ليكون لحركتنا الفنية المرجوة سند صحيح إلى النبوة ونسب شريف إلى الوحي لا بد أن يكون لها بعضُ خصائص خطابه متجليةً في خُماسية مباركة:

1  الأصالة:

الخطاب الأصيل هو الخطاب المستمِد من مشكاة الكتاب والسنة، المستنير بنورهما، الخادم المطيع لأوامرهما، السامع المتبع الداعي لسبيلهما، المصطبغُ بصبغتهما، المتحرِّي للحكمة في إفراغ مضمونهما في القوالب الفنية التي أنتجتها الحكمة والتجربة البشرية مما نحن أحق به، حسب ما تمنحنا الشريعة من مساحاتٍ المرونةُ في التعامل مع الواسع منها والمنحسر ضرورةٌ لازمة.

ربما تشوب بعضَ اجتهاداتنا الفنية شوائبُ لا يعود معها لعملنا الفني هوية ولا تكاد تجد له في العالمين نسباً.

إن كان منهاج سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو مَرْجِعِيَّتَنَا الأصيلةَ فما لِتَنَازُعِ غيره من المرجعيات في فَنِّنَا إلا معنىً واحدٌ وتفسيرٌ واحدٌ هو أننا لم نستوعب ذلك المنهاج النبوي ولم نَتَشَرَّبْهُ بما يكفي ليصطبغ فننا بصبغته..

الأصالة أن يكون لِفَنِّنَا نسب شريف إلى الوحي.. والخطاب الأصيل هو الخطاب الصافي صفاء مَنْبَعَيِ الوحي.

الأصالة أن نتحرك فيما نتحرك والمرجعُ الوحيُ.

2  الشمولية:

في القرآن الكريم خطاب شامل لحياة الإنسان كفرد ولحياته كأمة، وفيه خطابٌ هو به لطيف خبير كجسد له ضروراته وعقل له نظراته وروح لها تطلعاتها، كَكَدْحٍ له مبتدأ وله منتهى ينتهي إليه حين الموت وما بعد الموت من بعثٍ فحشرٍ فحسابٍ فثوابٍ أو عقاب.

في القرآن الكريم خطاب مُهَيْمِنٌ جامع لشتات ما ينتاب الأفراد والأمم في الحياة الدنيا وما ينتظرهم في الحياة الأخرى.. حياةِ الخلود..

جاء في الحديث النبوي الشريف عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“من أصبح وَهَمُّهُ غير الله فليس من الله.. ومن أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” ( رواه الحاكم في المستدرك).

إن لم نتمثل في فنِّنا شمولية ديننا العظيم كما يجسده هذا الحديث النبوي العظيم فمعناه أننا نعيش انفصاماً بين ما نتلو من آيات بينات وبين ما يُفرزه تفكيرنا وحركتنا من ممارسة ميدانية لا سَنَدَ صحيح لروايتها ولا نسب شريف لجذورها.

في القرآن الكريم وفي السنة النبوية العطرة نور ساطع للنموذج النبوي الكامل الذي جعله الله تعالى لنا أسوة حسنة نتأسى بها ونهتدي؛ نموذج وأسوة لا نرى منها في بعض ما نُنْتِجُ ونخاطب به الناس إلاَّ مساحاتٍ نضيِّقُهَا بقلة فهمنا عن الوحي تضييقاً.

كان ربعي بن عامر جنديا بسيطا من جند الله إذ ساقه القدر إلى رُسْتُم فقال كلمته المشهورة:

“الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جَوْرِ الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها…”(رواه ابن كثير في البداية والنهاية).

وضوح تام لمهمته وهو الجندي البسيط~!!

إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد: الإحسان.

إخراج العباد من جور الأديان إلى عدل الإسلام: العدل.

إخراج العباد من ضيق الدنيا إلى سعة ما استخلفنا ربنا فيه مما يضيِّق رستم على نفسه فيه.

3  السداد:

“قال الله تعالى: “يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً” (سورة الأحزاب- 70).

“السداد: هو استقامة الكلمة، وبلوغها هدف البيان والتفهم والتسديد إلى العمل” (المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين ص: 400 الطبعة المصرية).

