مدخل

ما هي حقيقة الصورة التي قدمها الاعلام المغربي/الرسمي و الحزبي للمواطنين عندما تناول قضية الاستاذة ندية ياسين ؟ هل كان بالفعل إعلاما نزيها ؟ وما هي مبررات الهجمة الشرسة التي شنتها الصحف الحزبية على الجماعة وعلى مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين؟.ثم هل كان هذا الإعلام في مستوى الحدث ؟

لماذا وكيف غاب التحليل الموضوعي ، المبني على أرضية الكلمة و الحجة ؟ البعيد عن التهم المجانية والتاويلات القسريةإلى حد إكراه الآية القرآنية الكريمة بتحميلها غير دلالتها اللفظية و الاصطلاحية وتوظيفها لخدمة الغاية الشخصية، مع سبق الإصرار و الترصد؟

ألا يدرك الإعلام الحزبي بكل تلويناته السياسية و الإديولوجية، أنه بهذا الشكل، يكون قد اختار الارتماء بشكل طوعي هذه المرة،في أحضان المخزن، وأصبح شريكا له، ومروجا لشعاراته الزائفة، ومغيبا ،وربما، متجاهلا لطموحات المواطنين المغاربة، و قضايا الشعب المغربي الأساسية و المصيرية، ومن ضمنها “قضية الحرية”، والمتمثلة في حرية الرأي و التعبير المكفولة في كل الدساتير الدولية؟ هل يستطيع إعلام بهذا الشكل، أن يستدل على كونه إعلاما مزيفا و متخلفا؟ هذا هو السؤال..

لقد طفا على سطح الأحداث ما يشبه “حرب المعسكرين” بين الإعلام الرسمي و الحزبي، و “الإعلام المستقل”، و لأن الحدث “مركب بطبيعته”، كان له أكثر من دلالة.

+ على المستوى السياسي

1- صدر عن قيادية في أقوى جماعة إسلامية منظمة في المغرب، وهي جماعة العدل و الاحسان،المستعصية على الهضم ، كما أن هذه القيادية،هي بالمناسبة كريمة الأستاذ عبد السلام ياسين،المؤسس و المرشد للجماعة.

-2 لأن التصريح، وهو موضوع القضية وسبب المتابعة، تطرق إلى عدة قضايا محاطة بحراسة بوليسية مشددة، ومسيجة بتهويلات أمنية بالغة “الدقة يقدمها الإعلام الرسمي، وضمنه الحزبي،على أنها من الأمور التي لا يجب أو لا يجوز التطرق إليها، وهي تدخل في نطاق الزوايا المحرمة على اعتبار أنها ثوابت و مقدسات.

-3 الظرفية التي صدر فيها هذا التصريح،بالنسبة لتاريخ المغرب، دقيقة جدا،بالنسبة لكل الاطراف، الرسمية منها والمعارضة.

+ على المستوى الحقوقي

اتخذ الحدث بعدا حقوقيا بفعل المتابعة، ذلك أن وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط قرر يوم 9 يونيو 2005 موعدا للمحاكمة والمتابعة القضائية للأستاذة ندية ياسين و عبد العزيز كوكاس مدير جريدة الأسبوعية الجديدة، ورئيس تحريرها، بوصفه فاعلا أصليا و مرتكبا لجنحة المس بالنظام الملكي،حسب الفصلين 67 و68 من قانون الصحافة.

كما تم في نفس اليوم ، استدعاء الأستاذ فتح الله ارسلان، الناطق الرسمي باسم الجماعة من قبل أمن الرباط.

+ على المستوى الإعلامي

تمت هذه المتابعات على إثر حوار أجرته “الأسبوعية الجديدة ” مع الأستاذة ندية ياسين تحول بسرعة البرق إلى ما يشبه القنبلة، حيث أصبح المادة الإعلامية الأولى، يتصدر عناوين الصحف الكبرى، اليومية منها والأسبوعية، كما تناقلته وسائل الإعلام الدولية.دار صراع عجيب بين الإعلام المحزب و الإعلام المستقل، حيث سعى هذا الأخير إلى التصدي للردود المنشورة على صفحات الجرائد، تحت شعار “الحق في التعبير”، و حرية الرأي، ليدافع في نفس الوقت عن حق الأستاذة ندية ياسين في الإدلاء برأيها ، بينما سعى الإعلام الحزبي إلى التنديد بتصريحات الأستاذة ندية ياسين، ومطالبا الجهات الرسمية، المخزنية طبعا،بالتدخل الفوري للضرب بشدة على مثل هذه التصريحات، وأيضا ضد الصحف و الجرائد التى تنشرها، الأمر الذي وضعها في موقع المعادي لحرية الرأي، وهو تناقض صارخ، بالقياس إلى المواثيق والأعراف الدولية، و أيضا بالقياس إلى الإرث النضالي و السياسي لهذه الأحزاب، وهي مفارقة غير مبررة إطلاقا.

هذا التماهي الحاصل بين “حق التعبير “كمبدا،وحق الاستاذة نادية ياسين،كحالة ذات خصوصيات متعددة،اضفى على الحدث /القضية،نكهة خاصة،جمعت قي بنيتها ما بشبه الالغام القابلة للانفجار في كل وقت،وعلى كل المستويات المحلية و الدولية.

