و قال رضي الله عنه يوم الثلاثاء عشية بالمدرسة ثاني عشر شوّال سنة خمس وأربعين وخمسمائة:

يا غلام أين عبودية الحق عزَّ وجلَّ !! هات حقيقة العبودية وخذ الكفاية في جميع أمورك. أنت عبد آبق من مولاك، ارجع إليه وذلّ له وتواضع لأمره بالامتثال، ولنهيه بالانتهاء، ولقضائه بالصبر والموافقة، إذا تم لك هذا تمت عبوديتك لسيدك وجاءتك منه الكفاية. قال الله عزَّ وجلَّ: (أليْسَ اللهُ بكافٍ عَبْدَهُ) إذا صحَت عبوديتك له أحبك وقوي حبه في قلبك، وآنسك به وقرَبك منه من غير تعب ولا طلب لك صحبة غيره، فتكون راضياً عنه في جميع الأحوال. فلو ضيَق عليك الأرض برحبها، وسدّ عليك الأبواب بسعتها لم تسخط عليه ولم تقرب باب غيره، ولم تأكل من طعام غيره. تلتحق بموسى عليه السلام حيث قال الله عزَّ وجلَّ في حقه: (وحرَّمْنا عَليْهِ المَراضِعَ مِنْ قبل). ربنا عزَّ وجلَّ لكل شيء شاهد، في كل شيء حاضر، على كل شيء رقيب، ومن كل شيء قريب، لا غنية لكم عنه، ما أمرّ الإنكار بعد المعرفة. ويحك تعرف الله عزَّ وجلَّ وترجع تنكره !! لا ترجع عنه فإنك تحرم الخير كله، اصبر معه ولا تصبر عنه. أما علمت أن من صبر قدر !! وايش هذا العقل، ايش هذه العجلة ؟؟ قال الله عزَّ وجلَّ: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا اصْبرُوا وصابروا ورابطوا واتقوا اللهَ لعَلكمْ تفلِحونَ) وفي الصبر آيات كثيرة في القرآن تدلّ على ما فيه من الخير والنعم وحسن الجزاء والعطاء والراحة دنيا وأخرى، عليكم به وقد رأيتم الخير عاجلاً وآجلاً. عليكم بزيارة القبور، والقصد إلى الصالحين، وفعل الخير وقد استقام أمركم. لا تكونوا من الذين إذا وُعظوا لم يتعظوا، وإذا سمعوا لم يعملوا.

ذهاب دينكم بأربعة أشياء: الأول أنكم لا تعملون بما تعلمون. الثاني أنكم تعملون بما لا تعلمون. الثالث أنكم لا تتعلمون ما لا تعلمون، فتبقون جهالاً. الرابع أنكم تمنعون الناس من تعلم ما لا يعلمون.

يا قوم إذا حضرتم مجالس الذكر، تحضرونها للفرجة لا للمداواة. تعرضون عن وعظ الواعظ وتحفظون عليه الخطأ والزلل، وتستهزؤن وتضحكون وتلعبون. أنتم مخاطرون برؤوسكم مع الله عزَّ وجلَّ. توبوا من هذا، لا تتشبهوا بأعداء الله عزَّ وجلَّ، وانتفعوا بما تسمعون.

