بسم الله الرحمن الرحيم. (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. إنه حميد مجيد). اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين. إلى من تكلني. إلى عدو يتجهمني. أم إلى قريب ملكته أمري. إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي. غيرَ أن عافيتك أوسعُ لي. أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السماوات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلُح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تُحِلَّ علي غضبك أو تنزل علي سخطك. ولك العتبى حتى ترضى. ولا حول ولا قوة إلا بك.

أكتب هذه السطور صباح السبت الحادي والعشرين من صفر 1409. منذ عشرة أشهر بدأتْ مقاومة أطفال الحجارة في فلسطين، بل جهادُ الشباب الإسلامي تقاتل فيه الأيدي العزلاء إلا من قوة الإيمان وكراهية العدو اليهوديِّ أحدثَ ما اخترعته الصنائع العصرية من وسائل القمع. ومنذ أربعة أشهر بدأ انسحاب الجيوش الروسية من أفعانستان، هذا الانسحابُ الذي أعقب جهادا هو من آيات الله العظمى. قاتلت فيه الفئة المومنة القليلة الفئة الأكثر عددا، الأقوى شوكة، الأوفر سلاحا وعُدَّة بما لا يقارن حتى جاء نصر الله. نصر أفغانستان كرامةٌ عظمى لهذه الأمة تنزلت على فئة آمنت بالله وكفَرَتْ بما هم به مشركون.

ومنذ بضعة أسابيع وضعت الحرب الدّامية أوزارها بين الثورة الإسلامية الإيرانية وبين القومية العربية البعثية بعد أن طحنت رحاها مآت الآلاف من الجانبين، طحنت الجند المسلمَ أفرادُه، ويتبجح قـادة البعث القوميون بالنصر المبين، في زعمهم، على شبَحِ الإسلام المخيف ورمزه المنشور وشعاره المعلن الذي تألَّبَتْ لإسكاته قُوى الجاهلية بأسرها.

ومنذ بضعة أيام قذفت دولةُ اليهود في فلسطين قمرها الصناعي الخاص بها، المصنوعَ بيدها، بعد أن أصبحت أقمارُ كافلتها وحاملتها الأمريكية لا تكفي لخدمة طموحها في الاستقلال والسيطرة. نجاحُ اليهود في إرسال قمرهم الصناعي يعني أن بلاد العرب وبلاد المسلمين قاطبة باتت تحت سمع التجسس الإلكتروني اليهودي المباشر وبصره. يعني أن الصواريخ التي أطلقته هي رهن إشارة العسكرية اليهودية لتحمل الرؤوس النووية، المصنوعة عند اليهود بيد اليهود، المخزونة بالمآت، إلى حيث تشاء القيادة الطاغوتية التي تقاتل بالنار والحديد شعبا مسلما أعزل لا يجد أطفاله اليائسون من أي عون خارجي إلا الحجارة يضربون بها عدو الله وعدوهم.

خذَلَ الرأيُ العام العالمي مسلمي فلسطين، وطاح شعار “حقوق الإنسان” الذي لا ترتفع صيحاتُه إنْ تكلم اليهود. وخذَلهم إخوانهم المسلمون، عجزا لما هم تحته في مشارق الأرض ومغاربها من معاناة للحكم الجبري القومي اللايكي. فلا يدْرِي المسلم المتفَرِّج على مشاهد الخزي في شوارع القدس والخليل داهيَةَ موقفه وبؤسه حين يفرح وحين يصفق مع فرح الإعلام الرسمي وتصفيقه لبطولة أطفال فلسطين ونسائها المبْسوطين في المجزرة اليهودية، المعذبين في سجون اليهود.

أكتُب هذا وكارثةُ لبنان، وحروب لبنان، وعدوان اليهود والنصارى على لبنان، مضى عليها ثلاث عشرة سنة والتمزُّق لايزال مستمرا. أكتب والمسلمون غُرباءُ في هذا العالم، بؤَساءُ فيه، مغلوبون فيه. فما الحديث على هذا البساط الواقعي عن التصوف والشيخ وسند الطريقة وأوراد الذكر والتلاوة!

ما الحديث عن الإيمان والإحسان وصدق الإرادة والتربية والأخلاق والأمة تحترق! ما الحديث في الغيبيات ومصيرُ الأمة في أرض الله مهدد! ما الحديث عن الآخرة! أليس هذا إِلْفاتا لأعين المسلمين عن إبصار حقائق الدنيا لمواجهتها! أليس هذا إحياء لما مات من خُرافيات التاريخ! ولا نهاية لأسئلة عَابِر السبيل في أرض الدعوة المتسكِّعِ في أرجاء العالم، المنْبهر إيجابا أو سلبا، أو إيجابا وسلبا معا، بالحضارة المادية الجاهلية.

