1- تأجيل التفكير والتخطيط والإعداد:

لِنَتَخَيَّلْ قاعةَ عروضٍ مسرحيةٍ غاصةً بجماهير ظامئَةٍ متلهفةٍ وُعدَتْ بعرض مسرحي جديد، بممثلين من طينة مختلفة عما عَهِدَتْ وعافتْ وملَّتْ فمجَّتْ، ونصٍّ مضمونه فيه من روح الصفاء والنقاء والخير ما لم يكن في سابقيه، وإخراجٍ يتقن إدارة “الخشبة” بما فيها ومن فيها بما يمنح من فرص للتواصل مع جمهور هو منه وإليه في عمل فني تاريخي..

وَعْد.. مجرد وعد.

وَعْدٌ تصدقه أو تُكذِّبه الجماهير إن صبرتْ وأصرتْ على متابعة العرض ومساندة أعضاء الفرقة بقلوبها وعقولها وأكفها إلى آخر لحظة…

إن صَبَرتْ وأَصَرَّتْ.

لنتخيل هذا، ولنتخيل حين يُرفع الستار!

لنتخيل الستار مرفوعاً عن خشبة لا شيء فيها يوحي بافتتاح العرض المسرحي الموعود:

حوارات حائرة بين مجموعة من الفنانين لا يزال نصهم المسرحي الموعود في ضمير الغيب وعلى مستوى “النية”، ينتظرون من يسطره تسطيرا ليعيد المخرج تهييئه حسب الطاقات الفنية الحاضرة والإمكانيات المتوفرة وطبيعة الخشبة، لتبدأ بَعْدُ “البروفات” ويُنصبَ الديكور، إلى ما يحتاج كل عرض مسرحي من جهد ومال ودعاية ورجال وغُصَص. كل هذا والجماهير، أو ما تبقى منها ممن لم ينسحب عياءً ويأساً وأسفاً، تُتَابع فراغاً فنياً بدلاً عن عمل فني ناضج جاهز للتنفيذ.

فراغ فني يمكن لفرق مسرحية أخرى تحسن استغلال الفرص التاريخية بدهاء أن تركب موجته وترفع أشرعته وترسو على الخشبة وتملأه بأي شيء له شكل العمل الفني مهما كان مضمونه غيرَ ذي رسالة.

إن تأجيلَ الحسم في الإجابة عن أسئلة الفن وتحدِّياته وتعليقَها، إلى أجل مُسَمّىً أو غير مسمىً، وعدمَ تأهيلنا لنكون في مستوى الجواب المطلوب إلينا بعد حين إن هو إِلاَّ كالفرقة المسرحية التي تؤجل التخطيط والتدريب والتأهيل والاِستعداد إلى يومٍ تجد نفسها فيه قائمة بل قاعدة أمام جمهور سئم الانتظار وَمَلَّ التسويفَ وينتظر الموعودَ غيرَ المكذوب…

من الأسباب التي تقوم حائلا دون الحسم في الإجابة عن الأسئلة المعلقة:

أولاً: الحرص على عدم إثارة أي مشكلات جانبية مشوِّشة. وإن قضية المرأة وقضية الفن لهما من أكثر الموضوعات حساسية في التفكير وفي الطرح وفي الممارسة.

ثانياً: الانشغال عن قضايا الفن بما لا يدع مجالاً للإجابة عن أسئلته على الرّغم من إلحاحها الميداني في الحاضر والمستقبل. والبعض يتعامل مع الفن، أحياناً، كما يتعامل عابر سبيل وجد نفسه بغتة وسط صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا طعام، ووجد جيفة ملقاة أكل منها ما يسد رمقه ويقيم صلبه ريثما يصل إلى مكان يستغني فيه ويأكل حلالاً طيباً!

ثالثاً: عدم وجود حركة فنية قوية وفعالة تحسن الترجمة من “لغة المشروع التغييري النبوي الكلي” إلى “لغة المشروع الفني الجزئي”.. حركة فنية لها مخطط واضح ورجال صادقون متقنون يُخوِّل لهم الإجابة الميدانية عن الأسئلة المطروحة بتؤدة وحكمة وواقعية وبُعد نظر، مع استحضار طبيعة المرحلة ومدى بُعْدِ أو قُرْبِ ما هو آتٍ من تحديات.

إن سؤال: “حلال أم حرام؟” لهو السؤال الذي لا تزال الحركات الإسلامية تدور حوله عاجزة عن الإجابة عنه بشجاعة فكرية وحكمة ميدانية، بينما تضم لائحة الأسئلة العشرات والعشرات مما يعني الجواب عن كل منها تخطيطاً واستعداداً وتكويناً ورجالاً وحركة ميدانية وصبراً وطول نَفَسٍ وتوكلاً على الله تعالى قبل أي شيء وبعد كل شيء.

