في هذا الموضوع سنكون في ضيافة مدرسة النبوة للتعرف على رجل من رجالاتها عسانا نقتدي به في ورعه وأخلاقه وجهاده. إنه الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح أحد العشرة المبشرين بالجنة. نهل من معين صحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فكان بحق الأسوة والقدوة.

أولا: نسبه وصفاته رضي الله عنههو عَامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ الجَرَّاحِ بنِ هِلاَلِ بنِ أُهَيْبِ بنِ ضَبَّةَ بنِ الحَارِثِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ القُرَشِيُّ، الفِهْرِيُّ، المَكِّيُّ. يَجْتَمِعُ فِي النَّسَبِ هُوَ وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِهْرٍ. مشهور بكنيته، والنسبة إلى جده. وأمه: أميمة بنت غنم بن جابر بن عبد العزى، أدركت الإسلام وأسلمت.

كان رضي الله عنه نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالاً، أحنى، أثرم الثنيتين، يصبغ رأسه ولحيته بالحناء والكتم.

وكان حسن الخلق، جم التواضع، كثير الحلم، شديد الحياء، لكنه كان إذا جدَّ الجِدُّ يغدو وكأنه الليث عادياً. معدوداً في من جمع القرآن. شهد له صلى الله عليه وسلم بالجنة. وسماه أمين الأمة.

ثانيا: صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلمكان أحد العشرة السابقين، حيث انطلق رضي الله عنه صحبة بن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمان بن عوف، و أبو سلمة بن عبد الأسد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا في ساعة واحدة. كان ذلك قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم. وهاجر رضي الله عنه الهجرتين. آخى صلى الله عليه وسلم بينه ويبن سالم مولى أبي حذيفة. وقيل: محمد بن مسلمة. وقيل: غيره. لما سئلت عائشة رضي الله عنها: من أحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه؟ قالت: (أبو بكر ثم عمر ثم أبو عبيدة) وكانت لرسول الله صلى الله عليه و سلم شهادة خالدة فعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْناً، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ). صاحب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في جل المواقف الجهادية وأبلى البلاء الحسن. شهد بدراً، وتصدى له أبوه ـ وكان مشركاً ـ فحاد عنه لكن أباه أصر على قتله فقاتله أبو عبيدة وقتله، فأنزل الله في شأنه قرآنا إذ قال عز من قائل:

“لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم إو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون” [سورة المجادلة].

وأبلى يوم أحد بلاءً مشهودا، ونزع حلقتي المغفر اللتين دخلتا في وجنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رؤي هتم أحسن من هتم أبي عبيدة. بعثه الله صلى الله عليه وسلم على رأس نيف وثلاثمائة رجل إلى حي من جهينة بساحل البحر الأحمر. فلما نفد زادهم، وأصابهم الجوع، ألقى إليهم البحر حوتاً كبيراً اسمه (العنبر) فأكلوا منه أياماً، وحملوا معهم إلى المدينة فأكل منه صلى الله عليه وسلم. وقال عنه صلى الله عليه و سلم: “ما منكم من أحد إلا لو شئت أخذت عليه بعض خلقه إلا أبا عبيدة”. ثم توفي وهو عنه راض. وقد عزم الصديق على توليته الخلافة يوم السقيفة وقال: قد رضيت لكم أحد هذين وأشار إلى عمر وأبي عبيدة. ووجهه الصديق إلى الشام في السنة الثالثة عشرة أميراً من أمراء الأجناد، ثم ولاه عمر القيادة العامة لجيوش الفتح في بلاد الشام، وفتح الله على يديه فتوحاً عظيمة.

ثالثا: من أقوال الصحابة فيه رضي الله عنهكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لئن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي لأستخلفنه فإن سألني ربي لأقولن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح”).

وقال مرة لجلسائه: تمنوا، فتمنوا فقال عمر: (لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً مثل أبي عبيدة).

ولما بلغ الفاروق أن أبا عبيدة حصر بالشام كتب إليه يقول: فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله بعدها فرجا، وإنه لا يغلب عسر يسرين (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا & ) الآية، فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد (فإن الله تعالى يقول: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة& ) الآية، فخرج عمر على المنبر فقرأ الكتاب وقال: يا أهل المدينة، إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي؛ ارغبوا في الجهاد.

وسمع معاذ بن جبل رجلاً يقول في الحصار: لو كان خالد بن الوليد ما كان بالناس دوك (اختلاط) فقال معاذ: “فإلى أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك، والله إنه لخير من بقي على الأرض”.

ولما قدم الفاروق الشام دخل بيته فلم يجد فيه إلا لبداً وصحفة وشناً، فقال: أعندك طعام؟ فقام إلى جونة فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر وقال: “غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة”.

وحين ضرب الطاعون بلاد الشام أرسل عمر إلى أبي عبيدة: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق ثم كتب إليه: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك فإني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم. فلما قرأ الكتاب عمر بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. وقال عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه (رجلاً بأمة فلم ير مثله).

رابعا: من أقواله رضي الله عنه* قال أبو عبيدة: “لوددت أنني كبش، يذبحني أهلي؛ فيأكلون لحمي، ويحسون مرقي”.

* وقال: “ألا رب مبيض لثيابه مدنس لدينه، ألا رب مكرم لنفسه، وهو لها مهين، فبادروا -رحمكم الله- السيئات القديمات بالحسنات الجديدات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بين السماء والأرض، ثم عمل حسنة؛ لعلت فوق سيئاته حتى تقهرهن، وفى رواية حتى تغمرهن.

وقال أيضا: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا مِنْكُم مِنْ أَحْمَرَ وَلاَ أَسْوَدَ يَفْضُلُنِي بِتَقْوَى، إِلاَّ وَدِدْتُ أَنِّي فِي مِسْلاَخِهِ” أي أكون مثله.

توجه من الجابية إلى بيت المقدس للصلاة فيه فأصابه الطاعون وهو بفحل من الأردن فدعا من حضره من المسلمين فقال: “إني موصيكم بوصية إن قبلتموها لن تزالوا بخير: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا شهر رمضان، وتصدقوا، وحجوا، واعتمروا، وتواصوا، وانصحوا لأمرائكم، ولا تغشوهم، ولا تلهكم الدنيا، فإن امرأ لو عمر ألف حول ما كان له بد من أن يصير إلى مصرعي هذا الذي ترون، إن الله كتب الموت على بني آدم فهم ميتون، وأكيسهم أطوعهم لربه، وأعملهم ليوم معاده، والسلام عليكم ورحمة الله، يا معاذ بن جبل: صل بالناس”. ومات.

وكانت وفاته بفحل، وبها قبره، وقيل: توفي بفحل وقبره بعمواس، وكان ذلك سنة ثماني عشرة من الهجرة في خلافة عمر، عن ثمان وخمسين سنة..