جاهليةُ الصناعة والكشوفات العلمية هي بلاءُ الله في هذه الأعصر للعباد، وهي بلاءٌ خاص للمسلمين الذين يمثِّلون في زماننا الكتلة الأوْهَنَ نَسْجاً من بين المستضعفين في الأرض.

قاتلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته جاهلية اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى كما قاتل وثنية العصبية الجاهلية. ونصره الله عز وجل نصرا مؤزرا. وهاهم مسلمو هذا العصر يَحومون، نظراً حاسراً ومحاولاتٍ عاجزة، حول هيكل جاهلية القرن العشرين وما بعده، فلا يجدون مَنفذا إلى أسراره إلا به، ولا يدرون طريقا من نفوذه وهيمنة معانيه ومذاهبه وأفكاره وبضائعه إلا إليه.

وفي عُقر ديارنا نصبنا تمثالا لذلك الهيكل طِبْقَ الأصل وإن تنوعت الصباغة: الدولة القومية في بلادنا المقطعة أشلاءً هي اللاتُ والعزَّى. وسواء كانت دولة لبرالية تتولى غرب الجاهلية، أو كانت دولة اشتراكية تتولى شرق الجاهلية، فالمذهب واحد، والدين واحد. دين هذه الأصنام السياسية، ودين سدنتها من حكام العض والجبر، هو الولاءُ الأعلى يُعطَى طوعا وكرها للهوية القومية الوطنية. يُعطَى أوَّلا وأخيرا. ثم هنَاك في مقدمة الدستور الوطني الوثني فقرة تنص على أن دين الدولة هو الإسلام، وبَنْدا خامسا أو سادسا يعطي للمواطن حرية التدين. ثم لا بأس من تشييد المساجد للزينة والتاريخ.

في بلاد المسلمين هُوِيَّتان متناقضتان: هوية إسلامية شعبية فيها من الغموض والجهل والخرافة، وهوية وطنية قومية عصرية، ولا بأس من تزويقها بالأصالة وتمويهها بالتُّراث لصيانة ماء الوجه بين شعوب الأرض وأمجادها. الهويتان متناقضتان وإن كان يزعم القوميون العصريون أنهما متكاملتان. متعارضتان مَبْنىً ومَعْنىً وواقعا ومصلحة. ولا بد من كشف هذا التعارض وإزالته.

كان مصطفى كمال بعد ثورته ألبس المسلمين في تركيا لباس الأوربيين وحلق اللحا ومعها الرؤوس، وطرح العمائم، وفرض الأذان باللسان التركي، واستبدل الحروف اللاتينية بالحروف العربية. كل ذلك ليُحوِّلَ الولاء إلى الدولة والعصرنة وفلسفة الغرب وظاهر الجاهلية وباطنها من الولاء لله ورسوله وكتابه، ومن الكعبة المشرفة والمساجد والعلماء.

ومن زمانه بدأ تزييف الهُويَّةِ المسلمة، في حركة موازيةٍ مساعِدة لهدم الهوية الإسلاميَّة. فقد اقترح أب الفكر التربوي اللاييكي المسخيِّ في تركيا المسمى إسماعيل حقي بلطاجي غولو أنْ تغير مظاهر العبادة الإسلامية. واقترح أن تُدْخَلَ الموسيقى في الصلاة وأن يُحذف منها الركوع والسجود، لكي تُصاغ شخصيةٌ جديدة وهوية عصرية للأتراك.

وجاء أب الفكر التربوي القومي العربي ساطع الحصري من اصطانبول المتعصرنة، بعد أن نزح منها إلى سوريا، بأفكار مصطفى وحزبه الشيطاني. وركَّزَ الحصري على اللغة العربية واقترحها وثنا يُعبد مستعينا بفكر فِخت الألماني، وبنموذج القومية الألمانية التي جمعت أشتات الإمارات الألمانية في القرن الماضي في وحدة قوية.

وأخذ أب الفكر القومي البعثي ميشيل عفلق مِشعَل الفكر القومي عن أستاذ المادة ساطع وتلامذته، وزاد في ذلك الفكر من مادة اطلاعه الفرنسي، كما نقل الفكر من قول إلى عمل.

“فبفضل” هذه “السلسلة” القومية وبجهود رجالها وأمثالهم السائرين في ركاب الجاهلية الموالين لها الولاء الأعمى المطلق تمكنت اللاتُ والعزَّى في بلاد المسلمين.

