بسم الله الرحمن الرحيم. (إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها. إن ربي على صراط مستقيم). اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا. وتبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين لها، وأتِمَّها علينا.

يستطيع من كان في جاهلية جهلاء فمن الله عليه بالإسلام والتوبة أن يَعتبر إسلامه وتوبته ميلادا جديدا. ثم لا يكون قوله: وُلدتُ ولادة ثانية إلا كلاما مجازيا. أما من ولدت روحانيته وأنشأه الله عز وجل النشأة الثانية التي يكون بها الولي وليا فحديثه عن الميلاد الجديد، وعن أبوة شيخه، وعن سلسلة آبائه الروحيين حقيقة أقوى في عالم المعنى من النسب الطبيعي والانتسال الجسمي. وحتى إن شب الولي عن الطوق واتصل حبله بقرب الله عز ووجل وبروح رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينسى آباءه في الروح أبدا. وكيف ينسى الأحرار فضلَ من جعلهم الله رحمة ورحِما!

الإمام السرهندي مجدد الألف الثانية يتحدث بنعمة ربه عليه بما يشبه الدعوى، وليس عند مثله من الكاملين مكان لأية دعوى، إذْ صح لهم التعامل الصريح مع الله عز وجل، فما لرأي الخلق عندهم من وزن، صدّقوا أم كذبوا، رضُوا أم سخطوا.

قال رحمه الله: “أنا مريد الله ومراد الله أيضا. وسلسلة إرادتي متصلة بالله تعالى بلا توسط، ويدي نائبة عن مناب يد الله تعالى، وإرادتي متصلة بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بوسائط كثيرة”. [1]

قلت: كونه ترقى في المعرفة والقرب لا يُنسيه أصلَه وفَصْلَه واستفتاحه في الطريق ونسبه فيها. فيقول: “فبيني وبينه في الطريقة النقشبَنْدية إحدى وعشرون واسطة، وفي الطريقة القادرية خمس وعشرون واسطة، وفي الطريقة الجشتية سبع وعشرون واسطة”.

قلت: قد يأخذ السالك، بعد ميلاده وترقيه في حضن والده الروحي وبعد وفاة هذا الوالد أو تسريحه لابنه عَقِبَ فِطامه، عن شيخ آخر أو مشايخ آخرين لهم سلاسل وسندات أخرى بقصد التبرك والزيادة من الخير. ولا يقدح ذلك في نسبهم. فنسب السرهندي نقشبندي. ثم هو بعد أن بلغ مبلغ الرجال محمديٌّ رباني ككل كامل خرج من يد الوالدة والحاضنة فأبصر بعين قلبه أن المنة لله ورسوله من قبلُ ومن بعدُ. فيعمل بقول الله عز وجل: (أن اشكر لي ولوالديك، إلي المصير).(سورة لقمان، الآية: 14)

يقول الإمام: “وإن كان شيخي في الطريقة النقشبندية عبد الباقي رضي الله تعالى عنه فإنَّ المتكفل بتربيتي هو الباقي جل جلاله وعَمَّ نوالُه. وإني تربيت بالفضل، وذهبت من طريق الاجتباء. وسلسلتي رحمانية، وأنا عبد الرحمان. فإنَّ ربي رحمان جل شأنه، وعَمَّ إحسانُه. ومُربِّيَّ أرحم الراحمين. وطريقتي طريقة سبحانيَّة، لأني ذهبت من طريق التنزيه، ولم أُرِدْ من الصفة والاسم غير الذات الأقدس تعالت وتقدست.

