عرفت الجامعة المغربية خلال السنتين الأخيرتين تصاعدا ملموسا في وتيرة النضالات الطلابية التي عمت كل الجامعات بدون استثناء واستطاعت أن تعبئ عشرات الآلاف من الطلاب في معارك مطلبية قوية، ومحافل نقابية وثقافية وتربوية وعلمية متميزة ، تجاوز عددها في الموسم الجامعي (04/2005) 500 محفلا.

إن هذا التطور الإيجابي في أداء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بقدر ما قوى الالتفاف الجماهيري حول هياكله ومناضليه على المستوى المحلي الوطني وقوى حضور المنظمة وتأثيرها في المشهد الجامعي، وضع مسؤوليات قيادية كبرى على عاتقها تجاه الطالب المغربي: مسؤولية توعيته بذاته وحقوقه وبجدوى فعله النقابي، وتأطيره وإشراكه في الفعل الجماعي واحتضان همومه ومطالبه ومسؤولية قيادة نضالاته في معركة العدل والكرامة والحرية&

ليست هذه المسؤوليات بالغربية عن المنظمة بل هي مهام التزمت بها منذ تأسيسها سنة 1956 وواجبات تزداد أهمية وتحظى بالأولوية في المرحلة الراهنة باستحضار الإكراهات التي تعترض العمل النقابي في الجامعة، والتي هي موضوع هذا المقال، إكراهات من الحجم الكبير يستحيل معها أي فعل جماعي هادف، فبالأحرى فعل نقابي نضالي واعي.

إن التسلح بالروح الاقتحامية التي يتميز بها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وفصيل طلبة العدل والإحسان الذي يتمتع بالأغلبية في مؤسساته المنتخبة ويقود التجربة النضالية الحالية، لمما يعطي التجربة قيمة مضافة تستحق بها أن تكون موضوع دراسات دقيقة وتحقيقات لاشك تفيد التجربة الطلابية على المستوى الإقليمي والعالمي لما تمثله من إضافة نوعية مهمة.

قبل أن أناقش مع القارئ الكريم الإكراهات المرحلية الثلاثة التي تعترض عمل المنظمة الطلابية أود، في سياق الحديث عن الروح الاقتحامية والتحدي وعدم الاستكانة للعجز، أن أتوجه إلى ذاك الذي يتحدث من ركن عجزه عن مسايرة المستجدات واقتحام العقبات ومن هامش أزمته الذاتية عن موت الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وعن أزمة الحركة الطلابية المغربية، بأن ما تشهده الجامعة من تطورات نضالية تزداد، ولله الحمد، يوما بعد يوم رسوخا وعمقا في الجامعة فعلا وتأثيرا، وفي نفوس الطلاب ووعيهم ثقة وتجدرا ليفند الادعاءات العاجزة المنهزمة المستكينة ويرمي بها جانب التيار.

وأستدعي هنا للاستشهاد على الحضور القوي لأوط م في الجامعة بعض المؤشرات الدالة، وللأرقام دلالتها:

1. تجاوز عدد الطلاب المشاركين في الانتخابات الطلابية الأوطمية الرقم القياسي الذي بلغته المنظمة في تاريخها ويقدر بعشرات الآلاف من الطلاب. ولقد سجلت المنظمة هذه السنة بالمقارنة مع السنة الماضية زيادة تقدر بما ينيف عن ستة آلاف مشارك وهي دماء جديدة ضخت في شرايين الاتحاد.

2. تغطي الهيكلة التنظيمية ( التعاضديات والفروع & ) أزيد من أربعين مؤسسة والرقم مؤهل للتطور رغم ظروف المنع والقمع و الاعتقال التي يتعرض لها الطلبة المناضلين سنويا.

3.الاستجابة الطلابية الواسعة لمبادرات الكتابة العامة للتنسيق الوطني بدءا من إنجاح المحطات الاحتجاجية ( الإضرابات والوقفات & ) والتضامنية ( مع قضايا الأمة في العراق وفلسطين & ) والمشاركة الواسعة في الأنشطة الثقافية والإبداعية ( الملتقى الوطني و المسابقات الوطنية الثقافية في الكاريكاتور والشعر & .) إلى مقاطعة الانتخابات الطلابية الإدارية حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 02 % بالمقارنة مع عدد المشاركين في مثيلتها الأوطمية !!!

