا غير المشروط.

أنتهز مع هواة التقافة وممجدي الحضارة العربية القومية أم ندس ذلك التاريخ المجيد بكل المعايير البشرية في التراب؟

ليس تنقيصا للإسلام وعظمة الإسلام أن نقف ونضع أصبع التعرف على مواقع الانحراف في تاريخنا. ما صنعه الواثبون على الحكم وما نقضوه من عرا الإسلام لم يثن المسلمين عن أداء واجبهم في تبليغ الرسالة. ولم يخل عصر ولا دولة ولا عشيرة حاكمة من رجال صالحين خدموا الإسلام، صلحوا وأصلحوا رغم فساد نظام الحكم.

من كرامات الله لهذه الأمة أن انحراف نظام الحكم عن جادة الشورى لم يكسر الدفع الإسلامي. من كراماته سبحانه لها أن المسلمين أدوا على مسرح التاريخ أفخم الأدوار رغم هذا البلاء المبكر والفتنة المتوالدة على رأس الحكم.

رغم.

والمنة لله عز وجل، والأمر كله له والتدبير.

لا ندس إذا في التراب أمجاد تاريخنا ولا نغلو في ذر رماد العمه في بصائر عقولنا. ذلك لتصبح المسافة بيننا وبين المنبع النموذجي شفافة، ولنصل الناشئة الفاضلة إنشاء الله بالمورد الأصل.

والصالح من فعل الصالحين وعلمهم وفقههم نشد عليه اليد ونعرضه على النقد مقابلة بين معروف مثالي وممكن يلامس التاريخ البشري ويلابسه.

أما يكفي ما نحن فيه في عصرنا وأمصارنا من فتنة تسد آفاق المتطلع للمستقبل حتى نزيد ضغثا على إبالة البقع السوداء على وجه مرآة ننظر بها إلى تاريخنا؟

هذه الناشئة نريدها بارئة إن شاء الله من رواسب الجهل التقليدي وعاهات النفسية المتوارثة كما نريدها قوية على اقتحام عقبات حاضر متجهم على المسلمين والدخول على باب المستقبل بثقة وطمأنينة. كيف نربيها، كيف نعلمها ؟