سجود المحراب، واستغفار الأسحار، ودموع المناجاة؛ سيماء يحتكرها المؤمنون. ولئن توهم الدنيوي جنانه في الدينار، والنساء، والقصر المنيف، فإن جنة المؤمن في محرابه [1].

ولقد منّ الله على الناس بكثير من المباح الحلال يفند الرهبانية، ولكن المؤمن له لذة كلما توجه إلى ربه، وصفاء روح، تتضاءل بجانبها لذة المباح، فيهجر الكثير منه حذر من كدر يعكر الصفاء الذي هو فيه.

جرب المؤمنون ذلك قديماً، زمن العيش البسيط، وعاشر السهر وردي شلة منهم، فوصفهم، وخرج بنتيجة، فقال:

(الذائقون حلاوة المناجاة لابد أن يجدوا صفو الأنس في الصلاة، ويتكدرون بيسير من الاسترسال في المباح [2]).

وجربه المؤمنون اليوم، زمن المدينة المعقدة، وأنابوا صالحا منهم يصف ما يجد كل منهم، ويقول:هـــاتنـي سجادتي *** فهي صفائي وسـروري

وهي شوقي ودثـاري *** وهي نبـراس الطهـور

ثم دعني في صـلاتي *** في مناجـاة القديـر [3]فهي صفاؤه، وسروره، وشوقه.

بل إن الصلاة في يوم هذه المدينة لأظهر في إضفائها السرور، فبينما يطيل التعقيد على الإنسان حياته الحاضرة، فيسأم، ويمل، ويضجر، تختصرها الصلاة إلى بضع ساعات فحسب، فتعيش في اطمئنان، وراحة بال، ولئن كان لنظرية آنشتاين في نسبية الوقت نصيب الصحة، فإن في الصلاة هذا النصيب، كما يشرحه مصطفى صادق الرافعي ويقول: (يا لها من حكمة أن فرض الله علينا هذه الصلوات بين ساعات وساعات، لتبقى الروح أبدا إما متصلة أو مهيأة لتتصل، ولن يعجز أضعف الناس مع روح الدين أن يملك نفسه أنه متوجه بعدها إلى ربه، فخاف أن يقف بين يديه مخطئا أو آثما، ثم هو إذا ملك نفسه إلى هذه الفريضة ذكر أن بعدها الفريضة الأخرى، وأنها بضع ساعات كذلك، فلا يزال من عزيمة النفس وطهارتها في عمر على صيغة واحدة لا يتبدل ولا يتغير، كأنه بجملته – مهما طال – عمل بضع ساعات [4]).

هو طويل جداً، مخيف مظلم للجاهلي. وهو قصير، هين منير للمصلي. وحية الجاهلي ركود مستمر. وحياة المصلي حركة، تزيد صوابا، أو تستدرك اعوجاجا.

وأنها (الله أكبر) تنهي هذا الركود، وتؤسس الحركة. (الله أكبر!)

بين ساعات وساعات من اليوم ترسل الحياة في هذه الكلمة نداءها تهتف:

أيها المؤمن: إن كنت أصبت في الساعات التي مضت، فأجتهد للساعات التي تتلو. وأن كنت أخطأت فكفر، وامح ساعة بساعة. [5]).

وأظهر حركة يولدها التكبير: حركة التمييز والفرقان، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. فإنك إن قلت: (اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين.) استشعرت في كل ركعة من هذه الأصناف الثلاثة، وتختص كل ركعة لمن ظهر منهم في زمن واحد، أو بلد واحد، فتجول في ركعات يومك بلاد الإسلام أجمع.

ففي ركعة تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الأطهار رضي الله عنهم مثلا لمن أنعم الله عليهم ولا الضالين.

وفي ركعة أخرى تذكر هودا وصالحا مثلا ممن أنعم الله عليهم، عليهم السلام، وعادا وثمود من الهالكين.

وفي ركعة أخرى تذكر الحسن البصري وابن سيرين وابن المسيب ممن أنعم الله عليهم، وأهل الردة، والجهم بن صفوان، والجعد بن درهم من المتخبطين.

