قال رضي الله عنه، يوم الجمعة بكرة بالمدرسة المعمورة ثامن شوّال سنة خمس وأربعين وخمسمائة:

أيها الفقير لا تتمنّ الغنى، فلعله سبب هلاكك. وأنت أيها المريض لا تتمنّ العافية، فلعلها سبب هلاكك. كن عاقلاً. احفظ ثمرك يحمد أمرك. اقنع بهذا القدر الذي معك ولا تطلب زيادة عليه. كلّ ما يعطيك الحق عزَّ وجلَّ بسؤالك فيكون كدراً وبغضة. قد جربت هذا إلا أن يؤمر العبد من حيث قلبه بالسؤال، فإذا أمر له بالسؤال بورك له فيما سأل، وأزيلت الأقذار عنه. وليكن أكثر سؤالك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اقنع بهذا فحسب. لا تتخير على الله عزَّ وجلَّ، ولا تتجبّر، فإنه يقصمك. لا تتجبر على الله عزَّ وجلَّ وعلى خلقه بشبابك وقوتك ومالك، فإنه يبطش بك ويأخذك أخذ من أخذه، فإن أخذه أليم شديد. ويحك، لسانك مسلم أما قلبك فلا. قولك مسلم أما عملك فلا. أنت في جلوتك مسلم، أما في خلوتك فلا. أمَا تعلم أنك إذا صليت وصمت وفعلت جميع أفعال الخير، إن لم تردْ بهذه الأعمال وجه الله عزَّ وجلَّ، فأنت منافق بعيد عن الله عزَّ وجلَّ. تب الآن إلى الله عزَّ وجلَّ من جميع أفعالك وأقوالك ومقاصدك الدنية. القوم ليس في أعمالهم ملق. هم الفائزون، هم الموقنون الموحدون، المخلصون، الصابرون على بلاء الله عزَّ وجلَّ وآفاقه، الشاكرون على نعمائه وكراماته. يذكرونه بألسنتهم ثم بقلوبهم، ثم بأسرارهم. إذا جاءتهم الأذايا من الخلق، تبسّموا في وجوههم. ملوك الدنيا عندهم معزولون. جميع مَن في الأرض عندهم موتى، عجزى، مرضى، فقراء. الجنة بالإضافة إليهم كأنها خراب. النار بالإضافة إليهم مخمودة. كانوا مع الدنيا وأهلها، ثم صاروا مع الآخرة وأهلها، وثم صاروا مع رب الدنيا والآخرة. التحقوا به وبالمحبين له، ساروا معه بقلوبهم حتى وصلوا إليه، وحصّلوا الرفيق قبل الطريق. فتحوا الباب بينهم وبينه بذكرهم، ما زالوا يذكرونه حتى حطّ الذكر عنهم همّ أوزارهم. فقدُهم مع غيره ووجودهم به. سمعوا قوله عزَّ وجلَّ: (فاذكرُونِي أذكرْكمْ واشكرُوا لي ولا تكفرُون) فلازموا الذكر له طمعاً في ذكره لهم. سمعوا قوله عزَّ وجلَّ في بعض ما تكلم به: (أنا جليس من ذكرني)، فهجروا مجالس الخلق وقنعوا بالذكر حتى تحصل لهم المجالسة له.

يا قوم لا تهتوسوا، أنتم هوس. هذا العلم لا ينفعكم بلا عمل. تحتاجون أن تعملوا بهذا السواد على البياض، وهو حكم الله عزَّ وجلَّ، تعملون به يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، حتى تقع في أيديكم ثمرته.

يا غلام، عملك يناديك: أنا حجّة عليك إن لم تعمل بي، وحجة لك إن عملتَ بي. عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل). ترتحل بركته وتبقى محنته. ترتحل شفاعته لك من مولاه، وينقطع دخوله عليك في حوائجك. ارتحل لكونه بقي قشوراً، فإنّ لبّ العلم العمل. لا تصحّ متابعتك للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى تعمل بما قال. إذا عملت بما أمرك به استقبل قلبك وسرّك وأدخلهما على ربهما عزَّ وجلَّ. عملك يناديك ولكنك لا تسمعه، لأنه لا قلب لك.اسمعه بأذن قلبك وسرك، واقبل قوله، فإنك تنتفع به العلم بالعمل يقربك إلى العالم المنزل للعلم. إذا عملت بهذا الحكم الذي هو العلم الأول نبعث عليك عين العلم الثاني. يصير عندك عينان عينان تجريان يحشى قلبك الحكم والعلم الظاهر والباطن. حينئذ يجب زكاة ذلك، تواسي به الأخوان والمريدين. زكاة العلم نشره ودعوة الخلق إلى الحق عزَّ وجلَّ.

