نصل القنوات الفردية بالقرآن والسنة، يحبب القرآن والسنة للنشئ ما يشاهدونه ويعاشرونه من قدوة وجو عام في المسجد ومجالس الخير والذكر وحلقات العلم والإيمان.

نصل قنوات الفكر والشعور والولاء بالنموذج المثالي، يحبب ذلك النموذج ويعلمه ويعلق عليه تشوف الناشئة القدوة الماثلة الحية المجالسة للمسلمين في مساجد المسلمين، ويغمر الجو العام المسجدي ذلك التشوف فيعانق الشوق الفردي الهم العام لجماعة المسلمين.

إذا قلنا بوصل قنوات الناشئ والتائب بالنبع، وقلنا بصرف وجه قابليته إلى القرآن والسنة، فإنما نعني قبل كل شيء إيقاظ العقل والقلب ليحب الناشئ والتائب الله ورسوله. يَقْوَى حُبُّه ولاؤه لله ورسوله والمومنين على قدر ما يصفو له بصر العلم وعلى قدر ما ينفذ إلى قلبه من نبإ يخبره به القرآن، وبشارة جاء بها الوحي، ومصير سعيد أعده الله في الدار الآخرة للمتقين، وتكليف خاص وعام يختص بحمله وتنفيذه المجاهدون فيقربهم ذلك إلى الله زلفى.

لا نعني أن كل وارد على المسجد وتائب وناشئ يصبح بعد حضوره المسجد شهرا أو شهرين، وفتحه المصحف ختمة أو ختمتين، قادرا على التفقه المباشر في أحكام دينه من الكتاب والسنة..

وأخرى كيف نفصل ؟يلتقي نوع من الفكر الفرداني لدى بعض المسلمين بالفكر اللاييكي عند هجوم الفريقين على الكتاب والسنة. اللاييكي الإسلاملوجي يهجم بأداته الإديولوجية أو الأكاديمية يفسر ويؤول ويؤرخ وينفي ويثبت بلا حدود.

والمسلم، بعض المسلمين، يعلم الناشئة الجسارة والجُرأة على “الاجتهاد”، فيزعم أن من معه القرآن والكتب الست فقد تعين عليه أن يأخذ لنفسه ويدع، مباشرة من النبع.

هذا خلط فظيع، ولقاء مريع.

لا يقبل الإسلامولوجي وصاية فقيه على باب الاجتهاد، وكأن الاجتهاد ساحة لعب. ويرفض المسلم الحرفي الذي ما كاد يخرج من الأمية الأبجدية الواقع لأنه لا يتطابق مع ما فهمه من أوراقه. فهذاك يطلق العنان لدابة فكره لا يحلل ولا يحرم، وهذا يشد الخناق على نفسه وعلى المسلمين ويعنف.

والصنفان في ارتباك وإرباك، لا فرق بينهما إلا أن هذاك ركبه هواه وولاؤه للمنهج المعرفي الفلسفي المادي، وهذا ركبه حب الرئاسة أتته منقادة سهلة بتعالمه. وركبه تحجره وتحرفه..

أي تراث ؟يلتقي الإسلامولوجي مع طائفة غير قليلة من المسلمين والإسلاميين أيضا إلى مائدة التراث، يغرف منها هؤلاء غرفا وينحت منها هذاك نحتا. كل يعتز بالتراث على اختلاف فيما يتبناه من اختياره أو اختراعه التراثي.

ويتهم الإسلامولوجي القح من يتكلم في التراث بغير إذنه وتحت طابعه بأنه متطفل على الميدان بشاهد ما مع هذاك القح من شهادات ودكتورات ومنهجيات ومؤلفات لا يستطيع هذا المسكين العاري من فضيلة الأكاديمية حتى أن يفك رموزها لو كان له من سعة المعرفة باللغات المتعددة التي يكتب بها الدكتور العالمي اطلاع.

كلا الطائفتين يختار من تراثه ويمتاز. وكلاهما يخترع فهما ويبتدع. ولئن كان المسلم والإسلامي تدفعه إلى الاعتزاز بالمجد الأموي والحضارة العباسية عاطفته الصادقة التي تسحب على كل ما تسمى بالإسلام وأعز الإسلام ذيل السماحة والإغضاء، فإن الآخر يعتبر المجد الأموي والفلسفة والحضارة وتاريخ الانشقاقات المذهبية مجاله الحيوي الذي فيه وبه يتمعش.

ويجد الدكتور نفسه وقد جر خلفه حمولة من “الإنتاج” وطابورا من الزبائن والمريدين في بحبوحة من السمعة تصنعها له المحافل الثقافية العالمية المتفرنجة التي نفضت يدها من الدين بمنهجية صارمة منذ زمان، فيزايد في السمسرة، ويتقدم إلى جمهوره المغرّب بأن فهم الإسلامي لتاريخ الإسلام إنما هو فهم أسطوري، وأن تعلق المسلمين بالنموذج النبوي الراشدي إنما هو تعلق بأسطورة تتألق في الخيال المتعطش الذي يزين تاريخا بشريا محضا.

بم يفخر المسلم الإسلامي المنخرط في المقارنات بين السماوي والأرضي إن لم يتباه بالمجد الأموي والحضارة العباسية والإنجازات الرائعة؟

يجد تسلية وتنفيسا عندما يحاجج بأن الإسلام سبق إلى كذا وكذا بأربعة عشر قرنا. وأن المجد الأموي والحضارة العباسية كان من شأنهما كذا وكذا مما يحق لتاريخ الإنسانية أن يعتز به.

ويكاد المسلم المعزي لنفسه، والإسلامي المتسابق مع أهل الأرض يقارن بين ما لا تصح المقارنة فيه، أن يدخل فعلا في عالم الأسطورة المزينة التي يستطلع الآخر خباياها النفسية والمعرفية في الخطاب الإسلامي.

إن الوحي الذي يومن به وبمصدره الإلهي المسلمون لا يصح أن ننزله منزل ما اخترعه الإنسان وقننه وشرعه. وإن النبوءة التي يومن بها المسلمون ويتحايل الإسلامولوجي ليخفي كفره بها هي مكان العصمة.

وما ندرجه في تاريخ المسلمين من جهاد النبوة فهو إلى وجه الظاهر نقتدي بسنته ومن سنته أن البشر بشر، وأن ما نقل إلينا من أخطاء الصحابة رضوان الله عليهم، وما تدسس من المنافقين بين ظهراني المجتمع الفاضل ذاك، وما تخلف عن الجهاد من متخلف وما تشاجر من اختلاف، وما أثم من آثم، إن هو جميعا إلا درس لكل جيل مسلم لكي يقبل كل جيل شروط ابتلاء الله سبحانه عباده على اختلاف الزمان والمكان والظروف.

كل ذلك درس واحد، مندمجا مع الهدي النبوي، جزءا من ماهية التربية النبوية، موضوعا لها. جنبا إلى جنب تتعايش وتتلاقح مع الفضائل العليا، ومع رفيع التقوى، والأعمال الصالحة السنية تصدر من أهل الصف الأول المهاجرين والأنصار. لا يضير خطأ من أخطأ وجبن من جبن واسترخاء من استرخى فتوة الجهاد ورجولة البذل، وإنما تشير إليها وتكملها كما تكمل ظلال اللوحة اللوحة.

إن تاريخا يقف متحجرا مزينا في مخيلتنا، يضفي على كل التراث المجيد حلة القداسة، ما هو إلا حجاب بيننا وبين نور الوحي الذي أنزله الله تعالى لأهل الأرض ليسعى على ضوئه أهل الأرض بتكليف واحد الروح متجدد الأسلوب.