2- الحصار الإعلامي والميداني:

تفرح الحركات الإسلامية وتبتهج إن أقبل الجمهور على أنشطتها الفنية العامة وساندها وسَعِدَ بما تقدم له، غير أن المساحة المكانية التي تتحرك فيها هذه الحركات لا تتجاوز بضع مئات من الأمتار، والمساحة الزمنية لا تتجاوز بضع ساعات تكاد تمحو أثرَها الأيام والشهور التي تُغرق الناس في محيطات متلاطمة الأمواج من إعلام يستلبهم دون أن يكون لنا من أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم نَصيب فيه؟؟

كيف نخرق أسوار الحصار الإعلامي والميداني الذي يحصرنا؟

* التوكل على الله تعالى أولاً وآخراً.

* تحسُّس الفجوات التي لا تسلم منها الأسوار المنخورة.

* المناورة والتجديد في الأشكال وانخراط بعضنا في الحركة الفنية الميدانية مع الناس في الحدود التي لا يذوب فيها ذوبانا.

* والصبر حتى يفتح الفتاح وما ذلك على الله بعزيز.

3- الحصار الذاتي:

ومتى نخرق أسوار الحصار الذاتي الذي حَصَرْنَا فيه أنفسنا إذ قيدناها بأشكال فنية محدودة الجمهور والمردودية والأفق؟

من أشد العوائق التي تعيق الحركة الفنية المرجوة أن ممارستنا الفنية محدودة “مكاناً” في بعض البيوت وبعض الفضاءات الطلابية والجمعوية، ومحدودة “زماناً” بحدود نظرةٍ لا تتجاوز مرحلة “الدعوة” إلى مرحلة “الدولة”، ومحدودة “مجتمعيا” في بعض الفئات التي ثابت إلى دين ربها والتي ما يزال فيها بعض ممن لم يجد في الممارسة الفنية الإسلامية بأسلوبها التقليدي بديلاً حقيقيا عما لَفَظَه ولا يزال الحنين يجره إليه جرّاً، ومحدودة “فنياً” في الشعر والأغنية وبعض الاجتهادات المسرحية الخجلى، ومحدودة “غنائيا” في توظيف أسلوب “الإنشاد الديني” الذي يقتصر على الموشح والنشيد والطقطوقة كألوان غنائية، وعلى المديح والابتهال والحماسيات كموضوعاتٍ محاورَ تدور عليها دون الجرأة في طرح خطاب شامل شمولية ديننا الحنيف، ومحدودة تكويناً عِلْمِيّاً في رجال صادقين من أبناء الحركة الإسلامية لم يسعوا إلى تزكية ممارستهم الفنية بالعلم.

هذه ألوان من الحدود التي تحصر حركتنا الفنية المنتظرة وتقف حاجزا نفسياً وفنيا وميدانياً بيننا وبين الناس؛ وهناك حدود أخرى تتعلق بتصورنا لمعنى الفن ولطبيعة الفن ولأسلوب توظيف الفن…

فالمسرح، في بعض الأحيان، خطبة جمعة أو مواعظ مباشرة تستر ضعفنا في التعامل مع الفن كأداة “ساحرة” لها سلطان على قلوب الناس وأي سلطان. والملصقات وأغلفة الكتب والأشرطة لا تخرج عن صور المساجد والقيود والقضبان والدماء كأنما حياة المسلم إما مسجد يُصلِّى فيه أو سجن يُعَذَّب فيه. وحتى الابتهال لا يخرج عن علاقة الخوف من الخالق جل وعلا، فلا رجاء في الله ولا فرح بالله ولا حب. أما القصة فنحجب فيها واقع النفس الإنسانية كما هي بحجة الابتعاد عن الابتذال وعن الفتنة؛ وأين العيب في طرح بعض القضايا التي يعيشها الناس، الشباب منهم خاصة، بأسلوب يفي بالمقصود على نور الوحي.

كل هذه الحدود تجعل لممارستنا الفنية تأثيراً محدوداً ومردوديةً محدودةً.

فإن كان عذرنا اليوم هو هذا الحصار الغاشم الذي يحصر كلمتنا، فكيف نفعل يوم تُفتح في وجهنا الأبواب وتُنْصَبُ بين أيدينا المنابر؟؟؟

4- حال الودود الولود… أرحام الدعوة…

ربما نعلن صادقين أنْ لا غَناء لنا عن الفن؛ ونرفع، لهذا، الشعارَ تِلْوَ الشعار. فكيف نتجاوز “شِعَارِيَّة” هذا الإعلان إلى عمل ميداني منظم مثمر؟

لا يَسْلَمُ أي تـجمع بشري، مهما كانت طبيعتـه وخصوصيتـه وقدسية الشعارات التي يحملها، من أن تَمَـسَّ صفحتَـه الناصعةَ الوضيـئةَ شوائبُ هي من طبيعة أي تجربة إنسانية جـماعية تفتح أذرعهـا لكل الناس.

