وقال رضي الله تعالى عنه، يوم الجمعة بالمدرسة منتصف شوّال سنة خمس وأربعين وخمسمائة:

قلوب القوم صافية طاهرة، ناسية للخلق، ذاكرة لله عزَّ وجلَّ، ناسية للدنيا ذاكرة للآخرة، ناسية لما عندكم ذاكرة لما عنده. أنتم محجوبون عنهم وعن جميع ما هم فيه، مشغولون بدنياكم عن أخراكم، تاركون للحياء من ربكم عزَّ وجلَّ متواقحون عليه.

اقبل نصح أخيك المؤمن ولا تخالفه فإنه يرى لك ما لا ترى أنت لنفسك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن مرآة المؤمن “. المؤمن صادق في نصحه لأخيه المؤمن يبيّن له أشياء تخفى عليه، يفرق له بين الحسنات والسيئات، يعرّفه ما له وما عليه. سبحان من ألقى في قلبي نصح الخلق وجعله أكبر همّي. إني ناصح ولا أريد على ذلك جزاء آخرتي قد حصلت لي عند ربي عزَّ وجلَّ. ما أنا طالب دنيا، ما انا عبد الدنيا ولا الآخرة ولا ما سوى الحق عزَّ وجلَّ. ما أعبد إلا الخالق الواحد الأحد القديم. فرحي بفلاحكم وغمي لهلاككم. إذا رأيت وجه مريد صادق قد أفلح على يدي، شبعت وارتويت واكتسيت وفرحت كيف خرج مثله من تحت يدي.

يا غلام مرادي أنت لا أنا. أن تتغير أنت لا أنا. أنا عبرت وإنما وددتني لأجلك. تعلق بي حتى تعبر بالعجلة.

يا قوم دعوا التكبّر على الله عزَّ وجلَّ وعلى خلقه. اعرفوا قدركم وتواضعوا في نفوسكم. أوّلكم نطفة قذرة من ماء مهين، وآخركم جيفة ملقاة. لا تكونوا ممن يقوده الطمع ويصيده الهوى، ويحمله إلى أبواب السلاطين في تطلب شيء منهم لم يقسم له، أو يطلب منهم ما قد قسم له بالذل والمهانة. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أشدّ عقوبات الله عزَّ وجلَّ لعبده طلبه ما لم يقسم له.

ويحك يا جاهلاً بالقدر والمقدّر له، أتظن أن أبناء الدنيا يقدرون أن يعطوك ما لم يقسم لك !! ولكن هذه وسوسة الشيطان الذي قد تمكن من قلبك ورأسك. لست عبد الله عزَّ وجلَّ، وإنما أنت عبد نفسك وهواك وشيطانك وطبعك ودرهمك ودينارك. اجهد أن ترى مفلحاً حتى تفلح بطريقه. عن بعضهم، رحمة الله عليه، أنه قال: ” من لم يَرَ المفلح لا يفلح “. أنت ترى المفلح ولكن تراه بعيني رأسك، لا بعيني قلبك وسرّك وإيمانك، إيمان ليس لك فلا جرم لا يكون لك بصيرة تبصر بها غيرك. قال الله عزَّ وجلَّ: (فإنها لا تعْمَى الأبْصارُ ولكِنْ تعْمَى القلوب ُ التي في الصُّدُورِ). الطامع في أخذ الدنيا من أيدي الخلق يبيع الدين بالتبن، يبيع ما يبقى بما يفنى، فلا جرم لا يقع بيده لا هذا ولا هذا. ما دمت ناقص الإيمان فدونك وإصلاح معيشتك حتى لا تحتاج إلى الناس، فتبذل لهم دينك وتأكل أموالهم به. فإذا قوي إيمانك وكمل، فدونك والتوكل على الله عزَّ وجلَّ والخروج من الأسباب، وقطع الأرباب والمسافرة عن جميع الأشياء بقلبك. تخرج قلبك عن بلدك وأهلك ودكانك ومعارفك، وتسلم ما في يدك إلى أهلك وإخوانك وأقرانك، فتصير كأنّ الأرض انشقت وابتلعتك، كأنّ أمواج القدر والقدرة السابقة أخذتك في بحر العلم وغرّقتك. من وصل إلى هذا المقام لا تضرّه الأسباب، لأنها تكون على ظاهره لا على باطنه، تكون الأسباب لغيره لا له.

يا قوم إن لم تقدروا على ما ذكرتُ من إخراج الأسباب والتعلق بها من حيث قلوبكم من كل وجه، فيكون من وجه دون وجه إذا لم تقدروا على الكلّ، فلا أقلّ من البعض، كان نبيّنا صلى الله عليه وسلم يقول ” تفرّغوا من هموم الدنيا ما استطعتم”.

يا غلام إن قدرت أن تتفرغ من هموم الدنيا ففعل، وإلا فهرول بقلبك إلى الحق عزَّ وجلَّ، وتعلق بذيل رحمته حتى يخرج همّ الدنيا من قلبك. هو القادر على كل شيء، العالِم بكل شيء، بيده كلّ شيء، الزم بابه وسله أن يطهّر قلبك من غيره، ويملأه بالإيمان والمعرفة له، والعِلم به، والغنى به عن خلقه. سله أن يعطيك اليقين، ويؤنس قلبك به ويشغل جوارحك بطاعته. اطلب الكلّ منه لا من غيره، لا تذلّ لمخلوق مثلك، بل يكون له لا لغيره ومعاملتك معه وله لا لغيره.

يا غلام فِقهُ اللسان بلا عمل القلب لا يخطيك إلى الحق خطوة. السير سير القلب، القرب قرب الأسرار، العمل عمل المعاني مع حفظ حدود الشرع بالجوارح، والتواضع لله عزَّ وجلَّ لعباده. من جعل لنفسه وزناً فلا وزن له. من أظهر أعماله للخلق فلا عمل له. الأعمال تكون في الخلوات، لا تظهر في الجلوات سوى الفرائض التي لابدّ من إظهارها. قد سبق تفريضك في إحكامك للأساس، ما ينفعك إحكامك للبنا الذي فوقه. إذا تغيّر البناء والأساس محكم قدرت أن تجبّر البناء. أساس الأعمال التوحيد والإخلاص، فمن لا توحيد له ولا إخلاص له لا عمل له. أحكم أساس عملك بالتوحيد والإخلاص، ثم ابنِ الأعمال بحول الله عزَّ وجلَّ وقوّته، لا بحولك وقوّتك. يد التوحيد هي البانية لا يد الشرك والنفاق، الموّحد هو الذي يرتفع قمر عمله، أما المنافق فلا. اللهم باعدْ بيننا وبين النفاق في جميع أحوالنا، وآتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.