لا يخفى على أحد أن الإسلام يدعو إلى التمسك بكل فضيلة ونبذ كل رذيلة. ومن أهم الخصال الحميدة والخلال الجميلة التي جاء بها الإسلام : المروءة. فالمروءة جماع الأخلاق ومنتهاها, ولحمة الفضائل وسُداها. وهي خلق الكرام , وأروع ما تحلى به الرجال ، وتزيّن به أهل الحجا, فهي حلية الفضلاء ، وشيمة النبلاء.

المروءة لغة :

جاء في القاموس المحيط : « مرؤ ككرم , مروءة فهو مريء , أي ذو مروءة وإنسانية , ومرأت الأرض مراءة فهي مريئة … حسن هواها ».

وقال ابن منظور  رحمه الله – في لسان العرب : « المروءة كمال الرجولية , مرؤ الرجل يمرؤ مروءة , فهو مريء على فعيل , وتمرّأ على تفعّل , صار ذا مروءة , والمروءة الإنسانية ».

تعريف المروءة :

روى الإمام مالك في الموطأ , عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال :« كرم المؤمن تقواه , ودينه حسبه , ومروءته خلقه … »

عرف الفقهاء المروءة بأنها استعمال ما يجمل العبد ويزينه وترك ما يدنسه ويشينه، قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين : “وحقيقة المروءة تجنب للدنايا والرذائل من الأقوال والأخلاق والأعمال”. ولأهميتها جعلها كثير من المحدثين شرطا في الراوي حتى يُقبل حديثه ، فمتى ما انخرمت مروءته تركوا حديثه .

وعرفها كثير من أهل العلم بقولهم : هي كمال الإنسان , من صدق اللسان , واحتمال عثرات الإخوان, وبذل الإحسان إلى أهل الزمان , وكف الأذى عن الجيران .

قال بهرام بن بهرام : المروءة اسم جامع للمحاسن كلها .

وقيل : المروءة استعمال كل خلق حسن, واجتناب كل خلق قبيح .

وقيل أيضا : هي صيانةُ النفس عن كل خُلُقٍ رديء.

وقيل كذلك : من تمام المروءة أن تنسى الحق لك , و تذكر الحق عليك . أن تستكبر الإساءة منك , و تستصغرها من غيرك.

ويقول الماوردي في أدب الدنيا والدين : اعلم أن من شواهد الفضل ودلائل الكرم : المروءة ، التي هي حلية النفوس وزينة الهمم . فالمروءة مراعاة الأحوال التي تكون على أفضلها، حتى لا يظهر منها قبيح عن قصد ولا يتوجه إليها ذم باستحقاق.

أهمية المروءة عند السلف الصالح وعند الحكماء والبلغاء :

قال أبو هريرة رضي الله عنه : جماع المروءة في تقوى الله , وإصلاح الصنيعة .

وقال ابن سلام : حدُّ المروءة : رعي مساعي البر , ودفع دواعي الضر , والطهارة من جميع الأدناس , والتخلص من عوارض الالتباس , حتى لا يتعلق بحاملها لوم , ولا يلحق به ذم , وما من شيء يحمل على صلاح الدين والدنيا , ويبعث على شرف الممات والمحيا , إلا وهو داخل تحت المروءة .

وقيل لسفيان بن عيينة رحمه الله : قد استنبطت من القرآن كل شيء فأين المروءة فيه ؟ .. فقال : في قول الله تعالى ” خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ” ففيه المروءة , وحسن الآداب , ومكارم الأخلاق . فجمع في قوله ” خذ العفو ” صلة القاطعين , والعفو عن المذنبين , والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين . ودخل في قوله : ” وأمر بالعرف ” صلة الأرحام وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغض الأبصار , والاستعداد ليوم القرار. ودخل في قوله : ” وأعرض عن الجاهلين ” الحض على التخلق بالحلم والإعراض عن أهل الظلم , والتـنـزه عن منازعة السفهاء , ومساواة الجهلة والأغبياء , وغير ذلك من الأخلاق الحميدة , والأفعال الرشيدة .