يا غلام قد تقيّدتَ بالعادة وقد تقيّد لله بطلب الأقسام، والوقوف مع السبب ونسيان المسبب، والتوكل عليه. عليك باستئناف العمل والإخلاص فيه قال الله عزَّ وجلَّ: (ومَا خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا لِيَعْبُدُون) ما خلقهم للهوس، ما خلقهم للعب، ما خلقهم للأكل والشرب والنوم والنكاح. تنبّهوا يا غفل من غفلاتكم. يخطو قلبك إليه خطوة ويخطو حبه إليك خطوات. هو إلى لقاء المحبين أشوق منهم، يرزق من يشاء بغير حساب. إذا أراد عبداً لأمر هيأه له. هذا شيء يتعلق بالمعاني لا بالصور. إذا تمّ لعبدٍ ما ذكرت صحّ زهده في الدنيا والآخرة، وما سوى المولى، تجيئه الصحة، يجيئه القرب، يجيئه الملك والسلطنة، والإمارة تجيئه. تصير ذرّته جبلاً، قطرته بحراً، كوكبه قمراً، قمره شمساً، قليله كثيراً، محوه وجوداً، فناؤه بقاء، تحرّكه ثباتاً. تعلو شجرته وتشمخ إلى العرش وأصلها إلى الثرى، ويظل أغصانها في الدنيا والآخرة ما هذه الأغصان: الحكم والعلم. تصير الدنيا عنده كحلقة الخاتم، لا دنيا تملكه ولا أخرى تقيده. لا يملكه ملك ولا مملوك، ولا يحجبه حاجب، لا يأخذه أحد، لا يكدّره كدر. فإذا تمّ هذا، صلح هذا العبد للوقوف مع الخلق والأخذ بأيديهم وتخليصهم من بحر الدنيا. فإن أراد الحق بالعبد خيراً جعله دليلهم وطبيبهم ومؤدبهم ومدرّبهم وترجمانهم وسانحهم ومنحتهم وسراجهم وشمسهم. فإن أراد منه ذلك كان، وإلا حجبه عنده وغيّبه عن غيره. آحاد أفراد من هذا الجنس يردّهم إلى الخلق مع الحفظ الكليّ والسلامة الكلية، يوفقهم لمصالح الخلق وهدايتهم. الزاهد في الدنيا يُبتلى بالآخرة، والزاهد في الدنيا والآخرة يبتلى برب الدنيا والآخرة. قد غفلتم كأنكم لا تموتون، وكأنكم يوم القيامة لا تحشرون، وبين يدي الحق لا تحاسبون، وعلى الصراط لا تجوزون. هذه صفاتكم وأنتم تدّعون الإسلام والإيمان. هذا القرآن والعلم حجة عليكم، إذا لم تعملوا بهما، إذا حضرتم عند العلماء ولم تقبلوا ما يقولون لكم كان حضوركم عندهم حجة عليكم، يكون عليكم إثم ذلك كما لقيتم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تقبلوا منه.

يوم القيامة يعمّ الخلق كلهم الخوف من جلال الله عزَّ وجلَّ وعظمته وكبريائه وعدله. تذهب ملوك الدنيا ويبقى ملكه، يرجع الكل إليه يوم القيامة ويظهر ملك القوم. يظهر عزهم وغناهم وإكرام الحق عزَّ وجلَّ لهم. اليوم شحنوا العباد والبلاد وأوتاد الأرض، قوام الأرض بهم، هم أمراء الخلق ورؤساؤهم، ونوّاب الحق عزَّ وجلَّ. فهم من حيث المعنى لا من حيث الصورة، اليوم معنى وغداً صورة. شجاعة المخاصمين للكفار في لقائهم والثبات معهم، وشجاعة الصالحين في لقاء نفوسهم والأهوية والطباع والشياطين وأقران السوء الذين هم شياطين الإنس، وشجاعة الخواص في الزهد في الدنيا والآخرة وما سوى الحق عزَّ وجلَّ في الجملة.

يا غلام تنبَّه قبل أن تنبّه بلا أمرك. تديّن وخالط أهل الدين فإنهم هم الناس. أعقل الناس من أطاع الله عزَّ وجلَّ، وأجهل الناس من عصاه. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تربت يداك” يعني افتقرت، وأترب إذا استغنى. إذا خالطت أهل الدين وأحببتهم استغنت يداك وقلبك يهرب من النفاق وأهله. المنافق المرائي لا عمل له، ما يقبل منك إلا ما أردت به وجهه، ما يقبل منك صورة عملك، وإنما يقبل منك معناه، إذا خالفت نفسك وهواك وشيطانك ودنياك في عملك قبله منك. اعمل وأخلص ولا تنظر إلى عملك في الجملة، لا يقبل إلا ما أردت به وجهه لا وجه الخلق.

ويحك، تعمل للخلق وتريد أن يقبله الحق عزَّ وجلَّ ! هذا هوس منك. دع عنك الشره والبطر والفرح. قلل فرحك وكثر حزنك، فإنك في دار الحزن، في دار السجن. كان نبيّنا صلى الله عليه وسلم دائم التفكر، قليل الفرح، كثير الأحزان، قليل الضحك إلا تبسماً تطييباً لقلب غيره. كان في قلبه أحزان وأشغال لولا الصحابة وأمور الدنيا وإلا لما كان يخرج من بيته ولا يقعد مع أحد.

يا غلام إذا صحّت خلوتك مع الله عزَّ وجلَّ دهش سرّك وصفا قلبك. يصير نظرك عِبَراً وقلبك فكراً وروحك ومعناك إلى الحق عزَّ وجلَّ واصلاً. التفكر في الدنيا عقوبة وحجاب، والتفكر في الآخرة علم وحياة للقلب. ما أعطي عبد التفكر إلا أعطي العلم بأحوال الدنيا والآخرة.