“وهذا السبحاني (يعني نفسه) ليس ذاك السبحاني (يعني أبا يزيد البسطامي الذي قال في سكره: سبحاني ما أعظم شأني!) الذي قال به البسطامي. فإنه لا مِساسَ له بهذا. فإنه ما تخلص من دائرة الأنفُس. وهذا (يعني سبحانيته هو) ما وراء الأنفس والآفاق. وهو (أي البسطامي) تشبيه كُسِيَ لباسَ التنزيه. وهذا تنزيهٌ لم يصِبْهُ غبار التشبيه. ذاك فائر من منبع السكر، وهذا منفجر من عين الصحو”. [2]

ويُنْهي رحمه الله حديثه عن نفسه بشكر ربه عز وجل على اعتنائه به حيث لم يجعل لغيره مدخلا في تربيته. هذا كما يشكر اليافعُ خالقه سبحانه على ما سوّاه وأحسن صورته وبسط نعمته عليه. وليس في كلام اليافع جُحُود لفضل والديه، ولا في كلام المشايخ حجود ليد من حضنهم صبيانا، وكساهم وغذاهم ونظفهم أطفالا.

يقول الإمام السرهندي عن حقوق شيخ السلوك: “ينبغي أن يُعْلَم أن حقوق الشيخ فوق جميع أرباب الحقوق بلا نسبةٍ بين حقوق الشيخ وبين سائر الحقوق بعد إنعامات الحق سبحانه وإحسانات رسوله صلى الله عليه وسلم. بل الشيخُ الحقيقيُّ للكل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. والولادة الصورية وإن كانت من الوالدين فإن الولادة المعنوية مخصوصة بالشيخ.

“الولادة الصورية منشأٌ لحياة أيام معدودة، والولادة المعنوية مستلزمة لحياة أبدية.

قال: “والذي يَكْنِسُ نجاسة المريد المعنوية بقلبه وروحه، ويطهِّر كرِشَه هو الشيخ. وقد يُحس (الشيخ) في التوجيهات إلى بعض المريدين والمسترشدين لتطهير نجاساتهم الباطنية أن التلوثَ يَسْري أيضا لصاحب التوجه ويَجْعله مُكَدَّراً إلى مدة.

“والشيخ هو الذي يوصل بتوسله إلى الله عز وجل. وهذه سعادة فوق جميع السعادات الدنيوية والأخروية.

“والشيخ هو الذي بوسيلته تتزكى النفس الأمارة الخبيثة بالذَّات، وتَطْهُر، وتتخلَّص من “الأمَّارية”، وتنْقلب مطمئنة، وتخرُجُ من الكفر الجِبِلِّي، وتدخل إلى الإسلام الحقيقي.

“يطول إذا بيَّنْتُ تفصيل شرحه.

“للسالك أن يعتقد سعادته في قَبول شيخه له، وشقاوته في رده نعوذ بالله سبحانه من ذلك. وقد جعل الحق سبحانه رِضاه تحت حُجْبِ رِضَى المرشد”. [3]

قلت: وهنا يصل الإمام إلى نقطة الأدب القلبي مع المرشد التي عليها الاعتمادُ، ويتخذها المريد السعيد دستور الصحبة معه، وهي نقطة خَطيرةٌ. إن انقياد الطالب لذي شهرة من أصحاب العمائم والسبحة والأتباع بطالة وعطالة إن لم يكن لَدَى الطالب هذا الاضطرارُ الظامِئُ إلى قرب ربه عز وجل، الذي يجعله الكريم الوهاب سبحانه مقدمة على طريق من يريد أن يقربه إليه، ثم يُهيِّئ له لقاء الصادقين الذين يُوصلونه بأمانة إلى ما سبق له من نيل الرغائب.

قال رحمه الله في توضيح هذه النقطة المحورية: “وما لم يجعل المريد نفسه فانيا في رضى المرشد لا ينال نصيبا من مرضاته سبحانه وتعالى”. [4] قف عند كلمة فانيا.

قال: “وآفة المريد في أذِيَّة شيخه. وكلُّ زلة يمكن تدارُكُها، إلا زلةُ أذية المرشد فإنه لا يمكن تداركها بشيء من الأشياء.وأذية المرشد أصل شقاوة المريد، وعِرْقُها، عياذا بالله من ذلك. والخلَلُ الطارئ في المعتقدات الإسلامية، والفتور الواقع في إتيان الأحكام الشرعية من نتائج تلك الأذية وثمراتِهَا.