وفي ركعة أخرى تذكر الإمام احمد بن حنبل ورهطه من المحدثين الموفقين، وبشرا المريسي وابن داود من الظالمين.

وفي أخرى تذكر ابن تيمية وابن القيم وابن الجوزي من المصلحين، وأصحاب وحدة الوجود والفناء الموهوم والشطح والابتداع من المدلسين.

وفي أخرى تذكر الإمام البنا وعودة وسيد، وثباتهم أمام الطغاة المتجبرين.

وفي أخرى تذكر حركة النور، وحزب ماشومي، وضلال أتاتورك وسكارنو من الكاذبين.

وبذلك تعقل صلاتك، والمرء ليس له من صلاته إلا ما عقل منها وتجدد عهدك مع أجيال المؤمنين، وتنبذ المفسدين، وتلك هي حركة الإيمان، فإن الإيمان الحق ما أخذ منك الولاء، وتركك على المفاصلة.

رجال مدرسة الليل ولكن تمام التذكر يكون مع الهدوء والسكون. فمن ثم كانت مدرسة الليل. وكان ترغيب الله للمؤمنين أن يجددوا سمت الذين (كانوا قليل من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون.) وإذا انتصف الليل، في القرون الأولى كانت أصوات المؤذنين ترتفع تنادي:يا رجال الليل جدوا *** رب صــوت لا يـرد

مـا يقوم الليـل إلا *** من له عـزم وجـد[6]

وإنها حقاً لمدرسة، فيها وحدها يستطيع رجالها أن يزكوا شعلة حماسهم، وينشروا النور في الأرجاء التي لفتها ظلمات الجاهلية.

وإنها لتجربة إقبال يوجزها فيقول:نـائح والليل ساجع سـادل *** يهجع الناس ودمعي هاطل

تصطلي روحي بحزن وألم *** ورد يا قيوم أنسي في الظلم

أنا كالشمع دموعي غسـلي *** في ظلام الليل أذكي شعلي

محفل الناس بنوري يشرق *** انتشر النور ونفسي أحرق [7]وإن دعوة الإسلام اليوم لا تعتلي حتى يذكي دعاتها شعلهم بليل، ولا تشرق أنوارها فتبدد ظلمات جاهلية القرن العشرين ما لم تهل بـ(يا قيوم).

ما نقول هذا أول مرة، وإنما هي وصية الإمام البنا حين يخاطب الدعاة فقال: (دقائق الليل غالية، فلا ترخصوها بالغفلة [8]).

أفعيينا أن نعيد السمت الأول، أم غرنا اجتهاد في التساهل والتسيب والكسل جديد ؟ إن القول عند الله لا يبدل، ولكن أرخصنا الدقائق الغالية بالغفلة، فثقل المغرم، ولم يجعل الله لنا من أمرنا يسرا.

إن انتصار الدعوة لا يكمن في كثرة الرق المنشور، بل برجعة نصوح إلى العرف

الأول، ومتى ما صفت القلوب بتوبة، ووعت هذا الكلام أذن واعية، كانت تحلة الورطة الحاضرة التي سببتها الغفلة المتواصلة.

ذلك شرط لا بد منه. وكأن النصر حجب عنا لأننا نادينا من وراء الحجرات، وجهرنا رافعين أصواتنا نوجب على الله لنا هذا النصر بادلال، نبيعه ونثبت لنا حقا عاجلا في الثمن من دون أن نقدم بين يدي بيعنا همسا في الأسحار، ولا الدمع المدرار، وإنما النصر هبة محضة، يقر الله بها عين من يشاء من رجال مدرسة الليل في الحياة الدنيا، ولا يلت الآخرين المحصرين من ثمنهم في الآخرة شيئا، ويوقع أجرهم عليه.أن تعلم الإخلاص، وفضح الأمل الكاذب الدنيوي أجلى أعطيات مدرسة الليل، كما يقول وليد، وذلك ما توجب تربيتنا تركيزه وتعميقه في النفوس. قال، والحق ما قال:يـا ليل قيامك مدرسـة *** فيـها القرآن يدرسـني

