من هو رضي الله عنه :

هو سيدنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحسن، وأبو تراب الهاشمي القرشي. أبوه أبو طالب كفيل النبي صلى الله عليه وسلم وحاميه ومربيه، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة الأم أسلمت و هاجرت. و هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، وأبو الحسن والحسين رضي الله عنهم أجميعين.

كناه النبي صلى الله عليه و سلم بأبي تراب، روى البخاري في الأدب ” عن سهل بن سعد قال : إن كان أحب أسماء علي رضي الله عنه إليه [ أبا تراب ] ، و إن كان ليفرح أن يدعى به ، و ما سماه أبو تراب إلا النبي صلى الله عليه و سلم ، و ذلك أنه غاضب يوماً فاطمة ، فخرج ، فاضطجع إلى الجدار في المسجد ، فجاءه النبي صلى الله عليه و سلم ، و قد امتلأ ظهره تراباً ، فجعل النبي صلى الله عليه و سلم يمسح التراب عن ظهره و يقول : اجلس أبا تراب ” .

وعرف أيضا بأبي الحسن والحسين وأبي القضم الهاشمي، كان له من الإخوة طالب وعقيل وجعفر وكانوا أكبر منه، وله أختان أم هانئ وجمانة وكلهم من أمه فاطمة بنت أسد.

ولد رضي الله عنه وأرضاه في مكة المكرمة سنة 21 قبل الهجرة النبوية، وتربى في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يولد قط في بيت الله سواه.

إنه رضي الله عنه أمير المؤمنين, ورابع الخلفاء الراشدين, وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد العشرة المبشرين بالجنة, وأول الفتيان إسلاما. ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها و أخو رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمؤاخاة ، و أحد السابقين إلى الإسلام ، و أحد العلماء الربانيين ، و الشجعان المشهورين ، و الزهاد المذكورين ، و الخطباء المعروفين ، و أحد من جمع القرآن و عرضه على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و أبو السبطين رضي الله عنهما. وكان اللواء في يده في أكثر المشاهد، ولما بعث صلى الله عليه وسلم بالرسالة كان أول من آمن به من الغلمان، فأخذ عنه، ونهل من صفاته وأخلاقه، وكان ممن توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم.

وصفه :

وكان رجلا آدم شديد الأدمة شكل العينين عظيمهما فيهما خفش ذو بطن أصلع وهو إلى القصر أقرب وكان عظيم اللحية قد ملأت صدره ومنكبيه أبيضها كثيرا، وكان كثير شعر الصدر والكتفين حسن الوجه ضحوك السن خفيف المشي على الأرض.

هجرة وفداء :

وفي ليلة الهجرة فدى علي الشاب حبيبه وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه، وكان الفعل مصدقا لشعار الصحابة رضي الله عنهم “فداك نفسي وأمي وأبي يارسول الله”. إذ بات سيدنا علي رضي الله عنه في فراش الحبيب وهو يعلم أن السيوف مسلولة فوق رأسه قد تهوي في أي لحظة، وبقي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهاجر إلا بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وكان قد أمره بقضاء ديونه ورد ودائع الناس وحقوقهم عنه، ثم لحق به إلى المدينة بعد ثلاثة أيام وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سهل بن حنيف. وتزوج السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنجب منها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وزينب وأم كلثوم رضوان الله عليهم أجمعين، وبعد وفاة السيدة فاطمة رضي الله عنها في السنة الحادية عشرة للهجرة، تزوج عدداً من النساء وأنجب الكثير من البنين والبنات.

جهاد وشجاعة :

شهد سيدنا علي رضي الله عنه جميع الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عدا غزوة تبوك إذ استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم على أهله، وكان يحمل اللواء في أكثرها، ويتقدم للمبارزة، وقتل فيها عدداً من مشاهير أبطال العرب واليهود، وتجلّت شجاعته في معركة بدر والخندق وخيبر. وكانت له في بدر اليد البيضاء فيها بارز يومئذ فغلب وظهر، وشهد أحدا وقد قاتل يومئذ قتالا شديدا وقتل خلقا كثيرا من المشركين وغسل عن وجه النبي صلى الله عليه وسلم الدم حين شج في رأسه وكسرت رباعتيه و قال سعيد بن المسيب : ” أصابت علياً يوم أحد ست عشرة ضربة و ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم أعطاه الراية في يوم خيبر ، و أخبر أن الفتح يكون على يديه ” و قال جابر بن عبد الله : حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها ، و إنهم جروه بعد ذلك ، فلم يحمله إلا أربعون رجلاً . أخرجه ابن عساكر .

