لِمَ لا نتعلم من مخلوق تشرف بأن جعله الله لنا قصة ومثالاً متلواً للتالين إلى قيام الساعة؟

تعالوا بنا نَتَهَدْهَدُ بصحبة شاهد من الشاهدين النابهين الفالحين ممن بلَّغوا وبشروا وأنذروا فأعذروا.

قال تعالى في سورة النمل:

“وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين. فمكث غير بعيد فقال: أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقـين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمـالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يـخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لآ إله إلا هو رب العرش العظيم. قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. قالت: يآ أيها الملأ إني أُلقي إلي كتاب كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم. ألاَّ تعلوا علي وأْتوني مسلمين”.

رباعية مباركة اضطلع بها الهدهد ونجح فيها..

1 – الشهادة:

“يَآ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً”(سورة الأحزاب آية: 45).

ما كان الهدهد غائبا إذ تطلب الموقف شهادته وحضوره، بل كانت شهادته سببا في هداية ملكة سبإ وقومها. وكانت شهادته غيرة على حرمات الله إذ عُبِدَت الشمس من دونه سبحانه. وما أكثر الشموس التي تُعْبَدُ من دون الله من هوىً يَهْوِي بصاحبه إلى الهاوية ومالٍ يميل بالنفس عن سبيل الله وشهرة تُغشي على الأبصار والبصائر.

قال القاضي عياض رحمه الله:

“جمع الله تعالـى له في هذه الآية ضروباً من رتب الأُثْـرَة (الانفراد)، وجـملة أوصافٍ من المِدْحَة، فجعله شاهـداً على أمته بإبلاغهم الرسالة وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ومبشرا لأهـل طاعـته، ونذيـراً لأهل معصيته، وداعيـاً إلى توحيـده وعبادته، وسراجاً منيراً يُهْتَدَى به للحق” (كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، ص:23. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى).

الفن عبادة من العبادة ساميةٌ، وَفَنَنٌ من أفنان شجرة الرسالة الخالدة مزهرٌ مثمرٌ، وشهادةٌ مزدوجة على النفس وعلى الناس؛ أو هكذا يجب أن يكون.

الشهادة أن نلج منتديات الناس الخاصة والعامة، في البيوت وفي المنتديات والفضاءات الثقافية والفنية وعلى المنابر الإعلامية حضوراً دائماً متميزاً مبشِّراً.

2  البشارة / 3 – النذارة:

“وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً” (سورة الأحزاب آية: 45)

حمل الهدهد إلى ملكة سبإ رسالة فيها بشارة ونذارة.. ترغيب وترهيب.. وعد ووعيد.. “وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألاَّ تعلوا علي وأتوني مسلمين”، وبعد أخذ ورد استجابت بلقيس لرسالة الهدهد التي ألقاها إليها بإذن ربه، فاستنار قلبها و”قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين”.

الفنان الحقيقي نسمة رقيقة تُحيل الكدر صفاءً ينعش النفوس المكدودة، وبسمة صادقة تمسح بلطفها على الصدور العليلة، ونغمة مبشِّرة تفتح للناس أبواب الخير والسعادة والأمل في غد مشرق، وكلمة مبشِّرة محبِّبَةٌ سلوك سبل حياة الخلود في النعيم المقيم.

والفنان الحقيقي عينٌ مقبلةٌ على الذات ناقدةٌ فاحصةٌ، ساهرةٌ على الأمةِ وروحِ الأمةِ وقِيَمِ الأمةِ أن تتسلل إليها في ليل الغفلة البهيم هوامُّ الرذيلة والخَوَرِ والجَوْرِ، وهو حَنَايَا (أضلع) تحوط قلبها لتصد عنه الضربات لِيُحْفَظَ إيقاعُ خفقانه مضبوطاً موزوناً، وهو روحٌ من الروح ينفخ فيها فيبعث فيها جَذْوَةَ نورِ الحق الأثيل الأصيل، وهو سيفٌ من سيوفها مُصْلَتٌ على كل ظلم وظالم.

ليس الفنان الحقيقي حِرباء تتلون بِتَلَوُّنِ ما تَدِبُّ عليه على حد قول القائل: “دَارِهِمْ مَا دُمْتَ في دارهم وأَرْضِهِمْ ما دمتَ في أرضهم”، لكن الفنان هو ذلك الذي يشهد شهادة الحق وهو يَسْتَثْقِلُ رأسَه!!!

البشارة والنذارة مَعْنَيَانِ يعملان في النفس عَمَلَهُمَا ترغيباً فيما هو خير وأبقى، وترهيباً من عاقبة ما يُرْدِي في الهاوية أسفل سافلين.

مَعْنَيَانِ يعزِف الداعي بِمَقَامَيْهِمَا لَحْنَ الدعوة على وَتَرَيِ الخوف والرجاء معاً.

4 – الدعوة إلى الله بإذنه:

“وَدَاعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ” (سورة الأحزاب آية: 45).

الفن في واقع هذا العالم لاهٍ مُلْهٍ عن ذكر الله.. هو وسيلة مزدوجة المفعول: طَمْسٌ لمعالم الروح وتلويثٌ لصفاء مرآتها لتنسى أن لها غايةً خُلقت من أجلها وحياةً بعد الموت لا مراء فيها، بقدر ما هو مخدر لكل نفس غافلةٍ تائِهةٍ في دروب الضياع والضلال؛ وما بين المفعولين رباطٌ متين فُتِلَتْ حباله فَتْلاً يقوي أحد طرفيه الآخر.

