جرت العادة والعرف أن يكون لكل أمة ذكرى تستلهم منها الدروس والعبر، وفي مقدمة هذه الدروس والعبر تكريم الرجال الذين صدقوا فبقوا على العهد حتى قضوا نحبهم، ولقد خصصت النصوص الشرعية مساحة واسعة للذكرى حيث تناولت قصص الأنبياء مع أقوامهم، وما آل إليه أمر الطائع والعاصي منهم، وجعلت في ذلك عبرة لأولي الألباب، ودعت إلى السير في الأرض وتأمل عاقبة المكذبين، واعتبرت المُعرض عن الذكرى من المجرمين، وحكمت بأن الانتفاع بالذكرى وقف على المؤمنين..

لكن، وللأسف، فالمتأمل في واقع الأمة الإسلامية يجدها تعمل على طمس كل ذكرى تحمل في طياتها بذور الانبعاث، بل استطاع أعداء الأمة أن يرفعوها إلى مقام الاحتفاء بذكراهم أي تحتفل بنصرهم وهزيمتها- زيادة في النكاية. وما ذلك إلا بفعل عوامل “التعرية التاريخية” التي أتت على قلب الأمة وعقلها حتى غدت “قيعانا لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ”، وأنسب الأمر كله إلى “بركات” العض والجبر، و”المجهودات المشكورة” للاستعمار “النظيف” المترفع عن كل استحمار.

وربطا بين ماض تليد كان يفهم معنى الذكرى ومغزاها، ويحيطها بكل عناية حتى تبقى حية في القلوب والعقول، وحاضر يتلمس أبناؤه الطريق نحوها مات الزمان بحثا عن كل ذكرى توقظ الوسنان، ربطا بين الماضي والحاضر سأتناول ذكرى ليست ككل الذكريات لأنها معجزة من معجزات حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي معجزة “الإسراء والمعراج” راجيا أن يوفقني الله في هذا التناول حتى يكون بدوره ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

السياق العام الذي جاءت فيه هذه المعجزة

رجح أكثر علماء السيرة النبوية العطرة أن حدوث الإسراء والمعراج كان قبل الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة بسنة واحدة أي بعد مرور اثني عشر عاما من البعثة، وهي سنوات ذاق خلالها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ألوانا من الاضطهاد الوثني شمل الجانب النفسي والاجتماعي والاقتصادي مما اضطره صلى الله عليه وسلم إلى مغادرة مكة والتوجه إلى أكبر القبائل بعد قريش وهي قبيلة ثقيف بالطائف آملا استجابتهم لدعوته، وطالبا لنصرتهم، لكن ردهم كان خائبا إذ ألحوا عليه في الخروج من بلادهم، بل أغروا به سفهاءهم فلاحقوه بالحجارة حتى أدموا عراقيبه، وتخضبت نعلاه بالدماء، إلى أن التجأ إلى شجرة وأخذ يدعو بالدعاء المشهور: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي..”، ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما عاد إلى مكة لم يستطع أن يدخلها إلا في جوار مشرك وهو مطعم بن عدي…

في هذه الظروف العصيبة والمحن المتلاحقة؛ في الطائف وفيما سبقها من وثيقة المقاطعة والحصار، ووفاة سندي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العاطفي والاجتماعي، أمنا خديجة رضي الله عنها وعمه أبو طالب؛ في هذه الظروف جاءت معجزة الإسراء والمعراج تثبيتا للرسول صلى الله عليه وسلم وتكريما له، لتكون بذلك منحة ربانية تمسح متاعب الماضي، وتضع بذور النجاح للمستقبل.

معجزة الإسراء والمعراج: الأحداث والدلالات

أ- المسجد هو المنطلق

إن الله عز وجل يخبرنا في كتابه العزيز عن منطلق الإسراء قائلا: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى… الآية 1 من سورة الإسراء، ليتأكد أن الشطر الأول من هذه الرحلة الربانية بدأ من مسجد وانتهى إلى آخر، ثم تأتي الأحاديث الصحيحة لتبين بدورها أن الشطر الثاني من الرحلة وهو المعراج سينطلق أيضا من المسجد نحو سدرة المنتهى ليرى النبي صلى الله عليه وسلم من آيات ربه الكبرى.

وفي هذا الأمر دلالات عظيمة على دور المسجد في الدعوة إلى الله وتربية الرجال الذين يجمعون بين “صناعة الموت” و”صناعة التاريخ” ولذلك كان أول ما فعله الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد وصوله إلى المدينة المنورة هو بناء “مسجد قباء” لا ليكون معلمة تاريخية، بل ليكون عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة جامعة، ومقر قيادة أركان جند الله، ومجلس شوراهم) فالمسجد، وهو بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها ويرجع إليها ويتجمع فيها ويتآلف جند الله).