يا غلام من صبر قدر. قال الله تعالى (إنما يُوَفى الصَّابرُونَ أجْرَهمْ بغيرِ حِسَابٍ). كلْ بكسبك ولا تأكل بدينك. اكتسب وكلْ وواسِ منه غيركَ. اكتساب المؤمنين أطباق الصديقين. لا حظ ّ لحرفهم إلا بالإضافة إلى الفقراء والمسكين، يتمنون إيصال الرحمة إلى الخلق، يطلبون بذلك رضا الحق عزَّ وجلَّ ومحبته لهم. سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم “الناس عيال الله عزَّ وجلَّ، وأحبُّ الناس إلى الله عزَّ وجلَّ أنفعهم لعياله”. أولياء الله بالإضافة إلى الخلق صمّ بكم عمي، إذا قربت قلوبهم من الحق عزَّ وجلَّ لا يسمعون من غيره ولا يبصرون غيره، يبيحهم القرب وتغشاهم الهيبة وتفيدهم المحبة عند محبوبهم. فهم بين الجلال والجمال لا يميلون يميناً ولا شمالاً. لهم أمام بلا وراء، يخدمهم الإنس والجنّ والمَلك وأنواع المخلوقات يخدمهم الحكم والعلم، يغذيهم الفضل، ويرويهم الأنس، من طعام فضله يأكلون، ومن شراب أنسه يشربون. عندهم شغل من سماع كلام الخلق، فهم في وادٍ والخلق في وادٍ يأمرون الخلق بأمر الله عزَّ وجلَّ، وينهون بنهيه نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم. هم الورّاث على الحقيقة، شغلهم ردّ الخلق إلى باب الحق عزَّ وجلَّ. يركبون حجته عليهم، يوقعون الأشياء في مواقعها، يعطون كلّ ذي فضل فضله، لا يأخذون حقوقهم ولا يستوفون لنفوسهم وطباعهم. يحبون في الله عزَّ وجلَّ ويبغضون في الله عزَّ وجلَّ. كلهم له لا لغيره فيهم نصيب. مَن تمّ له هذا فقد تمت له الصحبه وحصلت له النجاة والفلاح، ويحبه الإنس والجن والملك والأرض والسماء.

يا منافق يا عابد الخلق والأسباب، ناسياً للحق عزَّ وجلَّ، تريد أن يقع بيديك هذا مع من ؟؟ ما أنت فيه لا كرامة لك ولا عزازة. أسلم ثم تبْ، ثم تعلم واعمل وأخلص وإلا فلا تهدى. ويحك، ما بيني وبينك عداوة، غير أني أقول الحق ولا أحابيك في دين الله عزَّ وجلَّ. قد تربيت على خشونة كلام المشائخ وخشونة الغربة والفقر. إذا ظهر مني إليك كلام، فخذه من الله عزَّ وجلَّ فإنه هو الذي أنطقني به. إذا دخلتَ عليّ فادخل عرياناً عنك، عرياناً عن نفسك وهواك. لو كان لك بصيرة لرأيتني أيضاً عرياناً، ولكن آفتك فهمك السقيم. يا مريد صحبتي والانتفاع بي، حالتي ليس فيها خلق ولا دنيا ولا آخرة، فمن يتوب على يدي ويصحبني، ويحسن ظنه فيّ، ويعمل بما أقول، هكذا يكون إن شاء الله عزَّ وجلَّ. الأنبياء يربّيهم الحق عزَّ وجلَّ بكلامه، والأولياء يربّيهم بحديثه. الحديث هو الإلهام في قلوبهم، لأنهم أوصياء الأنبياء وخلفاؤهم وغلمانهم. الله عزَّ وجلَّ تكلم. كلم موسى عليه السلام. هو كلمه، لا مخلوق كلمه. الخالق كلمه، علام الغيوب كلمه بكلام فهمه، وبلغ إلى عقله بلا واسطة. وكلم نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم بلا واسطة. هذا القرآن، حبل الله المتين، هو بينكم وبين ربكم جلَّ وعلا، أنزله جبرائيل عليه السلام، عليه من السماء من عند الله عزَّ وجلَّ. أنزله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال وأخبر، لا يجوز انكار ذلك وجحوده. اللهمّ اهد الكلّ وتبْ على الكل وارحم الكل.

