للتعليم مكان الصدارة في أولويات البناء بما هو التعليم ومعاهد التعليم ومدارسه الابتدائية والثانوية والجامعات ومحاضن الصغار أمكنة للتربية والتأثير. وبما هو النظام التعليمي والإعلامي شبكة محيطة بوقت الناشئة مستولية على حياتها الفكرية والنفسية.

مكان التأثير والتربية ومكان الصراع بين اللاييكيين الحادثويين ورجال الدعوة ونسائها.

سباق بين جيش من المغربين المخلصين وبين ثلة من الإسلاميين تعززت صفوفها في بعض الأقطار المسلمة، وهي في بعضها طلائع تكافح التيار المنسحب عن الساحة السياسية، لكنه على الساحة الثقافية التعليمية له جذور لاتزال متماسكة، وله روافذ وصولة في بعض البلاد، وفي بعضها إنما هي عظام نخرة، وله معاقل وحماة وجرائد ومجلات.

لهذا الجيش مدد متصل زاخر من الشبكة الإعلامية العالمية التي لليهودية النشطة فيها الباع الطويل، وللتقنيات المتطورة المذهلة ذراع من برابولات تخطف من الأجواء، وشاشات عما قريب تدقق لتصبح أشد قوة على خطف الأبصار وخطف الناشئة من أحضان التربية في الأسرة.

دفق سائل غاز من الثقافة العالمية الأمريكية اليابانية يتلهى بها في بلاد البشرية المتخلفة المفقرة المنهوبة ناشئة متكاثرة متسكعة. بل ما أصبح هذا النشئ الفائض متسكعا إلا من تخلي الأسرة عن وضيفتها التربوية وانحلال الجهاز التعليمي المغزو. سبب وثيق، بل فتيق، من بين الأسباب الأخرى الاقتصادية الاجتماعية السياسية. الفقر والأنانية الطبقية والتفسخ.

وما تخلت الأسرة عن وظيفتها التربوية إلا لانشغال الكبار وشغلهم باللهو الإعلامي، سبب من الأسباب إلى جانب ترف المترفين يفضحه كدح البائسين، وإلى جانب الفقر المدقع في حياة أولئك وهؤلاء من مشروع جامع وتكافل.

وكلاء الثقافة العالمية المنحلة دعاة الفكر الغربي اللاييكي الديموقراطي وحماة الثقافة المنفتحة على الحداثة لا ترى في الحداثة وموكبها لا شرا ولا مرا كما كان يرى طه حسين وطبقته من رواد التعليم والثقافة الغربيين فينا. يرى طه حسين !

لا يرون جيش الوكلاء في الثقافة العالمية إلا كُلاّ يؤخذ كما هو، أو يدردر عليه بمحسة من التراث المحلي ليستساغ.

يرون الوكلاء أنهم أنفسهم جيل انتقال مخضرم يحمل في كيانه جينات العتيق، ويحبون لو تتطور على أيديهم الأجيال الناشئة لتغدو أكثر حداثة وجسارة على نبذ العتيق وما العتيق عند الوكلاء إلا الاسلام، يودون القضاء على كل نبض في الأمة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. معرضين عن القيم الماسكة عن القيم الماسكة لسماء الأخلاق أن تقع على أرض الفساد. التي كانت ماسكة قبل استفحال الفساد والانحلال.

ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

أسئلةونلتفت إلى الفضلاء العقلاء وإلى أنفسنا وإلى الأمة لنرفع على أفق تبدو لنا فيه هذه الأجيال المباركة إن شاء الله أجيال انتقال من التسيب الفكري العقدي الأخلاقي إلى الالتزام بالكلمة الحق، والرسالة الصدق، يحملونها في أمتهم وفي العالمين نبراسا في مدلهمات الدخان الجاهلي الجالب بخيله ورجله.

ألا وإن الإبتلاء بالثقافة المادية العالمية الغازية يبدو متصاعد العدوان، فلا بد أن تهيأ ناشئة المسلمين بصلابة الإيمان لتقاوم التيار.

ومن أين تكتسب، إلا من العلم والحق، وهو العلم بالله وباليوم الآخر. يغطي هذا النبأ بقرعه لأسماع القلوب وتنويره لأبصارها ما يصنعه التيار الغازي من ضجيج وصور ونغمات وخيال وقصص وألوان.

كيف نهيء النشء المومن الواعي بمأساة البشرية الشاردة عن ربها ؟

كيف نقيم في عقله وقلبه صارخا مناديا للإيمان يكون أقوى من ضجيج العالم التعليمي الإعلامي وهوسه؟

كيف نقطع حبال الموروث التقليدي الخامل من عادات وذهنيات وأنانيات ساكنة في الأجيال العتيقة، عالقة بالمخضرمة، دون أن نقطع حبل الفطرة الواصل بين أجيال الإسلام عبر تربية الأب والأم والقريب والجار ومعلم الخير والمسجد ؟

كيف ننفض أيدينا من التلفزيون المفتون الفاتن، ونعطي البديل الجميل الجذاب المربي ؟

أسئلة لها أخوات هن في انتظار الدولة الإسلامية تجيء بمشروعها التغييري الشامل. لا يفيد برنامج انتخابي لحكومة تضع أسئلة الحال وهي سائرة مع المد العالمي الهائم الجارف.

سألنا عن الجار قبل الدار. سألنا عن العامل المغير الواعي المسؤول المشارك. سألنا عنه في الصفحات السابقة كيف نعرف هل تغير هو في نفسه حتى نعلم قدرته على تغيير ما بأمته.

سألنا قبل عن التوبة الانقلابية والتنشئة الفطرية. وسألنا عن الجماعة المسلمة وعن مواصفات عضوها هل يعم بره العالمين أم يبقى في الهامش فيكون شرا على نفسه وعلى العالمين، منساقا مع الشر مغلوبا.

غيرنا يهتم أول ما يهتم وآخر ما يهتم بالهياكل والتنظيمات وتركيبات المجتمع المدني. ونركز نحن على ذالك المومن المطمئن بالإيمان والمومنة. نركز على ذالك المشمر العامل لآخرته والمشمرة. كيف هو في نفسه وخلقه، كيف هو في استقلاله الفكري والسلوكي والعاطفي بين الغافلين والمفلسين واللاعبين؟ كيف ينبغي أن يكون، وكيف ينبغي أن يربي ويعلم ويحصن وينشط وينظم.

مواصفات مطلوب أن تكتمل قدر الإمكان في الناشئة المومنة الوافدة من بركات الله وهديه لتأتلف في الموكب الإسلامي، ولتشد من أزر جماعة المسلمين.

نركز على التربية والتعليم والصيانة عن رياح الفتنة حتى يرتاش الجناح ويشتد العضد وينهض اليافع في الدين مكانه ومكانته في الصف.

ثم بعد ذلك نسأل عن هيأة أحزاب إسلامية ونقابات وجمعيات ومؤسسات متعددة متعاونة ترمقها عين الرقيب فتوحد جهودها، وتهددها عواصف الثقافة العالمية المادية وقوارصها، فتعلمها كيف تتصدى بإسلامها وإيمانها مهما كانت أساليبها في التربية متنوعة.

مهما كان التنوع فالمسجد جامع، والإيمان جامع، والصلاة جامعة، والخطر جامع.

مهما كان التنوع فالمنعة ضد التيار الهاجم إنما يكسبها مصل العلم والإيمان حين نصل قنوات النشء بالنبع. يتحصن بحقنة الصفاء من الكدر التقليدي ومن الوباء السافر والمتسلل.