ويحك تضيّع قلبك في الدنيا وقد فرغ الله عزَّ وجلَّ من أقسامك منها، وقد قدّر لها أوقاتها معروفة عنده كل يوم يتجدّد لك رزق جديد، طلبته أم لم تطلبه. حرصك يفضحك عند الله عزَّ وجلَّ وعند الخلق. بنقصان الإيمان تطلب الرزق، وبزيادته تقعد عن الطلب، وبكماله وتمامه تنام عنه.

يا غلام لا تخلط الجد بالهزل فإنك ما تمكن قلبك مع الخلق كيف يجتمع مع الخالق! وأنت مشرك بالسبب كيف تكون مع المسبب ! كيف يجتمع ظاهر وباطن، ما تعقل وما لا تعقل، ما عند الخلق وما عند الخالق ! ما أجهل من نسي المسبّب واشتغل بالسبب، وقف مع الثاني وترك الأول، نسي الباقي وفرح بالفاني.

يا غلام تصحب الجهال فيتعدّى إليك من جهلهم. صحبة الأحمق صحبة غبن. اصحب المؤمنين الموقنين العالمين العاملين بعلمهم، ما أحسن أحوال المؤمنين في جميع تصرفاتهم، ما أقواهم على مجاهداتهم وقهرهم لنفوسهم وأهويتهم ! ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بشرُ المؤمن في وجهه وحزنه في قلبه”. هذا من قوته قدر على أن يظهر البشر في وجوه الخلق، ويكتم الحزن فيما بينه وبين الله عزَّ وجلَّ. همّه دائم كثير التفكر، كثير البكاء، قليل الضحك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا راحة لمؤمن غير لقاء ربه عزَّ وجلّ”. المؤمن يستر حزنه ببشره، ظاهره يتحرك في الكسب، وباطنه ساكن إلى ربه عزَّ وجلَّ. ظاهره لعياله، وباطنه لربه عزَّ وجلَّ. لا يفشي سرّه إلى أهله وولده وجاره وجارته، ولا إلى أحدٍ من خلق ربه عزَّ وجلَّ. يسمع قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: “استعينوا على أموركم بالكتمان”. لا يزال يكتم ما عنده، فإن جاءته غلبة أو تمّت من لسانه كلمة فيتدارك الأمر، ويغير العبارة، ويستر ما ظهر منه، ويعتذر مما بدا منه.

يا غلام اجعلني مرآتك، اجعلني مرآة قلبك وسرك، مرآة أعمالك. إدْنُ مني فإنك ترى في نفسك ما لا تراه مع البعد عني. إن كان لك حاجة في دينك، فعليك بي فإني لا أحابيك في دين الله عزَّ وجلَّ. عندي وقاحة ترجع إلى دين الله عزَّ وجلَّ. قد رُبيت بيدٍ خشنة غير محصلة منافقة. دع دنياك في بيتك وادن مني، فإني واقف على باب الآخرة. قف عندي واسمع قولي واعمل به قبل أن تموت عن قريب. الدائرة على الخوف من الله عزَّ وجلَّ، والخشية له. إذا لم يكن لك خوف منه فلا أمن لك في الدنيا والآخرة. الخشية من الله عزَّ وجلَّ هي العلم بعينه، ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: (إنما يَخشى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلماءُ) ما يخشى الله عزَّ وجلَّ إلا العلماء العمال بالعلم، الذين يعلمون ويعملون ولا يطلبون من الحق عزَّ وجلَّ جزاء على أعمالهم، بل يريدون وجهه وقربه. يريدون محبته والخلاص من بُعده وحجابه. يريدون أن لا يُغلق باب في وجوههم دنيا وآخرة. لا يرغبون في الدنيا ولا في الآخرة ولا فيما سواه. الدنيا لقوم، والآخرة لقوم، والحق عزَّ وجلَّ لقوم، وهم المؤمنون الموقنون العارفون المحبون له المتقون الخاشعون له المحزونون المنكسرون لأجله. قوم يخشعون الله عزَّ وجلَّ بالغيب وهو غائب عن عيون ظواهرهم، حاضر نصب عيون قلوبهم. كيف لا يخافونه وهو كل يوم في شأن يغيّر ويبدّل، ينصر هذا ويخذل هذا، يحيي هذا ويميت هذا، يقبل هذا ويردّ هذا، يقرّب هذا ويبعد هذا، لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون. اللهم قرّبنا إليك ولا تباعدنا عنك وآتنا في حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.