وسئل الفضيل بن عياض – رحمه الله – عن المروءة فقال : كامل المروءة من برّ والديه , ووصل رحمه , وأكرم إخوانه , وحسن خلقه , وأحرز دينه , وأنفق من فضله , وحسن لسانه , ولزم بيته .

قال رجل للأحنف بن قيس : دلني على المروءة , فقال : عليك بالخلق الفسيح , والكف عن القبيح. وقال أيضا : المروءة صدق اللسان , ومواساة الإخوان .

وسئل عبد الله الفارسي عن المروءة فقال : التَّألُّفُ، والتَّظَرُّف، والتَّنَظُّفُ، وترك التكلف .

وقال الزمخشري في أطواق الذهب : المروءة خليقة , برضاء الله خليقة .

وقال بعض الحكماء : كامل المروءة , من أحب المكارم , واجتنب المحارم .

وقال ابن القيم رحمه الله: إن أغزر الناس مروءة أشدهم مخالفة لهواه .

وقال محمد بن علي بن الحسين  رضي الله عنهم – : كمال المروءة الفقه في الدين , والصبر على النوائب , وحسن تقدير المعيشة .

قال بعض البلغاء : إن من شرائط المروءة أن يتعفف (المرء) عن الحرام ، ويتصلف عن الآثام (يعرض عنها) ، وينصف في الحكم ، ويكف عن الظلم ، ولا يطمع فيما لا يستحق ، ولا يستطيع على من يسترق (لا يستكبر على الضعيف) ، ولا يعين قويا على ضعيف ، ولا يؤثر دَنِيًّا على شريف ، ولا يُسِّر (يخفي ويضمر) ما يعقبه الوزر والإثم ، ولا يفعل ما يقبح الذكر والاسم .

قال ربيعة الرأي : المروءة ستة خصال, ثلاثة في الحضر, وثلاثة في السفر. فأما التي في الحضر : فتلاوة القرآن, ولزوم المساجد, وعفاف الفرج. وأما التي في السفر : فبذل الزاد, ومداعبة الرفيق, وحسن الخلق.

وقال زياد بن أنعم : كمال المروءة أن تحرز دينك , وتصل رحمك , وتكرم إخوانك , وتصلح مالك , وتقيل في بيتك.

وقال عمرو بن عثمان المكي : المروءة , التغافل عن زلل الإخوان .

وذكر أبو نعيم في حلية الأولياء أن محمد بن عليان كان يقول : الزهادة في الدنيا مفتاح الرغبة في الآخرة … وكان يقول : المروءة حفظ الدين وصيانة النفس وحفظ حرمات المؤمنين والجود بالموجود وقصور الرؤية عنك وعن جميع أفعالك. وكان يقول : كيف لا تحب من لا تنفك عن بره طرفة عين وكيف تدعي محبة من لا توافقه طرفة عين.

أسباب تحصيل المروءة :

قيل لبعض الصالحين : متى يجتمع للمرء أسباب المروءة ؟ فقال : إذا اجتمعت فيه خمس خصال.

1. إذا اتقى الله , ولم يتق الناس , وتلا قوله تعالى : «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم , فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله , والله ذو فضل عظيم ».

2. إذا صبر على النوائب , وتلا : « أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا » .

3. وإذا شكر على النعمة , وتلا : « ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غنيٌّ كريم » .

4. وإذا آثر بالمعروف على نفسه , وتلا : « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة , ومن يوق شُحّ نفسه فأولئك هم المفلحون » .

5. وإذا بذل الشفاعة , وتلا : « ومن يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيبٌ منها » .

قال سلام بن عبد الله الباهلي الإشبيلي : أسباب المروءة مرتبطة بشرف النفس , وعلو الهمة , فإن من علت همته زادت مروءته , وعلا قدره .

وقال العتبي : لا تتم المروءة إلا بخمس : أن يكون عالما , صادقا , عاقلا لبيبا , ذا بيان , مستغنيا عن الناس .

وتتم المروءة كذلك بصحبة الأخيار , ومخاللة الأبرار , فالمرء على دين خليله , وكلٌّ مع من أحب . وقد قيل : من قرب السفلة و أطرح ذوي الأحساب و المروءات استحق الخذلان .

