روى الشاطبي (الاعتصام، ج: 1 ص:170) عن أبي الحسن القرافي عن الحسن أن قوما أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن لنا إماماً إذا فرغ من صلاته تَغَنَّى. فقال عمر: من هو؟ فَذُكِرَ الرجلُ. فقال: قوموا بنا إليه.. فقام مع عمر جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله. فقال: يا أمير المؤمنين: ما حاجتك وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك أن نأتيك، وإن كانت الحاجة لك فأحق من عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: ويحك، بلغني عنك أمر ساءني!! قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتمجَّن في عبادتك؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي!! قال عمر: قلها، فإن كانت كلاماً حسناً قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه. فقال الرجل:

وفــؤادٍ كلـمـا عاتبـتـه *** في مدى الهجران يبغي تعـبي

لا أراه الدهــرَ إلاَّ لاهيــاً *** في تماديه فَـقَـدْ بَـرَّحَ بـي

يا قرين السوء ما هذا الصِّبـا *** فَنِيَ العمر كـذا في اللــعبِ

وشبـابٍ بَـانَ عني فمـضى *** قبـل أن أقـضيَ منـه أَرَبي

مـا أُرَجِّـي بعـده إلاَّ الفنـا *** ضيَّـق الشيب علـيَّ مطلـبي

ويح نفسي لا أراهـا أبـــدا *** في جمـيــل لا ولا في أدبِ

نفسُ لا كنتِ ولا كان الهـوى *** راقبي المولى وخافي وارهـبي

فقال عمر رضي الله عنه:

نفسُ لا كنتِ ولا كان الهوى *** راقبي المولى وخـافي وارهـبي

ثم قال عمر رضي الله عنه: على مثل هذا فليغن من غنى.

ما أعظم هذه القصة وما أجلَّ عِبَرَهَا!!!

متى كان يتغنى الرجل؟/”& إذا فَرَغَ من صلاته تَغَنَّى”.

فهل نتغنى نحن إذا فرغنا من صلاتنا؟ أم إننا نصلي بعد أن نفرغ من غنائنا؟!! وما حَظُّ صلاتنا من عمرنا وما حظ غنائنا منه؟

“& أتتمجَّن في عبادتك ؟”/”عظة أعظ بها نفسي”.

لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليمنع رجلاً من الغناء ما دام “كلاماً حسناً”، وما كان لينسى توجيه المعلِّم المربي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس الذي أقسم فيه صلى الله عليه وسلم بأن “كلام” ابن رواحة كان أشد على المشركين من وقع النبل.. ولم يكن ثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وعنهم مهتماً بالشكل: “الغناء” ما دام مشروعاً، بقدر ما كان مهتماً بالمضمون: “الكلام”:

“قلها، فإن كانت كلاماً حسناً قلته معك، وإن كان قبيحا نهيتك عنه”.

إن كان غناؤنا أسفاً على ما تقضى من زمن الذكر في النسيان، أو من زمن الصدق في البهتان، أو من زمن الشوق في الهجران، أو من زمن الاغتنام في العصيان، أو من زمن الشكر في الكفران&

أو كان غناؤنا رجاءً في عفوِ قادرٍ حليم، أو دعاءً في جوف ليل بهيم، أو نداءَ مستصرخٍ مستنجدٍ برب رحيم، أو تبرُّءاً من حولِ وقوةِ عبدٍ أثيم..

أو كان غناؤنا كلمةَ حقٍّ في وجه ظالم متجبر، أو نصيحةَ صدقٍ في سِرِّ غافل مستهتر..

أو كان غناؤنا نصرةً لمظلوم، أو سلوىً لمهموم، أو عوناً لمعدوم..

أو كان غناؤنا ترجمانا أمينا مأموناً لخواطر النفس، وتطلعاً صادقاً لحضرة القدس، وتسبيحاً زكيا في معبد الأنس..