ننسى في كثير من الأحيان هذه الحقيقة، فنواجهُ أي عقبة تتحدانا بقلوب منقبضة وردود فعل متشنجة وعزائم مشتَّتة، وننسى أننا حَمَلَةُ رسالةٍ الصدقُ روحُها والصبرُ والمصابرة زاد مسيرِ أهلِها.

ما العمل إن أصاب رَحِماً من أرحام الدعوة، وأتحدث هنا عن رَحِمِ الفنّ وهي “الوَدُودُ الْوَلُودُ”، ما يُضْعِفُ قابليتها لاحتضان “مشروع جَنِيـن” تَقَرُّ به عينا والديه؟

ما العمل؟

هل نُسَرِّحُهَا سراحاً جميلاً بدعوى أن رَحِمَهَا عَقِمَتْ عن أن تَزُفَّ إلينا بشارةَ مولود ينمو ويكبر تحت أعيننا يوما بعد يوم، ويخلق الله تعالى وينسب إليه ما شاء من فضله وكرمه ومِنَنِه؟ أم نحاول مراراً وتكراراً تلقيح نطفة أثبت الزمن أن الرَّحِمَ الذي رَجَوْنَا أن يحتضنها “ليس مهيأً طـِبِّيّاً” لذلك؟

العمل الميداني صعب، والحكمة إن خَلاَ منها هذا العمل كان أكثر صعوبة وأقل جدوى.

لِنُوَفِّرْ على أنفسنا عناء الجهود التي لا طائل من ورائها، ولنفتح في سُورِنَا فجواتٍ نوافذَ نطل عبرها على العالم “الخارجي”، نلتمس الحكمة تواصلا مع أهل الحكمة.

فجواتٌ لا تَمَسُّ أسس البنيان ولا تخرق في السفينة خرقاً محذوراً منه، بل تَتَحَسَّسُ فيه أماكن تحقق المطلوب دون خسائر.

عملٌ هو أشبه بعملية تلقيح فيما يُسمى: “أطفال الأنابيب”، ريثما يتهيَّأُ رَحِمُنَا “طِبِّـيّاً” لاحتضان جنينه في مكانه الطبيعي لينمو نموه الطبيعي ويقوم بدوره الطبيعي.

عمليةٌ لا يـمكن أن يقوم بها إلاَّ أطباء حكماء، لا يقطعون، على مدى هذه العملية، الحبل السُّرِّي بين الجنين وبين رَحِمِهِ الأصلي، وَيَبُلُّونَهَا بِبَلاَلِهَا&

درس من الحديبية..

كيف يفعل من رزقهم الله في أنفسهم من مواهبه ما لا صبر لهم على كتمانه، في مكانٍ وزمانٍ وظروف تحتم عليهم الانقياد للخط الجماعي للدعوة؟

كيف نستوعب فنانين لهم الاستعداد لأن يكونوا سَنَداً للدعوة وخلفية ثقافية لها مع الشروط الصعبة التي تُرهق أهل الدعوة بَلْهَ المتعاطفين معها؟

يصعب على الفنان كَبْتُ طاقاته وتجميد عضو حيٍّ فاعل من أعضائه.. فكيف نجمع بين توظيف ما أنعم علينا ربنا به من طاقات وبين العمل في حركة لها رؤيتها ولها خطها الذي يقتضي الواجبُ الانقياد له؟

نفسُ الْقَدَرِ عاشه أبو بصير وأبو جندل.. ونفس القدر عاشه ويعيشه الدعاة المتلطفون إلى الناس.. بما يحب الناس.. بما يرضاه رب الناس..

روى الإمام البخاري عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ من حديث طويل عن صلح الحديبية:

“& فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنَّهُ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: سُبْحَانَ اللهِ كَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ”. قَالَ فَوَاللهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “فَأَجِزْهُ لِي”. قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ قَالَ: “بَلَى فَافْعَلْ” قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ قَالَ مِكْرَزٌ بَلْ قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ: أَيْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلاَ تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللهِ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: أَلَسْتَ نَبِيَّ اللهِ حَقًّا؟ قَالَ: “بَلَى” قُلْتُ: أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: “بَلَى” قُلْتُ فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟ قَالَ: “إِنِّي رَسُولُ اللهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي”& ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ (رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ) فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ فَقَالُوا: الْعَهْدَ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ: وَاللهِ إِنِّي لأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلاَنُ جَيِّدًا فَاسْتَلَّهُ الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ ثُمَّ جَرَّبْتُ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ: “لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا” فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قُتِلَ وَاللهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ قَدْ وَاللهِ أَوْفَى اللهُ ذِمَّتَكَ.. قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَنْجَانِي اللهُ مِنْهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ” فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ. قَالَ: وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِـقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيـرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاللهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلاَّ اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَـهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْـشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُنَاشِدُهُ بِاللهِ وَالرَّحِمِ لَمَّا أَرْسَلَ فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيـْهِ وَسَلَّـمَ إِلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ…) حَتَّى بَلَغَ(… الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ)( سورة الفتح- 24/26) وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيُّ اللهِ وَلَمْ يُقِرُّوا بِـ: “بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ” وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ.