“وماذا أقول عن الأحوال والمواجيد المتعلقة بالباطن؟ فإن بقيَ أثر من الأحوال مع وجود أذية الشيخ ينبغي أن يَعُدَّه من الاستدراج الذي يجر أخيرا إلى الخرابيَّة. ولا يُنْتِجُ شيئا غير الضرر. والسلام على من اتبع الهدى”. [5]

قلت: إن الصحبة لكاملٍ من الأولياء المرشدين شرط مفروغ من أهميته الحيوية عند السادة الصوفية أهل المعرفة بما هي الطريق. وإن شئتَ قلت باختصار: الطريق هي الشيخ الواصل الموصل الحبل بالسند المتصل. فما يبقى إلا شرطُ الصدق عند الطالب، وشرط الصبر مع المرشد، وشرط الاستقامة على السنة، وشرط الاجتهاد حتى يأذن الله سبحانه لمن يشاء بما يشاء، مع دوام الذكر والدعاء.

أما المتفرج من خارج الميدان، الذي لم يشمَّ شمة من الاضطرار إلى الله، ولا له صبر ليتعقَّب وصايا أهل الله بالصحبة، فهو يرفُض مبدأ الصحبة قبل كل نقاش ويسخَر من السند الروحي، ويكذب بالولادة الروحية، ويرى كل هذا هُراءً ومُبالَغة وخَبْطا وغلُوّا في الدين. ويُوصي المشايخ أنفُسُهم المريدين بالوقوف عند حد في تعظيم المرشدين، لأن شرط “الفناء في الشيخ”، وهو مِحْوَرِيٌّ في المسألة، قد يؤدي إلى الغلو المذموم، ويؤدي الغلو إلى الزيغ، ويؤدي الزيغ إلى الكفر. نعوذ بالله.

لذا قال الإمام السرهندي: “ينبغي أن يُعلَم أن اعتقاد المريد أفضليَّة شيخه وأكمليَّتَه هو من تمام المحبة ونتائج المناسبة التي هي سبب الإفادة والاستفادة. ولكن ينبغي أن لا يُفضِّلَ شيخه على قوم قد تقررت أفضليتهم في الشرع. فإنه إفراطٌ في المحبة، وهو مذموم. وقد كانت خرابية الشيعة وضلالتُهم من جهة إِفراطهم في محبة أهل البيت. واعتقد النصارى عيسى عليه السلام إلها من إفراط محبتهم إياه، ووقعوا في الخسارة الأبدية.

“أما إذا فضَّل شيخه على من سواه (من المشايخ) فجائز. بل هو واجبٌ في الطريقة. وهذا التفضيل ليس باختيار المريد، بَلْ لو كان المريد مستعدا يظهر فيه هذا الاعتقاد بلا اختيار منه، فيكتسبُ كمالات الشيخ”. [6]

وفي مكان آخر يتحدث الإمام عن الكرامات والخوارق، فيقرر أن ظهورها ليس شرطا في الأهلية للمشيخة، ويُبَيّنُ أن الخوارق الكونية لا شيء بالنسبة للكرامة الكبرى التي هي إحياء القلوب. قال رحمه الله: “وكيف لا يُحِس المريد خوارق الشيخ وقد أحيى القلب الميتَ، وأوصل إلى المكاشفةِ والمشاهدةِ. فإذا كان الإحياءُ الجسدي عظيمَ الشأن عند العوام، فعند الخواص الإحياء القلبيُّ والروحي برهانٌ رفيع البنيان”. [7]

ويستشهد السرهندي بكلام أحد مشايخ سلسلته قال: “ولما كان الإحياء الجسدي معتبرا عند أكثر الناس أعرضَ عنه أهل الله، واشتغَلوا بالإحياء الروحي، وتوجهوا إلى إحياء القلب الميت. والحق أن الإحياء الجسدي بالنسبة إلى الإحياء القلبيِّ والروحي كالمطروح في الطرّيق وداخل في العبث بالنظر إليه. فإن هذا الإحياءَ الجسدِيَّ سببُ حياة أيام معدودة، وذاك الإحياءُ الروحيُّ وسيلة للحياة الدائمة.