.وشهد يوم الخندق و الحديبية وبيعة الرضوان وشهد خيبر وكانت له بها مواقف هائلة ومشاهد طائلة؛ منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يترقبون ليلتهم أيهم يعطاها فدعا عليا -وكان أرمد- فدعا له وبصق في عينه فلم يرمد بعدها فبرأ وأعطاه الراية ففتح الله على يديه. وشهد علي رضي الله عنه عمرة القضاء وفيها قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مني وأنا منك ، وشهد الفتح وحنينا والطائف وقاتل في هذه المشاهد قتال المجاهدين الصادقين المقبلين غير المدبرين رضي الله عنه وأرضاه .

علمه رضي الله عنه :

روي له عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خمسمائة و ستة و ثمانون حديثاً .

روى عنه كل من : الحسن ، و الحسين ، و محمد ابن الحنفية ، و ابن مسعود ، و ابن عمر ، و ابن عباس ، و ابن الزبير ، و أبو موسى ، و أبو سعيد ، و زيد بن أرقم ، و جابر بن عبد الله ، و أبو أمامة ، و أبو هريرة ، و خلائق من الصحابة و التابعين رضوان الله عليهم أجمعين .

كان عمر بن الخطاب يرجع إليه في المعضلات ويتعوذ من معضلة ليس فيها أبو الحسن، وكان الصحابة إذا ثبت لهم الشيء عن علي لم يعدلوا به إلى غيره.

و قال أبو القاسم الزجاجي في أماليه : حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري ، حدثنا أبو حاتم السجستاني ، حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي ، حدثنا سعيد ابن سلم الباهلي ، حدثنا أبي ، عن جدي ، عن أبي الأسود الدؤلي ، أو قال : عن جدي أبي الأسود ، عن أبيه ، قال : دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقاً مفكراً ، فقلت : فيم تفكر يا أمير المؤمنين ؟ قال : إني سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربية ، فقلت : إن فعلت ذلك أحييتنا ، و بقيت فينا هذه اللغة ، ثم أتيته بعد ثلاثة ، فألقى إلي صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم ، الكلمة اسم ، و فعل ، و حرف ، فالاسم : ما أنبأ عن المسمى ، و الفعل : ما أنبأ عن حركة المسمى ، و الحرف : ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل ، ثم قال : تتبعه و زد فيه ما وقع لك ، و اعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ، و مضمر ، و شيء ليس بظاهر و لا مضمر ، و إنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر و لا مضمر ، قال : أبو الأسود : فجمعت منه أشياء ، و عرضتها عليه ، فكان من ذلك حروف النصب ، فذكرت منها : إن ، وأن ، و ليت ، و لعل ، و كأن ، ولم أذكر لكن ، فقال لي : لم تركتها ؟ فقلت : لم أحسبها منها ، فقال : بل هي منها ، فزدها فيها .

و أما كلامه في تفسير القرآن فكثير، أخرج ابن سعد عن علي قال : و الله ما نزلت آية إلا و قد علمت فيم نزلت ، و أين نزلت ، و على من نزلت ، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ، و لساناً صادقاً ناطقاً .

و أخرج ابن سعد و غيره عن أبي الطفيل ، قال : قال علي : سلوني عن كتاب الله ، فإنه ليس من آية إلا و قد عرفت بليل نزلت أم بنهار ، و في سهل أم في جبل .

سيدنا علي وخلة الخلفاء الراشدين :

ولما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، بايع سيدنا علي سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فكان أحد وزرائه ومستشاريه، ثم بايع السبط الفاروق وكان سندا له في القضاء، وأحد مستشاريه. كما كان أحد الستّة أصحاب الشورى الذين أوصى سيدنا عمر بأن يكون الخليفة منهم.

ولما قتل ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، بويع علي الإمام بالخلافة سنة 35هـ، واتخذ الكوفة عاصمة له. قال رجل لعلي بن أبي طالب : نسمعك تقول في الخطبة : اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين ، فمن هم ؟ فاغرورقت عيناه ، فقال : هم حبيباي أبو بكر و عمر ، إماما الهدى ، و شيخا الإسلام ، و رجلا قريش ، و المقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم ، من اقتدى بهما عصم ، ومن اتبع آثارهما هدي الصراط المستقيم ، و من تمسك بهما فهو من حزب الله .

و أخرج ابن عساكر عن الحسن قال : لما قدم علي البصرة قام إليه ابن الكواء ، و قيس بن عبادة ، فقالا له : ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه ، تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض ؟ أعهد من رسول الله صلى الله عليه و سلم عهده إليك ؟ فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت ، فقال : أما أن يكون عندي عهد من النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك فلا ، و الله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه ، و لو كان عندي من النبي صلى الله عليه و سلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني بن مرة و عمر بن الخطاب يقومان على منبره ، و لقاتلتهما بيدي ، و لو لم أجد إلا بردي هذا ، و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يقتل قتلاً ، و لم يمت فجأة ، مكث في مرضه أياماً و ليالي ، يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة ، فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس ، و هو يرى مكاني .

و لقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر ، فأبى و غضب ، و قال أنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر يصلي بالناس ، فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه و سلم نظرنا في أمورنا ، فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله صلى الله عليه و سلم لديننا ، و كانت الصلاة أصل الإسلام ، و هي أمير الدين ، و قوام الدين ، فبايعنا أبا بكر ، و كان لذلك أهلاً ، لم يختلف عليه منا اثنان ، و لم يشهد بعضنا على بعض ، و لم تقطع منه البراءة ، فأديت إلى أبي بكر حقه ، و عرفت له طاعته ، و غزوت معه في جنوده ، و كنت آخذ إذا أعطاني ، و أغزوا إذا أغزاني ، و أضرب بين يديه الحدود بسوطي ، فلما قبض تولاها عمر ، فأخذها بسنة صاحبه ، و ما يعرف من أمره ، فبايعنا عمر ، و لم يختلف عليه منا اثنان ، و لم يشهد بعضنا على بعض ، و لم تقطع منه البراءة ، فأديت إلى عمر حقه ، و عرفت له طاعته ، و غزوت معه في جيوشه ، و كنت آخذ إذا أعطاني ، و أغزو إذا أغزاني ، و أضرب بين يديه الحدود بسوطي ، فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي و سابقتي و سالفتي و فضلي ، و أنا أظن أن لا يعدل بي ، و لكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنباً إلا لحقه في قبره ، فأخرج منها نفسه و ولده ، و لو كانت محاباة منه لآثر بها ولده ، فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم ، فلما اجتمع الرهط ظننت أن لا يعدلوا بي ، فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع و نطيع لمن ولاه الله أمرنا ، ثم أخذ بيد عثمان بن عفان ، و ضرب بيده على يده ، فنظرت في أمري طاعتي قد سبقت بيعتي ، فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي ، و إذا ميثاقي أخذ لغيري ، فبايعنا عثمان ، فأديت له حقه ، و عرفت له طاعته ، و غزوت معه في جيوشه ، و كنت آخذ إذا أعطاني ، و أغزاني ، و أضرب بين يديه الحدود بسوطي ، فلما أصيب نظرت في أمري ، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهما بالصلاة قد مضيا ، و هذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب ، فبايعني أهل الحرمين ، و أهل هذين المصرين ، فوثب فيها من ليس مثلي ، و لا قرابته كقرابتي ، و لا علمه كعلمي ، و لا سابقته كسابقتي ، و كنت أحق بها منه .

خلافته رضي الله عنه :

لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له العباس: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم في من الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا. وهذا كان ديدان الصحابة الذين نهلوا من مورد المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ كانوا يفرون من الإمارة ولايطلبونها بل يردوها، وعند تشبت الأمة بهم ينقلب كيانهم ولا يغمد لهم جفن.

بويع سيدنا علي بالخلافة بعد مقتل الحيي عثمان بن عفان سنة 35هـ, فقام أكابر الصحابة يطلبون القبض على قتلة عثمان وقتلهم, وتوقى علي الفتنة, فتريث فغضبت عائشة أم المؤمنين, وقام معها جمع من الصحابة في مقدمتهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وقاتلوا عليا ,فكانت وقعة الجمل سنة 36هـ, ثم وقعة صفين سنة 37هـ بين جيش علي الإمام ومعاوية بن أبي سفيان وهذه المراحل هي المعروفة في التاريخ الإسلامي باسم الفتنة الكبرى.

وتأبى الشهادة إلا أن تزف إلى سيدنا علي :

أقام أمير المومنين سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه بعد هذه الفتن بالكوفة وجعلها دار الخلافة، وفي رمضان من سنة 40 للهجرة طعنة عبد الرحمن بن ملجم الخارجي وهو يصلي الفجر في مسجد الكوفة وكان عمره يوم استشهاده 63 سنة.

وأبت روحه الشريفة إلا أن تلحق بركب الحبيب والصديق والفاروق شهيدة طاهرة زفتها ملائكة الرحمان إلى مقام القرب بين يدي الحق في مقعد الصدق.

وتولى غسله وتجهيزه الحسن والحسين. وقد كانت مدة خلافته خمس سنين وثلاثة أشهر، ويقع مرقده الشريف في النجف الأشرف. وفي ليلة استشهاده استيقظ علي سحراً ، فقال لابنه الحسن ، رأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود و اللدد ؟ فقال لي : ادع الله عليهم ، فقلت : اللهم أبدلني بهم خيراً لي منهم ، و أبدلهم بي شراً لهم مني ، و دخل ابن الذباح المؤذن على علي ، فقال : الصلاة ، فخرج علي من الباب ينادي : أيها الناس الصلاة الصلاة ، فاعترضه ابن ملجم ، فضربه بالسيف.