“نخبة” من ذراري المسلمين تربَّوْا تربية قوامها الولاء الجاهلي، والغِذاءُ الفكري الجاهلي، والتسليمُ الموافِق المُعْجَبُ للنموذج الجاهلي. وسند هذه “النخبة” إلى المعين الجاهلي متصل متواصل، وإن كان بعضهم، منذ ثورة إيران ومجد أفغانستان وحجارة فلسطين، أصبحوا يَقْدُرُون البَوْنَ الشاسع الذي لا يزداد إلا اتساعا بينهم وبين جماهير الأمة.

الأمة أصبحت تسمع شعار “الشهادة في سبيل الله”، وشعار “خير الدنيا والآخرة”، وشعار “العدل والإحسان”. فهذا أوان إحياء الربانية، وإخلاص الولاء لله عز وجل، والاستمساكِ بالعروة الوثقى. وإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أوَّلها، كما قال الإمام مالك رضي الله عنه. وإن صلاحَ أول هذه الأمة كان بتوحيد الولاء لله عز وجل ورسوله، وبالإيمان بكتبه ورسله واليوم الآخر وملائكته وقدره خيره وشره.

من قدره الابتلاءُ، ومن قدره الانبعاث المعلَنُ على لسان النبوة إلى الخلافة الثانية.

إن معركة تحويل الولاء من أصنام الجاهلية إلى الله ورسوله معركة فاصلة، وما أحداث العالم التي بدأت هذه الفقرة ببعضها إلا مُناوَشات جانبية وقتية.

وإن اكتساب الهوية الإحسانية الإيمانية الربانية هو الضمانة الوحيدة ليكون الله عز وجل معنا، ولتكون الدنيا وبروزُنا فيها وقوتنا وانتصارنا مَدْرَجةً لسعادة كل فرد منا في الآخرة، وليكون التقرب إلى الله عز وجل بالجهاد في سبيله ثمنا لمقعد الصدق الذي ينتظر المحسنين عند الله.

وقد جمعت في خصلة “الاقتصاد” في تصنيفي لشعب الإيمان ثلاث شعب. هي: حفظ المال، والزهد والتقلل، ثم الخوف من غرور الدنيا.

ولكل من هذه الشعب، ولسائر ما صنفته منها، وجه للسياسة والتنظيم ووجه للتربية التي هي محور المعركة.

قال مجاهد غلب حب الله ورسوله في قلبه كل ولاء:

هـذِي الصـوافِي وذي أعـلامُ نَجْـران *** فاحبِسْ لعليَ أقـضي بعـض أشجـاني

واستحبس الركـب مقـدارالسـؤال ففي *** سؤال تلك المغـاني بعـض سُـلْـواني

ما ذا الهـوى الآن ممـا كنـتَ تعهـدُه *** قِـدْماً فتزجُـرني عنـه وتـنـهـاني

هـذا هَوىً جاز عن حد الهـوى وجرى *** كالمـوت أحكامـه تقـضي بفُـقْـداني

وقال محب لجناب الحضرة النوارنية هائم:

بأيِّ فـؤاد أحمـل البُـعـدَ والهَــوَى *** وأنـت قـريـب، إنَّ ذا لَـعَجـيــب!

مـلـكــت فـؤادي عند أول نظــرة *** كـمـــا صادَ عُـذْريّـاً أَغَنُّ رَبيبُ

وحَيْـثُ لِدائى كـنـت لي فيه عـائـدا *** شُـفِـيـتُ وبعض العائديـن طـبيـب

علـى أنَّ ذكراً لا تــزال سهـامُــه *** ترى مقـتَـلا من مُهجتي فـتُـصيـب

أُعِـيـرُ المنادي لاسمـه السمـعَ كـلَّه *** عـلـى علمِـه أني بـذاك مُـريــب

ويــا أسفِي! كم لي على الخَيْف شهْقَـة *** إلى خـبـر الأحـلام وهـو كــذوب

ولا في النوى يَا مُـنْيَـة القلـب راحـةٌ *** ولا في الـتـدانِي، إنني لَـكَـئـيــب

وقلت:

اخلَـع ثِـيــابَ مَــهـانـةٍ *** واسمَــــعْ نِداءَ المـاجِــدِ

الرِّحـلـــةُ الـغَـرَّاءُ قَــدْ *** بَــدأتْ بركــبٍ حـاشِــدِ

فاشْهَقْ ومُت مَـوتَ الجَبـــا *** نِ أوْ الحـقَــنَّ وَجــاهِـدِ