حكي عن أمير المؤمنين المعتصم بالله، رحمه الله تعالى، أنه قال وقت حضور وفاته: والله إني تائب إلى الله عزَّ وجلَّ مما فعلت في حق أحمد بن حنبل، مع كوني ما تقلدت من أمره شيئاً، وغيري كان المتقلد لذلك.

يا مسكين دع عنك الكلام فيما لا ينفعك. أترك التعصّب في المذهب، واشتغل بشيء ينفعك في الدنيا والآخرة. سترى عن قريب خبرك، وتذكر كلامي سوف ترى عند الطعان، وليس على رأسك خوذة ايش يتم عليه من الجراحات. فرّغ قلبك من هموم الدنيا، فإنك مأخوذ منها عن قريب. لا تطلب طيب العيش فيها فما يقع بيدك، قال النبي صلى الله عليه وسلم “العيش عيش الآخرة”. قصّر أملك وقد جاءك الزهد في الدنيا، لأن الزهد كله قصر الأمل. أهجر أقران السوء واقطع المودّة بينك وبينهم، وواصلها بينك وبين الصالحين. اهجر القريب منك إذا كان من أقران السوء، وواصل البعيد منك إذا كان من أقران الخير. كل مَن واددته صار بينك وبينه قرابه، فانظر لمن توادد.

و قيل لبعضهم: ما القرابة ؟؟ قال: المودّة. دع عنك طلب ما قسم وما لم يقسم، فإن طلبك لما قسم تعب، وطلبك لما لم يقسم مقت وخذلان. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” من جملة عقوبات الله تعالى لعبده طلب ما لم يقسم له”.

يا غلام استدلّ بصنعة الله عزَّ وجلَّ عليه. تفكر في الصنعة، وقد وصلت إلى الصانع. المؤمن الموقن العارف له عينان ظاهرتان، وعينان باطنتان. فيرى بالعينين الظاهرتين ما خلق الله عزَّ وجلَّ في الأرض، ويرى بالعينين الباطنتين ما خلق الله عزَّ وجلَّ في السموات. ثم يرفع الحجب عن قلبه فيراه بلا تشبيه ولا تكييف، فيصير مقرّباً محبوباً. والمحبوب لا يكتم عنه شيء، إنما يرفع الحجب عن قلب تعرّى عن الخلق وعن النفس والطبع والهوى والشيطان، وألقى مفاتيح كنوز الأرض من يده، واستوى عنده الحجر والمدر. كن عاقلاً تدبر ما أقول وتفهم، فإني بلبّ الكلام اتكلم، بجوهره بباطنه، نصيحة معانيه.

يا غلام لا تشكُ من الخالق إلى الخلق، بل أشك إليه هو الذي يقدر، وأما غيره فلا. مِن كنوز البرّ كتمان السر والمصائب والأمراض والصدقة. تصدّق بيمينك واجتهد أن لا تعلم به شمالك. احذر من بحر الدنيا فقد غرق فيه خلق كثير، ما ينجو منه إلاّ آحاد الخلق. هو بحر عميق يغرق الكل، غير أن الله عزَّ وجلَّ ينجي منه من يشاء من عباده، كما ينجي المؤمنين يوم القيامة من النار، لأن الكل يعبرون عليها. وينجّي الله من يشاء من عباده، قال الله عزَّ وجلَّ: (وإنْ مِنكمْ إلا وارِدُها كانَ على رَبِّكَ حَتماً مُقضِيّاً) يقول الله عزَّ وجلَّ للنار: (كونِي بَرْداً وسلاماً) حتى يجوز عبادي المؤمنون بي، المخلصون لي، الراغبون فيّ، الزاهدون في غيري، يقول لها ذلك، كما قال لنار نمرود التي أوقدها حتى يحرق فيها إبراهيم عليه السلام، يقول الله عزَّ وجلَّ: يا بحر الدنيا، يا ماء لا تغرق هذا العبد المراد المحبوب، فينجو منه ويصير على السر كما نجى موسى عليه السلام وقومه من ذلك البحر. يؤتي فضله من يشاء، ويرزق من يشاء بغير حساب. الخير كله بيده، والعطاء والمنع بيده، والغنى والفقر بيده، والعز والذل بيده، ما لأحد معه شيء. فالعاقل من يلزم بابه ويعرض عن باب غيره. يا مدبر أراك ترضي الخلق وتسخط الخالق، تخرب آخرتك بعمارة دنياك. عن قريب أنت مأخوذ. يأخذك الذي أخذه أليم شديد، أخذه ألوان كثيرة. يأخذك بالعذل عن ولايتك، يأخذك بالمرض والذل والفقر، ياخذك بتسليط الشدائد والغموم والهموم، يأخذك بتسليط ألسنة الخلق وأيديهم عليك. كل مخلوقاته يسلطها عليك. تنبّه يا نائم. اللهم أيقظنا بك ولك آمين.

