الإسلام هو دين الله تعالى الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن يبتغ غيره دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين. وهو عقيدة ونظام حكم وشريعة؛ حيث يغطي كل مساحة في الحياة النفسية والفكرية والاجتماعية والسياسية للأفراد والمجتمعات. والمعتنق له يعمل ويؤمن به كاملاغير منقوص.

وعندما نتصفح كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، نجد حدودا محدودة لمجموعة من المعاصي والذنوب التي قد يرتكبها الإنسان في حياته، وذلك كحد شارب الخمر، والزنا والسرقة .. وهي محدودة وقليلة جدا مقارنة مع ما أباحه لنا سبحانه من طيبات الحياة الدنيا. وما شرعت لنا هذه الحدود إلا لمصلحة الحياة الإنسانية ودرء المفاسد عنها، أو ابتلاء منه سبحانه لنا لينظر من يستجيب لأمره، ومن ينتهي عن نواهيه ليكون الجزاء في اليوم الآخر إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

تطبيق الشريعة الإسلامية الكاملة في المجتمع المسلم أمرنا به من عند الله عز وجل. وعدم الحكم بما أنزل الله تعالى كفر وظلم وفسق كما جاء في سورة المائدة حيث يقول الله عز وجل: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الكافرون”. “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الظالمون”. “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولائك هم الفاسقون”. فما العمل وحدود الله معطلة؟ كيف نعيد تطبيقها؟. إن تطبيق أحكام الشريعة يستوجب فقها للواقع الذي نعيش فيه، والذي ستنزل فيه هذه الأحكام.

الأمة الإسلامية تعيش اليوم المآسي، فهي أمة متخلفة مقهورة مغلوب على أمرها؛ حيث لازالت مستعمرة من طرف الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية وإن كانت تعيش الاستقلال في ظاهرها. اقتصادياتها تابعة مربوطة بالاقتصاد العالمي، وسياساتها موجهة من طرف البنك الدولي. والقانون الدولي الذي يحمي مصالح الغرب و يضمن سيادته على الأرض مفروض على هذه الدول الإسلامية التي تعيش غالبية شعوبها تحت عتبة الفقر، وتتخبط في الجهل بعيدة عن دينها الذي انتقضت عراه قرونا عروة عروة منذ أن انقلب الأمويون على الخلافة الراشدة. من لا يستحضر هذه المؤثرات الخارجية، والتركيبة النفسية والاجتماعية للمسلمين أثناء تطبيق الشريعة يجلب المفاسد على المجتمع المسلم ويدرأ عنه المصالح.

سنة الله تعالى في التاريخ أن تتدرج الهداية والاستجابة إلى المجتمعات التي أرسل إليها أنبياءه لدعوتهم إلى دينه. فقد جاء القرآن الكريم في بداية نزوله يتحدث عن العقيدة والإيمان بالغيب والجنة والنار، مخاطبا في ذلك عقول وقلوب الناس ليؤمنوا به سبحانه أولا. ولما تسرب نور الإيمان إلى القلوب جاء التشريع بعد ذلك فاستجاب المؤمنون لأوامره سبحانه بخفة وإقبال.

فالخمر التي كانت جزء من حياة العرب حرمت على مراحل كما جاء في القرآن الكريم. وهذا سيدنا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه يوقف حد قطع يد السارق في عام الجدب والقحط. ويرد سيدنا عمر بن عبد العزيز على ابنه الذي طلب منه الإسراع بتطبيق الحدود بأنه يخشى أن يحمل الناس على الحق جملة واحدة فيتركون دين الله. وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: “إنما نزل أول ما نزل من سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء “لا تشربوا الخمر” لقالوا: لا نترك الخمر أبدا، ولو نزل “لاتزنوا” لقالوا: “لا ندع الزنا أبدا”.

وأحكام الشريعة قسمان:

1- أحكام فردية كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان..، يتواصى المؤمنون فيما بينهم عليها من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2- أحكام لها علاقة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، كالحدود العقابية: حد السارق، حد شارب الخمر..، هذا الصنف لتنزيله وتطبيقه ينبغي ان تتوفر ثلاث ضوابط شرعية:

أ- تهيئة المناخ الاجتماعي والتربوي والنفسي للمجتمع، وذلك من خلال تربية الناس على فضائل ونور الإيمان حيث يتطلب مجهودا كبيرا يقوم به الدعاة لتربية الناس على الرفق والرحمة وإشاعة نور الإيمان والايخاء بين المؤمنين، ومن تم يتقوى الإيمان في القلوب فتصبح متعلقة بالله تعالى وبذكره وتلاوة كتابه وعمارة بيوته. كل هذا يتم من خلال المسجد والإعلام والتعليم وتحرير الناس من التوقيت اللائكي واستبداله بتوقيت تراعى فيه أعياد المؤمنين وأوقات الصلاة.

ب- تحقيق الحد الأدنى من الرخاء داخل المجتمع. فالفقر كفر أو يكاد، وغالبا ما يدفع ضعاف الإيمان إلى السرقة بحثا عن لقمة العيش، وما تشيع الفاحشة والزنا إلا لعدم قدرة الشباب على الزواج.. وما أوقف سيدنا عمر رضي الله عنه حد قطع يد السارق إلا بسبب الفقر والجدب الذي أصاب قومه. فقبل تطبيق الحدود على الدولة أن تعمل على صيانة الكرامة الإنسانية بتوفير الشغل اللائق للناس وتحقيق تنمية عادلة داخل المجتمع تزيل الأحقاد التي هي سبب من أسباب انتشار الجريمة المنظمة.

ت- ثم بعد هذا يبدأ في التدرج في تطبيق الأحكام والحدود. فما ينبغي حمل الناس جملة واحدة على تطبيق أحكام الدين. فمتى امتلأت القلوب إيمانا، وشاع نوره بين الناس، وامتلأت المساجد بعمارها المحافظين على الصلاة، وتحقق الحد الأدنى من الرخاء والعيش الكريم، يشرع آنذاك في تطبيق الحدود العقابية تدريجيا. يقول الله عز وجل: “لا يكلف الله نفسا إلا وسعها”. “واتقوا الله ما استطعتم”.

ويناط بأهل الاجتهاد الذين يجمعون بين التقوى والعلم الشرعي ويفقهون الواقع جيدا، تحديد نطاق الوسع والاستطاعة المذكور في القرآن الكريم. وما فشل المسلمون في أفغانستان وفي غيرها إلا لعدم مراعاتهم لهذه الضوابط، وعدم فهمهم لسنة الله في التغيير، وتطبيقهم الحرفي للنصوص دون استحضار المقاصد التي شرعت من أجلها من غير تدرج ولا حكمة.