قيل لمحمد بن حرب الهلالي [1]: قد أكثر الناس في ذكر المروءة فصفها لنا وأوجز. فقال: على الخبير سقطتم، هي بحذافيرها في قول الله عز وجل: (إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون) (سورة النحل، الآية 90). قيل قد وصفتها ففسرها لنا. قال: أما ترون تأويلها [2] تلاوتها؟!

وقيل لسفيان بن عيينة رضي الله عنه: قد استنبطت من القرآن كل شيء، فأين المروءة فيه؟ فقال: في قول الله تعالى: (خذ العفو، وامر بالعُرف، وأعرض عن الجاهلين) (سورة الأعراف، الآية 199). ففيه المروءة، ومحاسن الآداب ومكارم الأخلاق، من الرضى مما يجيء / عفوا بغير كد للنفس ومخاطرة بها في طلب الزيادة، ومن الأمر بالمعروف الذي فيه صلاح الدارين، ومن الإعراض عن الجاهلين لما فيه من التَّصَوُّن [عن سفاهتهم]، وترك التعرض لجهالتهم.

وهذه الألفاظ من القرآن تنظر إليها معاني المروءة كقوله عز وجل [في العفو]: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) (سورة الشورى، الآية 37). وكقوله تعالى في تعديل الشر بالخير: (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) (سورة التوبة، الآية 103). وقوله تعالى في مجازاة الحسن بالحسن: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) (سورة الرحمان. الآية 59). وكقوله سبحانه: (وقولوا للناس حسنا) (سورة البقرة، الآية 82). وكقوله عز اسمه في النهي عن مدح النفس: (فلا تزكوا أنفسكم) (سورة النجم، الآية 31) وكقوله عز ذكره في التوسط وحسن تدبير التقدير: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط) (سورة الإسراء، الآية 29). أي لا تمسك إمساكا شديدا، ولا تبذر تبذيرا فاحشا / مخوف العاقبة.

قال صاحب الكتاب: ذاكرت يوما بغزنة [3]  حرسها الله تعالى- صاحب الجيش أبا المظفر نصر بن ناصر الدين  رحمه الله تعالى- بقول ابن أبي الجنوب مروان بن أبي حفصة للمأمون من قصيدة له، قلت: فلما أنشده هذا البيت:

تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها *** وأنت بالدين عن دنياك مشغول

فقال له المأمون: ويحك! ما زدت على أن جعلتني عجوزا في محرابها معها سبحتها. هلا قلت كما قال جرير في عبد العزيز بن مروان:

فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه *** ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله [4]

وهذا والله القول الفصل والكلام الجزل. فقال لي الأمير نصر عرفت أن هذا المعنى في القرآن بأحسن لفظ / وأحلى وصف، قال الله عز وجل حكاية عن قوم قارون: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة [ولا تنس نصيبك من الدنيا]) (سورة القصص، الآية 77)[5] فيها عين المروءة وحقيقتها، وإن لم يكن فيها تفصيلها.

الهوامش:

[1] انظر البيان والتبين 2/115.

[2]ممن فسر هذه الآية بالمروءة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد ذكر السيوطي في الدر المنثور (4/241) أن عليا بن أبي طالب رضي الله عنه مر “بقوم يتحدثون، فقال: فيم أنتم؟ فقالوا: نتذاكر المروءة. فقال: أو ما كفاكم الله عز وجل في كتابه إذ يقول: “إن الله يامر بالعدل والإحسان”؟! فالعدل الإنصاف، والإحسان التفضل، فما بقي بعد هذا؟!”.

[3] غزنة: عاصمة الغزنويين ببلاد أفغانستان. تقع في الجنوب الغربي من مدينة كابل، من مراكز الثقافة والآداب في العالم الإسلامي خلال القرن الرابع والخامس والسادس الهجري.

[4] انظره في البداية 10/231، وفي العقد الفريد 5/368.

[5] في تأويلها قال ابن عمر: “احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا”. تفسير القرطبي (13/208). وفي الحديث: “ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه، حتى يصيب منها جميعا، فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة. ولا تكونوا كلا على الناس” رواه ابن عساكر والديلمي عن أ،س. انظر العجلوني في “الكشف” برقم 2139.