قال رضي الله عنه بكرة الأحد بالرباط، عاشر شوّال من سنة خمس وأربعين وخمسمائة:

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من فتح له باب من الخير فلينتهزه، فإنه لا يدري متى يغلق عنه”.

يا قوم انتهزوا واغتنموا باب الحياة ما دام مفتوحاً عن قريب يغلق عنكم. اغتنموا أفعال الخير ما دمتم قادرين عليها. اغتنموا باب التوبة وادخلوا فيه ما دام مفتوحاً لكم. اغتنموا باب الدعاء فهو مفتوح لكم. اغتنموا باب مزاحمة إخوانكم الصالحين فهو مفتوح لكم.

يا قوم ابنوا ما نقضتم. اغسلوا ما نجستم. أصلحوا ما أفسدتم. صفوا ما كدّرتم. ردّوا ما أخذتم. ارجعوا إلى مولاكم عزَّ وجلَّ من إباقكم وهربكم.

يا غلام ما ههنا إلا الخالق عزَّ وجلَّ فإن كنت مع الخالق فأنت عبده، وإن كنت مع الخلق فأنت عبدهم. لا كلام لك حتى تقطع الفيافي والقفار من حيث قلبك، وتفارق الكل من حيث سرّك. أما تعلم أن طالب الحق عزَّ وجلَّ مفارق الكلّ، قد تيقن أن كل شيء من المخلوقات حجاب بينه وبينه عزَّ وجلَّ، مع أيّ شيء وقف انحجب به.

يا غلام لا تكسل فإن الكسلان يكون أبداً محروما والندامة في ربقه. جوّد أعمالك وقد جاد الحق عزَّ وجلَّ عليك بالدنيا والآخرة. كان أبو محمد العجمي، رحمه الله تعالى، يقول: اللهمّ ” اجعلنا جيدين “. كان يريد أن يقول اللهمّ اجعلنا جياداً فلا يطاوعه لسانه، من ذاق فقد عرف. حسن العشرة مع الخلق والموافقة لهم مع حدود الشرع ورضاه حسن مبارك. وأما إذا كان ذلك مع خرق حدّ من حدوده وعدم رضاه فلا ولا كرامة لهم. لقبول الطاعات وردّها علامات عند أهل الصفاء والاجتباء.

يا غلام انصب شبكة الدعاء، وارجع إلى الرضا. لا تدع بلسانك وقلبك معترض. يوم القيامة يتذكر الإنسان ما فعل في الدنيا من خير وشر، فالندامة هناك لا تنفع، والذكر ثمَّ لا ينفع. الشأن في تذكر اليوم قبل الموت. ذكر الحرث والبذر وقت حصاد الناس لا ينفع. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” الدنيا مزرعة الآخرة “. فمن زرع خيراً حصد غبطة ومن زرع شراً حصد ندامة. إذا جاءك الموت انتبهت وقت لا ينفعك الانتباه. اللهم نبّهنا من نوم الغافلين عنك، الجاهلين بك آمين.

يا غلام صحبتك للأشرار توقعك في سوء الظن بالأخيار. إمش تحت ظل كتاب الله عزَّ وجلَّ وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقد أفلحت.