تمام المروءة أن نستحي من الله حق الحياء :

تمام المروءة أن يستحي العبد من الله عز وجل , أن لا يراه حيث نهاه و أن لا يفتقده حيث أمره . فالاستحياء من المولى جل وعلا أرفع المنازل , وأجل المراتب التي ترتقي بالعبد إلى درجة الإحسان .

روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « استحيوا من الله حق الحياء ! فقلنا يا نبي الله : إنا لنستحيي. قال ليس ذلك ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى , والبطن وما وعى , وليذكر الموت والبلى , ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا , ومن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ». قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

يقول الحارث المحاسبي رحمه الله : ” يا نفس فادعيه وأنت منه مستحيية , فقد طال قلة حيائك منه . ويحك .. تستحين من الخلق أن يروا فيك ما يعيبونك به , ولا تستحي ممن يطلع على كثرة ما عندك من ذنوب وسوء ضميرك . ويحك .. إذا حملت وعاء من أوعية الشر , فإنك ترتعدين خوفا أن يبدو للناس شيء مما فيه من الشر .. فمتى تصلحي ما بينك وبين الله ؟ أنت كالعبد السوء الذي لا يستحي من مولاه , ولا يرجع عن مساوئه , ولا يعرف إحسانه إليه إلا عند الحساب والعقاب . هيهات .. اذكري الموت وما بعد الموت.

ما ظنك بمن يكره أن يطلع الناس منه على ما يكره الله , ولا يستحي أن يطلع الله منه على ما يكره … فادعي على تفقد لطف مولاك لعلك أن تستحين منه , فإن لطفه باطن وظاهر , مع إساءة منك باطنة وظاهرة , فهو يديم إحسانه بأضعاف الإحسان مع دوامك على الإساءة بصنوف من الإساءة … ويلك .. والويل لك , ما أسوأ حالك ! ! مهلكة وأنت تعلمين .. مع ذلك في السرور تتقلبـين وبالله لا تبالين .. من خلقه تستحين ومنه لا تستحين ! ”

باقة من رياضها :

قال ابن حمديس :

أدم المروءة والوفاء ولا يكن ***** جُعلُ الديانة منك غير متين

والعزُّ أبقـى ما تـراه لمكرم ***** إكرامه لمـروءة أو ديـن

وقال أبو تمام :

عش للمروءة والفتوة والعلى ***** ومحـاسن الآداب والأخلاق

وقال الحصين بن المنذر الرقاشي :

إن المروءة ليس يدركهـا امرؤٌ ***** ورث المكارم عن أب فأضاعها

أمرته نفسه بالدناءة والخـنـا ***** ونهته عن سُبُل العلا فأطـاعها

فإذا أصاب من المكارم خُلـة ***** يبني الكريم بها المكـارم بـاعها

وقال أحمد شوقي :

تسامح المرء معنى من مروءتـه ***** بل المروءة في أسمى معانيهـا

تخلّق الصفح تسعد في الحياة به ***** فالنفس يسعدها خلقٌ ويشقيها

وقال حافظ إبراهيم :

إني لتطربُني الخـلال كريمـة ***** طرب الغريب بأوبة وتلاقي

وتهزُّني ذكرى المروءة والنّدى ***** بين الشمائل هزّة المشتـاق

فإذا رزقت خليقة محمـودة ***** فقد اصطفـاك مُقسّمُ الأرزاق

وأخيرا ..

فإن المروءة خَلَّةٌ كريمة وخَصْلَةٌ شريفة تحمل الإنسان على التمسك بالفضائل , والنفور من الرذائل , والتحلي بمحاسن الأخلاق . فهي صدقٌ في اللسان ، واحتمال للعثرات ، وبذل للمعروف ، وكف للأذى ، وصيانة للنفس ، وطلاقة للوجه .

المراجع :

1. شعب الإيمان : البيهقي .

2. مدارج السالكين : ابن القيم الجوزية .

3. أدب الدنيا والدين : الماوردي .

4. الأدب الكبير والأدب الصغير : ابن المقفع .

5. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : أبو نُعيم الأصفهاني .

6. وصايا جامعة : عبد البديع صقر .