كيف يفعل مؤمنون هم فينا كما كان أبو بصير وأبو جَندل في رجال الدعوة الأُوَل.. ومعاناة المؤمنين فينا كمعاناة أولئك ممن سبقونا بإيمان؟

وجد أبو بصير وأبو جندل مخرجا من المحنة التي لقياها وألهمهما الله حل معادلة صعبة ما أحوجنا اليوم إلى استلهام روحها:

“… وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَجَعَلَ لاَ يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلاَّ لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ& “.

في فقرة “أرحام الدعوة” بَحْثٌ عن مُسَوِّغٍ منطقي لرؤية تريد أن تجمع  في مرحلةٍ ما- بين الخطين الفردي والجماعي معاً.. مسوغٌ منطقي أَمْلَتْه التجربة والمعاناة.. غير أن في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم وسيرة صحبه التأصيلُ الحركيُّ الكافي والدواء الناجعُ الشافي بإذن الله.

عقدت الدولة الإسلامية عهدا مع قريش أَحَدُ بنوده الأساسية يقضي بأن ترد كل هارب بدينه من أذى قريش إلى مكة وإن كان مسلماً.. عهد رأى فيه المسلمون تنازلاً مجحفاً وهم على الحق..

كان المعلم الحبيب صلى الله عليه وسلم واثقاً من نصر الله.. يرى بنور الله.. وكان أبو بصير وأبو جندل العنصرين اللذين تم على يديهما حل المعادلة الصعبة..

فَكيف لنا اليوم بمثل أبي بصير وأبي جندل ليجد لنا حلا للمعادلة الصعبة التي تدوِّخ الرؤوس وتعتصر منها القلوب؟

إن الطاقات الفنية فينا لا تستطيع تخيُّل نفسها، الآن، إلاَّ في أحد اختيارين:

الاختيار الأول- معسكر الدعوة: مع الشروط الذاتية والموضوعية الصعبة؛ شروط يصعب معها التأسيس لحركة فنية قوية وفاعلة، ويصعب معها توظيف الطاقات الفنية بالأسلوب الذي يمكن أن يدفع بالحركة الفنية وبالدعوة إلى غاياتها السامية..

الاختيار الثاني- معسكر الواقع: مع احتمال الذوبان في ناره في غياب حركة فنية قوية تعصم مما لا عاصم منه إلاَّ الله.

الاختيار الثالث: معناه الحكمة في مصانعة الواقع مصانعةً تحقق أهدافها مع الحرص الشديد الشديد على التمسك بالثوابت أَشَدَّ ما يكون التمسك وَأَوْثَقَ؛ ثوابت لا يمكن حفظها إن غابت عن عيننا الغاية السامية أو التفت قلوبنا إلى الدنيا وزخرفها التفاتة تودي بصاحبها إلى أسفل سافلين.

على حركتنا الفنية المرجوة أن تتمسك بالثوابت العامة تَمَسُّكاً يعصمها من الزلل الذي يمكن أن يخرق سفينتها بِخَرْقٍ محذور منه. وَلْنَعْلَمْ أن أخطر أنواع الخرق هو ما نخرقه نحن من سفينتنا.. فلننتبه لهذا وإلاَّ.. “لَكَأَنَّكَ يَا أَبَا زَيْدٍ مَا غَزَوْتَ”…

ولنعلم كذلك أن ما فعله أبو بصير وأبو جندل رضي الله عنهما كان عملاً مؤقتا مَحْكُوماً بظرفه مُبَرَّراً بِعِلَّتِه؛ فلما تغيَّر الظرف وزالت العلة عاد الخط الفردي لِيَنْفَتِـلَ في حبل الخط الجماعي.

إن مقارعة الواقع الفـني في بلداننا، في غياب حركة فنيـةٍ ربّانية قويةٍ وفاعلـةٍ ومؤثـرةٍ روحاً وتصوراً وعِلْماً ورموزاً وأساليـبَ، هو أشبه بمن يروم زحزحة جبل لا طاقة له به إلا بالافتقار إلى حول الله وقوته.