4.النضال المستميت والواعي الذي تخوضه الجماهير الطلابية بقيادة مناضليها راكم مكتسبات نضالية أهمها التصدي لعدد كبير من الإجراءات المجحفة في حق الطلاب ، وانتزاع حق الحوار مع الإدارة المحلية، وهو اليوم بلغ مستواه القطري بصياغة ملف مطلبي وطني موحد، وانتخاب محاور وطني أعطي كامل صلاحيات القيادة الوطنية في أفق عقد مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

أترك للقارئ الكريم حق التعليق على هذه المؤشرات التي تتحقق في ظروف سياسية وحقوقية سفيهة، وأعود به إلى الإكراهات المرحلية الثلاثة:

1. فشل مهزلة الإصلاح

إن فشل الدولة في إصلاح منظومة التعليم العالي والبحث العلمي أصبح حقيقة واقعية، لم يعد ممكنا إخفاؤها البتة، فالجامعة تغرق في فوضى بيداغوجية عارمة تهدد المصير الدراسي للطلاب بالضياع بعدما لم توفي الدولة ولو بالحد الأدنى من وعودها والتزاماتها تجاهه: فلا مسالك مهنية، ولا انفتاح على سوق الشغل، ولا تغيير في المناهج والمقررات ولا وضوح واستقرار في الضوابط البيداغوجية المتجاوزة فعلا وتطبيقا&

إذا أضفنا إلى كل ذلك فشل الدولة في إقناع الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين بجدوى الإصلاح، وعدم كفاية الوسائل المادية، وعدم أهلية البنية التحتية، نكون أمام معضلة مركبة يمثل الطالب فيها الخاسر الأكبر والضحية الأولى !!

إن هذه الوضعية الحرجة التي تمر منها الجامعة بفعل السياسة الفاشلة التي تنهجها الدولة، تفرض على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أن يكون في مستوى الواقع وتحدياته من حيث القوة الاقتراحية للخروج من الأزمة، ومن حيث القوة النضالية بتعبئة كافة الجماهير الطلابية في معركة وطنية موحدة، ومن حيث القوة التواصلية بتكثيف الجهود وإنتاج المبادرات في اتجاه خلق جبهة وطنية لإنقاد الجامعة.

2. استقالة الفصائل الحزبية من واجب النضال

انسحبت الفصائل الطلابية الحزبية بقيادة الطلبة الاتحاديين من ميدان النضال الطلابي واستقالت من واجب الدفاع عن مصالح الطلاب وحقوقهم و تأطيرهم وتوعيتهم، وذلك انسجاما مع التوجه السياسي الذي يحكم أحزابها في إطار صفقة التوافق السياسي، وهذا نفسه ما يفسر سر موقفها من الإصلاح الجامعي الأخير، الذي اعتبرته “مكسبا ثمينا للحركة الطلابية” وأن “معارضيه غرباء عن الحركة الطلابية المغربية ولا علاقة لهم بتاريخ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” (انظر العدد 7449 من الاتحاد الاشتراكي في تغطية دورة عمر بن جلون لمجلس التنسيق الوطني للطلبة الاتحاديين).

لن أقف عند النزعة الإقصائية في هذا الموقف، فهي أمست جزءا من نفسية أصحابها، ولكن ما ينبغي الوقوف عنده هو كون هذا التراجع اللامسؤول، وهذا الموقف الانهزامي، وهذا التحامل على نضالات الطلاب وحركتهم النقابية، يزيد في ثقل المهام التأطيرية القيادية المنوطة بمن اختار الوقوف بجانب الطلاب في محنتهم والتصدي لكل المخططات الرامية سحق مكتسباتهم وهضم حقوقهم.

وإذا كان فصيل طلبة العدل والإحسان قد قطع في هذا النهج أشواطا مهمة فينبغي أن يستمر في قيادة تجربته والتعبئة لها ودعوة باقي الأطراف الطلابية إلى الالتحاق بها، مادامت تحظى بالاحتضان والالتفاف الطلابي.