السداد أن يكون وراء الشكل الفني الجميل رسالةٌ واضحة للإنسان تترجم له معاني الحق القرآنية النبوية كما ترجم بعضَها الصحابِيُّ الجليل عبد الله بن كرز فبكى الصحابة وبكى النبي صلى الله عليه وسلم في الباكين.

السداد أن يكون للفن غاية نبيلة صادقة مع هذا الإنسان تشرح له بكل شكل وبكل أسلوب وبكل وسيلة رُخِّصَ لنا فيها عِلَّةَ وجوده وغاية سعيه.

السداد أن يُحَفِّزَ الفنُّ المتلقيَّ ليطرح عنه جبة الكسل واللامبالاة والغفلة والتيه ويتزيَّى بلباس التقوى ويتزينَ بزينة الإيمان ليكون لوجوده غاية ولسعيه معنى ولكدحه برنامجٌ يرتقي به على مدارج الإيمان.

لا لـ: “الفن من أجل الفن”.. فلأجل من يكون إذن؟؟

“قل إن صلاتي ونسكي ومحيآيْ ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين” (سورة الأنعام- 164/165).

4  الجمال:

يقول صلى الله عليه و سلم فيما رواه الدارمي عن البراء قال: يقول صلى الله عليه و سلم: “حَسِّنُوا القرآنَ بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا”.

وهل يحتاج كلام البديع الجميل إلى من يُحَسِّنُه أو يُزَيِّنُه أو يُجَمِّلُه؟!!!

خاصية أخرى من خاصيات الفن: التزييـن.

في قلب المؤمن الداعية نور وهاج؛ والفن أداة من أدوات بث ذلك النور في قلوب الناس عبر أسماعهم وأبصارهم ومنافذ عقولهم وأرواحهم. فكيف نوفق بين جمال الشكل وبين قدسية المضمون دون أن تتوارى الرسالة خلف حُجب العمل الفني أو يسقطَ الفن في جفاف التوجيه المباشر؟

كيف يكون فننا كالمصباح الغازي إذ تساهم الزجاجة الشفافة في تكثيف ضوء الشعلة وفي توزيعه في أفسح فضاء ممكن ليستنير الناس بنوره؟

إن اقتصرنا في المصباح على الشعلة دون الزجاجة فلا نأمن عليها من ريح تطفئها، ولا نضمن إن بَقِيَتْ أن تكفي لتنويرنا. وإن اقتصرنا على الزجاجة دون الشعلة فلا ينفعنا شكلُ الزجاجة الجميلُ في ليل بهيم حالك.

هذه هي المعادلة التي تجعل لفننا معنى إن وُفِّقنا لحلها.

شرط خطابنا الفني أن يستدرج جمالُه قلوبَ الناس إلى قدسية مضمونه، لا أن يحجبها عنه.

5  الحكمة:

من معاني الحكمة مراعاة أحوال ونفوس وعقول من نخاطب من الناس: “خاطبوا الناس على قدر عقولهم”.. ومن معانيها التدرج في تَنْـزِيلِ الحق حتى يستأنس به المستوحش ويفتح الله له قلوب من يحب. من معاني الحكمةِ القوةُ..

كان خطاب ربعي بن عامر خطابا أصيلاً بانتسابه إلى الوحي وبإجابته عن غاية وجوده، وكان خطاباً شاملاً بجمعه بين العدل والإحسان، بين الدنيا والآخرة، وكان خطاباً سديداً ببلوغه المراد بعبارة واضحة لا لبس فيها، وكان خطاباً جميلاً بما يناسب ذوق رجل عربي في ذلك الزمان وذلك المكان وذلك الظرف، وبتوسيعه المقصودِ لدنيا هي طِلبة رستم ترغيباً له في آخرة هي مرمى ربعي.. وكان خطابا حكيما بما فيه من قوة زادها قوةً الأسلوبُ الواثق بالله الذي دخل به الجندي البسيط على أكبر قادة الفرس آنذاك.

خطاب تجلى فيه مدى فهم جندي بسيط من جند الله لرسالته التي ورثها عن النبي صلى الله عليه وسلم.