“بل نقول: إن وجود أهل الله في الحقيقة كرامةٌ من الكرامات، ودعوتُهم الخلق إلى الحق جل سلطانه رحمة من رحمات الله تعالى، وإحياؤهم القلوبَ الميتة آيةٌ من الآيات العظمى. وهم أمان أهل الأرض، وغنائم الأيام. بهم يُمطرون، وبهم يرزقون. كلامهم دَواء ونظرهُم شِفاء. هم جلساء الله، وهم قوم لا يشقى جليسُهم، ولا يخيب أنيسُهم.

“والعلامة التي يَتمَيَّزُ بها مُحِقُّ هذه الطائفة من مُبْطِلهم هي أنه إذا كان شخصٌ له استقامة على الشريعة، ويحصل للقلب في مجلسه ميلٌ وتوجه إلى الحق سبحانه وتعالى، وتحصل برودة عما سواه تعالى، فذلك الشخص شخص مُحق، ولأَنْ يُعَدَّ من الأولياء، على تفاوت الدرجات، مُسْتحِقّ”. [8]

هذه نبذة من كلام الإمام أحمد السرهندي الذي يحتاج المسلمون إلى دراسة تاريخه ليعرفوا ما هم مدينون به لجهاده أمام الطاغية “أكبر” من بقاء الإسلام في الهند، ويحتاج الصوفية لدراسة مكتوباته التي حرر فيها قواعد السلوك تحريرا مجدِّدا حقا واستحقاقا رحمه الله.

قال مشتاق محب، برّح به البعد وشفه الجفاء:

من رأى البرقَ بنجد إذْ تَراآى *** سُلبَ النوم وأُهْدِي  البُرحـاء

فاض فيها كجفونـي مـاؤُه *** والْتَظَى وَهْناً كَأَنفاسي  الْتِظاءَ

قام سُمَّار الدُّجَى عن سـاهِرٍ *** تَخِذَ الهـمَّ سميـراً والبكَـاء

أسهرتـه دمعـة تفضَحُــه *** وإذا ما أحسن الدمـعُ أسَـاءَ

يا خليليَّ ولـم أشعـرْ كمـا *** بالهَوَى حتى تَبَيَّنْـتُ الإخـاء

علِّلا قلبِـي بذكـرَى قاتلـي *** رُبَّ داء قـادَ للنـفـس دواء

وقال صادق في معاملته، ناصح مُؤَد لأمانته:

وإِنَّ امْرأً لم يَصْفُ لله قلبُـه *** لفي وحشة من كل نظرة ناظر

وإِنَّ امرأً لم يَرْتَحِل ببضاعةٍ *** إلى داره الأخرَى فليس  بتاجر

وإن امرأً يبتاع دُنْيَـا بدينـه *** لمُنْقَلِب منها بصَفْقَةِ  خاسـر

وقال موف بعهده، حافظ لوده:

أسُكَّـانَ نُعمـانِ الأرَاكِ تيقنـوا *** بأنكمُ فـي رَبْـع قلبـيَ  سُكـانُ

ودوموا على حفظ الـوداد فإننـا *** بُلينا بأقوام إذا استُحْفِظـوا خانـوا

سلوا الليل عني مذ تناءت ديارهم *** هل اكتحلتْ لي فيه بالغَمْضِ أجفان

وقلت:

سَحَبوكَ في غَفَلاتِهِم *** قَذَفُوكَ في  طُوفانِها

هذي السَّفينة يـا فَتى *** قَدْ صُنِّعَتْ أرْكانُها

نادَى لنَصبِ شِراعها *** وَرَحيلِهـا رُبَّانُهـا

الهوامش:

[1] المكتوبات ج 3 ص 110.

[2] المكتوبات ج 3 ص 110.

[3] المصدر السابق ج 2 ص 108 وما بعدها.

[4] المكتوبات ص 111.

[5] المصدر السابق ج 2 ص 111-112.

[6] المصدر السابق ج 2 ص 137.

[7] المصدر السابق ص 140.

[8] المكتوبات ج 2 ص 140.