معنى الإخلاص فالزمه *** نهـج بالجنة يــجلسني

ويبصرني كيف الدنيـا *** بالأمـل الكاذب تغمسني

مثل الحـرباء تلونها *** بالإثم تحــاول تطمسني

فأباعدها وأعــاندها *** وأراقبهــا تتهجســني

فأشد القلب بخــالقه *** والذكر الدائم يحرسني [9]وأكثر من هذا، فإن من تخرج في مدرسة الليل يؤثر في الأجيال التي بعده إلى ما شاء الله، والمتخلف عنها يابس قاس تقسو قلوب الناظرين إليه، والدليل عند بشر بن الحارث الحافي منذ القدم،شاهده، وأرشدك إليه، فقال: (بحسبك أن قوما موتى تحيا القلوب بذكرهم، وإن قوما أحياء تقسو القلوب برؤيتهم. [10]) فلم كان ذلك أن لم يكن ليل الأولين يقظة، وليل غيرهم نوما ؟ونهارا الأولين جدا، ونهار الآخرين شهوة.

أتسقيك الحمامة؟ وأنه لقلب رقيق قلب الفقيه الزاهد أبي سهل الصعلوكي، يظهره تأنيبه لنفسه في قوله:

أنـام على سهو وتبكي الحمائم *** وليس لها جرم ومني الجرائم

كذبت لعمرو الله لو كنت عاقلا *** لما سبقتني بالبكاء الحمائم [11]فإن الذنب لا يغسل إلا بدمع، والشجاعة تسقى بدمع الليل، وما عرف تاريخ الإسلام رجاله إلا كذلك، ولم يقل ابن القيم باطلا في وصفه لهم بأنهم:يحيــون ليلهم بطــاعة ربهم *** بتلاوة، وتضرع، وســـؤال

وعيـونهم تجري بفيض دموعهم *** مثل انهمـــال الوابل الهطال

في الليل رهبـان، وعند جهادهم *** لعـدوهم أشجــع الأبطــال

بــوجوههم أثر السجود لربـهم *** وبها أشعة نوره المتـلالي [12]وسأل عبد الوهاب عزال الليل عن أروع أسراره، فأبان جوابه عن إصابة المؤمنين والمذنبين في تحريهم إياه، واستمع لتحاورهما:قلت لليل: كم بصـــدرك سر *** أنبئني ما أروع الأســـرار؟

قال: ما ضاء في ظلامي سـر *** كدموع المنيب في الأسحار [13]أفترى المؤمنين إلا مصدق بجواب الليل، فهو مسارع مستبق ؟

أم ترى أهل البلاغة إلا في إذاعة لما قال ؟ يستملون الناس.

* فـار من سبح والناس هجوع *

* يدفن الرغبـة ما بين الضلوع *

* ويغشيـــه سكون وخشوع *

* سوف يغدوا ذلك الدمع شموع *لتضئ الدرب يوم المحشر *** سجدة لله عند السـحر. [14]ويلقنون المؤمنين المخطئين طريق الجنة، فيستملون المسرف في أخرى أن:

* عد الى الله بقلب خاشع *

* وادعه ليلا بطرف دامع *

* يتولاك بعفــو واسـع *

ويبدل كل تلك السيئات حسنات أجرها لن ينفدا

* كل هذا العفو للعبد المنيــب *

* سابغا من خالق الكون الرحيب *

* للذي تاب إليه من قريـــب *

الهوامش:

[1] – شطر لوليد في مجلة التربية الإسلامية 7/627.

[2] – مذكرات سائح في العالم العربي / 79.

[3] – لياسين خليل اليهتي في مجلة التربية الإسلامية 6/222.

[4] – (5) من وحي القلم 1/364/259.

[6] – عن مجلة التربية الإسلامية 7/498 لأحد وعاظ القرن السادس.

[7] – ديوان الأسرار والرموز /79.

[8] – مجلة الدعوة عدد 62.

[9] – أغاني المعركة /28.

[10] – طبقات السلمي / 46.

[11] – طبقات الشافعية للسبكي 3/171.

[12] – إغاثة اللهفان /255.

[13] – ديوان المثاني / 25.

[14] – الوليد في مجلة التربية الاسلامية.