ولعل الدور الرسالي للمسجد، فقه مشترك بين دعاة الإسلام وأعدائه، فدعاة الإسلام يعتبرون تحرير المسجد مطلبا أساسيا لبث روح المجاهدة والجهاد في الأمة، وأعداء الإسلام يعتبرون تجميد المسجد أمرا ضروريا لحفظ دينهم، وأنفسهم، وعقولهم، وأعراضهم، وأموالهم.

ب- الإيمان بالغيب صفة المتقين

إن معجزة الإسراء والمعراج كغيرها من المعجزات قائمة على الغيب، بل أصول الإيمان كلها منبنية على الغيب، لذا كان هذا العنصر حدا فاصلا بين دائرتي الإسلام والكفر.

وفي هذا المقام يحسن بنا أن نقارن بين موقفين متناقضين:

* موقف أبو بكر رضي الله عنه الموقن بالغيب إيقانا جازما جعله لا يستغرب هذه الواقعة لأنها مرتبطة بالقدرة الإلهية النافذة، فقال مجيبا المتشككين: إن كان قال لك لقد صدق، إني لأصدقه على أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء)، فسمي لأجل ذلك صديقا.

* موقف المشركين الذين استغربوا الأمر، واعتبروه مجرد بهتان، فقال قائلهم: هذا، والله الإمر البين أي الكذب الصراح-! والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟).

وإن استحضار عامل الغيب لدرس عظيم نستخلصه من بين ما نستخلص من عبر هذه المعجزة، خاصة وأن الجاهليين من حولنا، والمغربين من أبناء جلدتنا، وهم يحللون قضايانا يستحضرون كل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعكسرية والإعلامية أيها العنصر الحاسم في الأمر، ويغيبون تماما قدرة الله عز وجل، ونحن نوشك أن نسير في ركابهم.

ولعل هذا الأمر، واضح بشكل جلي في الانتفاضة المباركة لأبناء الأقصى، إذ يحاول المنبطحون، المهرولون، المطبعون، المستسلمون، أن يبرروا موقفهم المتخاذل هذا، من خلال الحديث عن قوة إسرائيل العسكرية بامتلاكها لأسلحة نووية، وعن قوتها الإعلامية، وعن تماسك جبهتها الداخلية.. ناهيك عن قوة حلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية وما أدراك ما الولايات المتحدة بالتهويل المخيف-.

وينسى هؤلاء المنبطحون أو يتناسون قوة الله عز وجل وقدرته التي حملت النبي صلى الله عليه وسلم في سرعة تتجاوز الخيال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم لتعرج به إلى السماوات العلى ليرى من آيات ربه الكبرى، ثم ليعود في ليلته إلى الأرض، في رحلة ربانية معجزة لا يدري كيفيتها بشر.

ج- الصلاة معراج المؤمنين

إن الصلاة هي العبادة الوحيدة التي فرضت في السماء، وقد فرضت في ليلة الإسراء والمعراج. لتكون بذلك هدية عظيمة يعود بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل مؤمن ومؤمنة من تلك الرحلة الربانية، ولتشكل معراجا إيمانيا يرقى به العبد إلى المثول بين يدي الله عز وجل، ولذلك كان “تحليلها التسليم” وهو إيذان بنهاية عروج العبد إلى مولاه.

ومما يزيد فرض الصلاة في هذه الليلة تعظيما، ويزيد المصلي مسؤولية، أن فرضها له ارتباط بالمسجد الأقصى حيث ظل المسلمون يصلون إلى بيت المقدس ثلاث سنين تقريبا إلى أن أمرهم الله أن يولوا وجوههم شطر المسجد الحرام، حتى يرتبط في وجدانهم هذان المسجدان، ويستقر في عقولهم وقلوبهم أن التفريط في المسجد الأقصى هو دليل على الاستعداد للتفريط في المسجد الحرام، وهو أمر غير مقبول ولا مستساغ من مؤمن يعرج إلى الله في صلاته خمس مرات في اليوم على الأقل.

هذا غيض من فيض هذه المعجزة الربانية التي تستحق أحداثها أن تشهر، وعبرها ودلالاتها أن تنشر، لتكون عونا على إيقاظ الأمة من سبات عميق، جعلها غثاء كغثاء السيل، وأورثها الوهن، وهي تملك من أسباب العزة بالله وبرسوله ما يؤهلها لقيادة سفينة الإنسانية التي تتلاطمها الأمواج في بحر لجي ظلمات بعضها فوق بعض.. فهل من قلوب مؤمنة، وعقول واعية تستلهم العبر من هذه المعجزة وغيرها حتى لا نعيش الوهن مرتين!؟.