يا قوم استحيوا من الله عزَّ وجلَّ حق الحياء. لا تغفلوا زمانكم يضيع. قد اشتغلتم بجمع ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، وتبنون ما لا تسكنون. كل هذا يحجبكم عن مقام ربكم عزَّ وجلَّ. يخيم ذكر الله عزَّ وجلَّ في قلوب العارفين ويحيط بها وينسها ذكر كل مذكور، فإذا تمّ هذا فالجنة هي المأوى، الجنة المنقودة والجنة الموعودة. المنقودة في الدنيا هي الرضا بالقضاء وقرب القلب من الله عزَّ وجلَّ، ومناجاته له ورفع الحجاب بينه وبينه، فيصير صاحب هذا التقلب في خلوته مع الحق عزَّ وجلَّ في جميع أحواله من غير تكييف ولا تشبيه (ليْسَ كمِثلِهِ شيْءٌ وهوَ السَّمِيعُ البَصِير) والموعودة هي التي وعدها الله عزَّ وجلَّ للمؤمنين والنظر إلى وجهه الكريم من غير حجاب. ولا شك الخير كله عند الله والشر عند غيره. الخير في الإقبال عليه والشرّ في الإدبار عنه. كل عمل تريد عنه عوضاً فهو لك، وكل عمل تريده لله عزَّ وجلَّ فهو له. إذا عملت وطلبت العوض كان جزاؤك بمخلوق، وإذا عملت لوجه الله تعالى كان جزاؤك قربك منه والنظر إليه. ثم لا تطلب العوض على أعمالك في الجملة. ايش الدنيا وايش الآخرة وما سوى الله تعالى بالإضافة إليه. اطلب المنعم لا تطلب النعمة، أطلب الجار قبل الدار. هو الكائن قبل كل شيء، والمكوِّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. عليك بذكر الموت والصبر على الآفات، والتوكل على الله عزَّ وجلَّ في جميع الحالات.إذا تمّت لك هذه الثلاث خصال جاءك الملك بذكر الموت يصحّ زهدك، وبالصبر تظفر بما تريد من ربك عزَّ وجلَّ. وبالتوكل تخرج الأشياء من قلبك وتتعلق بربك عزَّ وجلَّ. تتنحّى عنك الدنيا والآخرة وما سوى المولى تأتيك الراحة من كل جانب، والكلاءة والحماية من كل جانب، يحفظك مولاك عزَّ وجلَّ من جهاتك الست، لا يبقى لأحدٍ من الخلق عليك سبيل، يسدّ عنك الجهات ويغلق عنك الأبواب. تصير من جملة الذين قال الله عزَّ وجلَّ في حقهم: (إنَّ عبادي ليسَ لكَ عليهمْ سُلطان) كيف يكون له سلطان على الموحّدين المخلصين الذين لا يراؤن الخلق في أعمالهم !! النطق في النهاية يكون، لا في البداية. البداية كلها خرس، والنهاية كلها نطق. المخلص ملكه في قلبه، سلطانه في سره، لا اعتبار بالظاهر، النادر منهم من يجمع بين ملك الظاهر والباطن. كن أبداً مخفياً بحالك لا تزل كذلك حتى تكمل ويصل قلبك إلى ربك عزَّ وجلَّ. فإذا كملت وبلغت لا تبالي حينئذ، كيف تبالي وقد تحققت حالك وأقمت في مقامك، وأحدق بك حرّاسك وصار الخلق عندك كالسواري والأشجار واستوى عندك حمدهم وذمّهم وإقبالهم وإقبالهم وإدبارهم. تصير بانيهم وناقضهم، تتصرف فيهم بإذن خالقهم، يعطيك الحلّ والربط، ويردّ التوقيع إلى يد قلبك، والعلامة إلى يد سرك. لا كلام حتى يصحّ هذا وإلا فكن عاقلا. لا تتهوس، أنت أعمى اطلب من يقودك، أنت جاهل اطلب من يعلمك، فإذا وقعت به فتمسك به واقبل قوله ورأيه واستدل به على الجادة، فإذا وصلت إليها فاقعد هناك حتى تحقق معرفتك لها. فحينئذ يأوي إليك كل ضالّ وتصير طبقاً للفقراء والمساكين. من جملة الفتوّة حفظ سر الله عزَّ وجلَّ والتخلق مع الناس بخلق حسن. أين أنت من طلب الحق والرضا به عما سواه !! أما سمعت قوله عزَّ وجلَّ (مِنكم مَنْ يريدُ الدّنيا ومنكمْ مَنْ يريد الآخِرة) وقال في موضع آخر (يُريدُونَ وَجْههُ) إن سعد بختك جاءتك يد الغيرة خلصتك من يد كل من سوى الحق عزَّ وجلَّ، وأخذت إلى باب قرب الحق عزَّ وجلَّ، فهنالك الولاية لله الحق. إذا تم لك هذا جاءت إليك الدنيا والآخرة خادمتين من غير ضرر، من غير تعب. أطرق باب الحق عزَّ وجلَّ واثبت على بابه فإنك إذا ثبت هناك بانت لك الخواطر فتعرف خاطر النفس، وخاطر الهوى، وخاطر القلب، وخاطر إبليس، وخاطر الملك. يقال لك: هذا خاطر حق وهذا خاطر باطل. تعلم كل واحد بعلامة تعرفها. إذ وصلت إلى هذا المقام أتاك خاطر من الحق عزَّ وجلَّ يؤدبك به ويثبتك ويقيمك ويقعدك ويحرّكك ويسكنك ويأمرك وينهاك.

يا قوم لا تطلبوا الزيادة ولا النقصان ولا التقدّم ولا التأخر، فإن القدر قد أحاط بكل واحد منكم على حدة، ما منكم إلا من له كتاب وتاريخ يخصه. قال النبي صتلى الله عليه وسلم: فرغ ربكم من الخلق والرزق والأجل جف القلم بما هو كائن. قد فرغ الله من كل شيء قضاؤه سابق، ولكن جاء الحكم وستر عليه الأمر والنهي والإلزام فلا يحل لأحدٍ أن يحتج على الحكم عما سبق، بل يقول لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

يا قوم اعملوا بهذا الظاهر، بهذا السواد على البياض حتى يحملكم على العمل بباطن هذا الأمر. إذا عملت بهذا الظاهر أدّاك إلى فهم الباطن. أول ما يفهم سرك، ثم يملي قلبك على نفسك، وتملي نفسك على لسانك، ويملي لسانك على الخلق، يتعدى ذلك إليهم لمصالحهم ومنافعهم. يا طوبى لك إن وافقت الحق عزَّ وجلَّ وأحببته. ويحك قد ادّعيت محبة الله عزَّ وجلَّ أما علمت أنّ لها شرائط !! من شرائط محبته موافقته فيك وفي غيرك. ومن شرائطها أن لا تسكن إلى غيره، وأن تستأنس به ولا تستوحش معه. إذا سكن حب الله قلب عبد أنس به وأبغض كل ما يشغل عنه. تبْ واثبت على توبتك فليس الشأن في توبتك، الشأن في ثبوتك عليها. ليس الشأن في غرسك، الشأن في ثبوته وتغصينه وثمرته.

وقال رضي الله عنه: الزموا موافقة الحق عزَّ وجلَّ في البأساء والضراء، والفقر والغنى، والشدّة والرّخاء، في السقم والعافية، في الخير والشر، في العطاء والمنع. ما أرى لكم دواء إلا التسليم إلى الحق عزَّ وجلَّ. إذا قضى عليكم بشيء لا تستوحشوا منه ولا تنازعوه فيه ولا تشكوا منه إلى غيره، فإن ذلك مما يزيديكم بلاء بل سكوناً وسكوتاً وخمولاً. اثبتوا بين يديه وانظروا ماذا يعمل فيكم وبكم تفرحوا على تغيره وتبديله. إذا كنتم معه هكذا لا جرم يغير الوحشة بالأنس، والتوحيد بالفرحة به. اللهم اجعلنا في جنابك ومعك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.