أو كان غناؤنا أشواقاً سامية مما غرس فينا المولى الجليل، أو استراحةَ مكدود من وعثاء سَبْحِ النهار الطويل، أو زفراتٍ يبثها قلب عليل..

إن كان غناؤنا كذلك.. فعلى مثل هذا فليغن من غنى؛ وإلاَّ فهو لهو من اللهو، ولعب من اللعب، وعبث من العبث&

يا أيها البلبلُ المغردُ..

يا أيها القائمُ من نفسي مقام الروح من الجسد، المتخذُ من جوانحي عشّاً يرد عليك رجع أنغامِك وأشجانِك..

هاأنت تُحَلِّقُ بين مقامات الأنغام من صبا لِهُزَام، ومن حِجَاز لِعُشَيْرَان، فهل ترتقي في مقامات الإيمان بقدر ما تتنقل بين مقامات الأنغام؟

ربما كنتَ، أيها البلبل، أعذبَ صوتاً من الهدهد وأندى، فهل تكون أفصح منه لسانا وأصدق وأجدى؟

أيها البلبل..

أما آن لك أن تتهدهد؟

أما آن لهذا الصوت الندي الشجي الذي ملأ الدنيا ببراعته وشغل الناس بعذوبته أن يُسَبِّحَ لمبدعه تسبيحا، ويحمده حمدا، ويُهَلِّلَهُ تهليلا، ويكبره تكبيرا؟

تسبيحٌ يتناغم مع تسابيح الكون بأرضه وسمائه، وبحاره وجباله، وأشجاره وأطياره، وحمدٌ وثناء وشكر يُقَيِّدُ ما أنعم به عليك بارؤك من نِعَمٍ هي من العِظَمِ بحيث لا قبل لك بشكر واحدة منها، وتهليل يُرَوِّي رُوحَكَ الظمأى إلى المنهل العذب الصافي، والمورد الزلال الشافي “وننـزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين”، وتكبير لا يكبر معه كبير إلا و”الله أكبر”، ولا يعظم معه عظيم إلا و”الله أجلُّ وأعظم”، ولا ينزل معه خطب جسيم إلا “والله يعصمك من الناس”.

لا يَكُنْ هدهد سليمان أفصحَ منكَ لسانا، ولا أصدقَ منكَ خطابا، ولا أحق بالشهادة على قومه منكَ على قومك..

هو جاء سليمانَ وقوم سليمان من سبإ بنبإ يقين لا يتطرق إليه شك أو غموض، مستنكرا أن يُعبد من دون الله ما ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة.. فأيَّ نبإ جئتَ به قومك أنتَ؟

هو لم يَغِبْ، بل كان شاهدا أمينا، حاضراً مسؤولاً، وساهم برسالته في هداية بلقيس وقومها؛ فكيف تَغِيبُ أنتَ عما لا نجاة لك إلا بالإحاطة به، وعمَّن لا فلاح لك إلاَّ بالتقرب إليه؟

جعل اللهُ الهدهدَ قصة تتلى في كتابه عبر الزمان والمكان لِيُفَهِّمَنَا سبحانه أن شهادتَه وبشارتَه ونذارتَه ودعوتَه إليه بإذنه ونورانيتَه أَهَّلَْهُ وهو طائر لِمَا أنت أولى أن تكون له أهلاً وأنت خليفتُه في أرضه ووارثُ نبيِّه وحاملُ رسالتِه.

يا رب..

اللهم أَلْقِ علي محبةً منك..

واصنعني على عينك..

واسْتَخْلِصْنِي لنفسك..

وافتح لي أبواب رحمتك.. واجعلني قدرا من أقدارك.. وأعني على ذلك&

اللهم استرني بسترك.. واغمرني بحلمك، واشملني بعفوك.. وَتَوَلَّنِي بإحسانك.. واجعلني من أوليائك ورجالك..

آمين& آمين& آمين&

والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الدار البيضاء عصرَ الأربعاء

27 صفر الخير 1424 هـ/30 أبريل 2003 م.