ابعاد الحملةنفهم تهافت الإعلام الحزبي على تأويل مضمون الحوار،على أنه انعكاس للصورة الحقيقية لما عليه البيت الحزبي من الداخل، فهو لايملك مشروعا حقيقيا يشتغل عليه، محكوم بسقف التعليمات المخزنية، و متخلف عن مواكبة الشأن المغربي اليومي، في قضاياه الآنية و المصيرية، وضمنها قضية الحرية.

أدركت الأحزاب متأخرة كعادتها أن الباب مفتوح أمام” الصحافة المستقلة” لتلعب دور المعارضة السياسية، ولو إعلاميا، وهذا لا يمكن أن يتم إلا على حساب المصلحة الحزبية المرتبطة بمصلحة النظام نفسه، لذلك جاء ارتماؤها هذه المرة طوعا في أحضانه،فظيعا في صورته،فهي تسوق شعاراته و سياساته،معتمدة على التدليس و التأويل المبالغ فيهما إلى حد الكذب، والتحريض على الجماعة وعلى مرشدها و رموزها.وللأسف الشديد،اشترك في هذه المهزلة،رموز ما كانوا ليتهاووا إلى هذا الحضيض، نظرا “لرصيدهم” الدعوي و “الديني” ، و لرمزيتهم الإسلامية، لكنها ضريبة التطبيع مع المخزن، وما خفي كان أعظم .لقد كانت متابعة الأستاذة ندية ياسين قضائيا ،تعني فتح ملف جماعة العدل و الإحسان سياسيا،وهو ما تفطنت له الجماعة ،حيث سارع ناطقها الرسمي، إلى تأكيد مضمون الحوار.

إن هذا التأكيد يعكس الاستعداد التام للوقوف الى جنب الأستاذة، وهو ما شكل بالفعل ردا سياسيا قويا و فوريا من طرف الجماعة، مفاده أنها أدركت جيدا مغازي المتابعة، المعلنة منها و المضمرة، وفهمت خلفيات المتابعة، وأنها مستعدة بكل هيآتها و مؤسساتها للتعامل مع جميع الاحتمالات.وعلى الرغم من محدودية الوسائل الإعلامية و ضعف الإمكانيات، استطاعت الجماعة أن توصل رأيها و تعرف بقضيتها ،محليا و دوليا،كما أنها عملت على تحويل الهجمات الإعلامية الحزبية و الرسمية، إلى مكاسب يومية،كما أشار إلى ذلك الأستاذ عبد الواحد المتوكل.

التوريط المتبادل

مع اقتراب تاريخ المحاكمة، وجد النظام نفسه محرجا،محليا و دوليا،لأنه كان يتوقع إشارة خضراء من طرف القوى العالمية تسمح له بتصفية حساباته مع الجماعة، كما تأتى له ذلك بعد تفجيرات 16 ماي، حيث عمل على استئصال التيار السلفي من جذوره، و تحنيط إسلاميي العدالة و التنمية .

لكن الأمور سارت على عكس ذلك،حيث تشكلت بإسبانيا هيأة لمساندة الأستاذة ندية ياسين ، قادت حملة لجمع التوقيعات التضامنية، بعد منع الأستاذة من السفر للمشاركة بمحاضرة في مركب الملتقيات و المؤتمرات بمدينة برشلونة.

كما أن الولايات المتحدة الأمريكية احتجت بطرقها الخاصة، وعبر ممثليها،على المتابعة، واعتبرتها “محرجة”.ومنافية لحقوق الانسان.

داخليا ، تحركت الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق الانسان ، وعبرت عن موقفها الصريح الذي يدين هذه المتابعات، فأصدرت بيانا نشرته كاملا بعض الصحف الوطنية.وتشكلت هياة دفاعية مكونة من شخصيات لها رصيدها في التاريخ الوطني …

هكذا أصبح المخزن في عنق الزجاجة، ووضع{بضم الواو}القضاء المغربي و المؤسسة القانونية محط اختبار،على مرأى و مسمع من الداخل و الخارج.

إذن، من يحاكم من؟ انقلبت في آخر لحظة كل الأسئلة ، واختلطت ، ليجمع كل العقلاء والفضلاء، أن جماعة العدل و الإحسان، هي من يحاكم المخزن وأن يوم 28 يونيو 2005،مثل منعطفا في تاريخ الجماعة، وأن الجبهة التي تشكلت من النظام و الأحزاب الوطنية، كانت منسوجة بخيوط عنكبوتية، وان استنجاد بعضها ببعض ، إنما هو استنجاد الغريق بالغريق.

خاتمة

الآن،و قد سقطت كل الأقنعة،و هوى صرح الشعارات الزائفة، نتساءل: هل بقيت

للصحافة الحزبية بعض من مروءة للاعتذار لهذا الشعب؟

إن هذا الحدث يثبث، بما لا يدع مجالا للشك، أن المستقبل للكلمة الحرة، وأن الثمن، مهما يكون قاسيا، فهو يسمو بصاحبه نحو العظمة.والجماعة ، أثبتت هذه المرة ، كما في سابقاتها، جدارتها و تماسكها و قوتها ومصداقيتها وهو ما سيدفع إلى التفكير في إمكانية المراهنة عليها.

شكرا و تحية إلى كل الشرفاء الذين ناصروا مبدأ الحرية، ودافعوا عن الرأي ، مهما كان هامش الاختلاف، وشكرا للغيورين على مصلحة هذا الشعب.