يا غلام لا تكن في أخذك للدنيا كحاطب الليل ما يدري ما يقع بيده. إني أراك في تصرفاتك كحاطب ليل في ليلة ظلماء لا قمر فيها ولا ضوء معه، وهو في رملة كثيرة الدغل والحشرات القاتلة، فيوشك أن يقتله شيء منها. عليك بالاحتطاب نهاراً فإنّ ضوء الشمس يمنعك أن تأخذ ما يضرّك. كنْ في تصرفاتك مع شمس التوحيد والشرع والتقوى، فإن هذه الشمس تمنعك عن الوقوع في شبكة الهوى والنفس والشيطان والشرك بالخلق، وتمنعك عن العجلة في السير.

ويحك لا تعجل فإن من استعجل أخطأ أو كاد، ومن تأنى أصاب أو كاد، أي قارب أن يصيب. العجلة من الشيطان والتؤدة من الرحمن. أكثر ما يحملك على العجلة الحرص على جمع الدنيا. إقنع فإن القناعة كنز لا ينفد. كيف تطلب ما لا يقسم لك، ولا يقع بيدك قط ! امنع نفسك وارض به وازهد في غيره. الزم حتى تصير عارفاً بالله عزَّ وجلَّ، فحينئذ تصير غنياً عن كل شيء، يثق قلبك ويصفو سرك ويعلمك ربك عزَّ وجلَّ، فتهون الدنيا في عيني رأسك، والآخرة في عيني قلبك، وما سوى الحق عزَّ وجلَّ في عيني سرّك. لا يتعاظم عندك شيء من الأشياء سوى الحق عزَّ وجلَّ فحينئذ تعظم عند كل الخلق.

يا غلام إن أردت أن لا يبقى بين يديك باب مغلق فاتق الله عزَّ وجلَّ، فإنها مفتاح لكل باب. قال الله تعالى: (ومَنْ يَتقِ الله يَجْعَلْ لهُ مَخرَجاً ويَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتسِبُ) لا تعارض الحق عزَّ وجلَّ في نفسك ولا في أهلك ولا في مالك وأهل زمانك. ما تستحي أن تأمره أن يغير ويبدل أنت أحكم منه وأعلم منه وأرحم منه ! أنت والخلق كلهم عباده، هو مدبّرك ومدبّرهم. إن أردت صحبته في الدنيا والآخرة فعليك بالسكون والسكوت والخرس. أولياء الله عزَّ وجلَّ متأدبون بين يديه لا يتحركون حركة ولا يخطون خطوة إلاّ بإذن صريح منه لقلوبهم، لا يأكلون من الأشياء المباحة ولا يلبسون ولا ينكحون ولا يتصرفون في جميع أسبابهم إلا بإذن صريح لقلوبهم. هم قيام مع الحق عزَّ وجلَّ، قيام مع مقلب القلوب والأبصار، لا قرار لهم مع ربهم عزَّ وجلَّ حتى يلقوه بقلوبهم في الدنيا وبأجسادهم في الآخرة. اللهم ارزقنا لقاءك في الدنيا والآخرة. لذذنا بالقرب منك والرؤية لك، اجعلنا ممن يرضى بك عما سواك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.