إن فناً شعارُه أغنية فريد الأطرش:

“الحياه حلوة.. بَسِّ نفهمها..

“الحياه حلوة ما أحلى أنغامها..

“ارقصوا وغنوا وقولوا: الحياه حلوة..

“فوزوا بمتاعها، وانسوا أوجاعها&

“دي الحياة حلوة…”.

إن فَنّاً هذا شعاره لَهُوَ أَطْرَشُ، أي ذاك الفن، عن سماع صوت الفطرة الذي وُئِدَ في أرض الغفلة واللـهو؛ وهو بهذا أداة تجميل وتزيين لعجوز شمطاء هي الدنيا؛ تجميلٌ وتزيينٌ في عَيْنَيْ نفسِ الإنسان التائه الذي يُعَوِّضُ حاجته الفطرية إلى زينة الإيمان باللهاث وراء رغبات وشهوات لا يسد جَوْعَتَهَا إلا التراب.

كانت رحلة الهدهد الأولى رحلة مبادرة تلقائية لداعية مهموم لم ينتظر أمرا للقيام بما أَمْلَتْهُ عليه غيرتُه على دين الله، وكانت رحلته الثانية امتثالاً لواجب الطاعة لأمر سيدنا سليمان:

“قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُون”.

في المبادرة دليل على استقلاليـة إرادة المؤمن وعلى إيجـابِيَّته وفعَّاليته، وفي الاِمتثال للأمر دليل على قدرته الكـبيرة على توطين النفس ليكون لَبِنَةً من لَبِنَاتِ البناء.

وفي المبادرة والامتثال دليل على تمام نعمة الله على الداعية أن ألهمه التوفيق والسداد في ما يتحرك ويسكن، وما يُقْدِمُ ويُحْجِم، وما يختار ويدع، وما يُسْرِعُ ويُبْطئ، وما يعطي ويمنع.

إن آنَسَ الربُّ من عبده، وهو أعلم بعبده، صدقاً في سعيه وكدِّه وتسليماً لقَدَرِه وكتابه وصبراً على ما لا تهوى نفسه مما ينأى به إتيانُه عن رشده ورجوعاً إليه في رخائِه والشِّدَةِ كان مُلْهِمَهُ ومُوَفِّقَهُ ومدبِّرَ أمره عنه بما لو اجتمع الجن والإنس ليلهموه أو يوفقوه أو يدبروه ما تأتَّى لهم ذلك أبداً.

5  التَّنوِيـر:

“وَسِرَاجاً مُنِيراً” (سورة الأحزاب آية: 45)

في لَمْسَةِ الفنان وشعر الشاعر وبيان النَّاثِرِ وترنيمة المغني وتعبير الممثل روح، وفي صدورهم زفرات، وفي قلوبهم هموم، وفي حلوقهم غُصَصٌ وحُرَقٌ، وفي نفوسهم آلامٌ وآمال وتطلعات، وفي عزائمهم إرادات، ولِهِمَمِهِمْ غاياتٌ، إن وَافَتْهَا نفحاتُ الإيمان ونسائمُ القربِ وبُشْرَيَاتُ التأييد بالغيب والشهادة يَتَـبَشْـبَشُ بها الحق إليهم كأنما يسائلهم بحب ورحمة: أَرَضِيتُمْ عني عبادي؟ هذه نفحاتي إليكم أُنَزِّلُهَا عليكم تنـزيلاً لأُقَرِّبَكُمْ مني بها قرباً. قولوا للناس بكل عبارة أرضاها وأؤيدها وأباركها، مما مَنَحْتُكُمْ مواهبَها وتفضلتُ عليكم بتباشيرها وجعلتكم ألسنةً ناطقةً بِلُغَتِهَا من دون الخلق، أنني أنا الله الرحيم الحليم الكريم الودود الغفور الشكور، وأنني أنا الخالق البارئ، إِلَيَّ مرجعكم فأجازي من أحببت وأتجاوز عمن أحببت وأذيق الجاني بعض ما كسبتْ يداه. نَوِّرُوا قلوبَ الناس بما نوَّرتُ به قلوبَكُم من أنوار الوحي ومواهب الفضل، واستدرجوها إلى مساجدي التي هي بيوتي في الأرض، وإلى حِلَقِ ذكري التي تحفها ملائكتي برحمتي وسكينتي، وإلى مواطنِ المنافحة عن ديني حيثُ أمتحنُ عزائمَ عبادي، استدراجاً بألسنتكم التي جَعَلْتُ اختلافَها آيةً من آياتي ليأخذ كلُّ سامع وكلُّ ناظر وكلُّ ذي فؤاد -مما تُلْقُونَهُ إليهم من حكمتي- حَظَّهُ الْمُقَدَّرَ له وعطاءَه الذي أَسُوقُهُ إِلَيْهِمْ بِبَيَانِكُمْ وألْسِنَتِِكُمْ.. وما كان عطاءُ ربك محظورا.. وما كان عطاءُ ربك محظورا.. وما كان عطاءُ ربك محظورا…