الشق الآخر في المشهد الفصائلي هو الطلبة الراديكاليون الذين اختاروا العمل خارج هياكل المنظمة ومقاطعة انتخاباتها، وهم على قلة أعدادهم وضمور فعلهم وعزلتهم الجماهيرية يمارسون نضالا “فوضويا” ويعتمدون آليات عتيقة قوامها العنف والإكراه كإغلاق أبواب المدرجات بالسلاسل الحديدية لإرغام الطلاب على المقاطعة… مما يساهم في إضعاف الصف الطلابي وتكسير شوكته، و هذا يخدم أعداء الحركة الطلابية أكثر مما يخدم مصالح الطلاب ونضالهم.

إن هذا الإكراه بمختلف تجلياته يتطلب التعامل معه بالحكمة، ومعالجته بأسلوب النقد الذاتي المتئد تجنبا لهدر الطاقة في الصدام، ومد قنوات الحوار كلما سنحت الفرصة في سياق استثمار مبادرة تعليق المؤتمر الوطني، والدفع في اتجاه حل الإشكال التنظيمي باستكمال هيكلة المنظمة.

3. تيار الميوعة الأخلاقية

إن أخطر ما يتعرض له الطالب المغربي اليوم هو الهجوم الكاسح لتيار الميوعة الأخلاقية الذي يستهدف الطالب في دينه وخلقه ومروءته. فلقد أمست الجامعة مسرحا لحملة شنيعة مغرضة تروم سلب إرادة الطالب وتشويه فطرته وطمس هويته وتخريب شخصيته الإيمانية الملتزمة بقضيته المصيرية الأخروية وقضايا أمته، وتحريف أخلاقه وإبعاده عن دينه، كل ذلك أمام صمت الإدارة أحيانا ودعمها المكشوف أحيانا أخرى، وما الترخيص والدعم المادي الذي تتمتع به الحفلات الراقصة داخل أسوار الجامعة (كالتي شهدتها جامعة البيضاء هذه السنة) وما يقع من فضائح وجرائم أخلاقية يذهب ضحيتها عشرات الطالبات سنويا في الأحياء الجامعية إلا أمثلة، وما خفي كان أعظم !!؟

لذا يتحتم على المنظمة الطلابية انطلاقا من واجبها الأخلاقي التربوي أن تضاعف جهودها في اتجاه تقوية ودعم الأنشطة التربوية التي تروم إشاعة أجواء أخلاقية طيبة ، والدعوة إلى التحلي بالأخلاق الحسنة وغرس محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتأسي به سلوكا وخلقا ومعاملة وعبادة في قلوب الشباب الجامعي، وفي اتجاه صحبة الطلاب والتغلغل فيهم بما يرفع الهمم إلى طلب الكمال وعظائم الأمور وأعلى المراتب الإيمانية العلمية والترفع عن صغائرها وسفسافها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل” رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح.

إن مفتاح التخلص من هذا البلاء هو صحبة الأخيار أحباب الله.

إن إشاعة هذه المعاني السامية من شأنها أن تعيد للجامعة مكانتها اللائقة بها في المجتمع، باعتبارها مركزا إشعاعيا إيمانيا أخلاقيا وقلعة للعلم والمعرفة والإبداع وقاطرة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية، ومدرسة لتخريج الأطر والكفاءات وذوي المؤهلات العالية، ومن شأنها أن تعيد للجامعة روحها المسجدية الإيمانية الطاهرة لتنبض بالحياة من جديد.

وختاما

إن هذه الإكراهات المرحلية الثلاثة عقبات، وينبغي لمناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغربن وخصوصا أبناء فصيل طلبة العدل والإحسان، أخذها بعين الاعتبار أثناء صياغة البرامج المستقبلية. وأعتقد أن أ و ط م يمتلك من المقومات الذاتية والتجربة التاريخية واستعداد مناضليه للبذل والتضحية، مما يؤهله لخوض غمار المرحلة بثبات وصمود وقصد في بلوغ المرام، وليكون في مستوى تطلعات الجماهير الطلابية الصامدة إن شاء الله