أخرج عن عقبة بن أبي الصهباء قال : لما ضرب ابن ملجم علياً دخل عليه الحسن و هو باك ، فقال له علي : يا بني احفظ عني أربعاً و أربعاً ، قال و ما هن يا أبت ؟ قال : أغنى الغنى العقل ، و أكبر الفقر الحمق ، و أوحش الوحشة العجب ، و أكرم الكرم حسن الخلق ، قال : فالأربع الآخر ؟ قال : إياك و مصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك ، و إياك و مصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد و يبعد عليك القريب ، و إياك و مصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه ، و إياك و مصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه .

مكانته :

لسيدنا علي كرم الله وجهه قدم الرسوخ في الإيمان وسابقة السبق إلى الإسلام وعطاء الجهاد المستمر ونور العلم المزهر، توقف النبي صلى الله عليه وسلم عند رجوعه إلى المدينة من حجة الوداع سنة 10هـ في غدير خم وقال لمن معه: “من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه وعاد من عاداه” أخرجه أحمد.

و أخرج الطبراني بسند صحيح ” عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من أحب علياً فقد أحبني ، و من أحبني فقد أحب الله ، و من أبغض علياً فقد أبغضني ، و من أبغضني فقد أبغض الله ” .

و أخرج الطبراني في الأوسط و الصغير “عن أم سلمة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول علي مع القرآن و القرآن مع علي ، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض” .

وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا علي إنك مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي” أخرجه أحمد.

و أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : لما نزلت هذه الآية : ” ندع أبناءنا وأبناءكم ” دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم علياً ، و فاطمة ، و حسناً ، و حسيناً فقال :”اللهم هؤلاء أهلي ” .

و أخرج الترمذي ” عن ابن عمر قال : آخى رسول الله صلى الله عليه و سلم بين أصحابه ، فجاء علي تدمع عيناه ، فقال : يا رسول الله آخيت بين أصحابك ، و لم تؤاخ بيني و بين أحد ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنت أخي في الدنيا و الآخرة ” .

و أخرج مسلم عن علي قال : و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ، و لا يبغضني إلا منافق .

و أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ، قال : كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً .

و أخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال عمر بن الخطاب : علي أقضانا .

و أخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال : كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي .

و أخرج ابن سعد عن ابن عباس ، قال : إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها .

و أخرج الطبراني و الحاكم ” عن ابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : النظر إلى علي عبادة ” إسناده حسن .

وصفه ضرار بن ضمرة الكناني لمعاوية بن أبي سفيان حتى أبكاه وأبكى القوم وجعله يترحّم عليه، بقوله : “كان والله بعيد المدى شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة طويل الفكرة، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه، وينبّئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيّانا وقربه منّا لا نكاد نكلّمه هيبةً له، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين ويقرّب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله”.

من أقواله :

كان سيدنا علي كرم الله وجهه ينطق حكمة ويتكلم علما، فمن حكمه رضي الله عنه :

– أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم.

– الثناء بأكثر من الاستحقاق ملق، والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد.

– اتقوا معاصي الله في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم .

– عظم الخالق عندك يصغر المخلوق في عينيك .

– الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، الناس أعداء ماجهلوا.

– كونوا في الناس كالنحلة في الطير ، إنه ليس في الطير شيء إلا و هو يستضعفها ، لو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها ، خالطوا الناس بألسنتكم و أجسادكم ، و زايلوهم بأعمالكم و قلوبكم ، فإن للمرء ما اكتسب ، وهو يوم القيامة مع من أحب .

– كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل ، فإنه لن يقل عمل مع التقوى ، و كيف يقل عمل يتقبل ؟

– يا حملة القرآن اعملوا به ، فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم ، و وافق علمه عمله ، و سيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم ، و تخالف سريرتهم علانيتهم ، و يخالف عملهم علمهم ، يجلسون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً ، حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره و يدعه ، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.

– التوفيق خير قائد ، و حسن الخلق خير قرين ، و العقل خير صاحب ، و الأدب خير ميراث ، و لا وحشة أشد من العجب .

– قيل له : ما السخاء ؟ قال : ما كان منه ابتداء ، فأما ما كان عن مسألة فحياء و تكرم .

– جزاء المعصية الوهن في العبادة ، و الضيق في المعيشة ، و النقص في اللذة ، قيل : و ما النقص في اللذة ؟ قال : لا ينال شهوة حلال إلا جاءه ما ينغصه إياها .

ومن أشعاره رضي الله عنه :

– إذا اشتملت على اليأس القلوب ***** و ضاق بهمها الصدر الرحيب

و أوطنت المكاره و اطمأنت ***** و أرسلت في أماكنها الخطوب

و لم ير لانكشاف الضر وجه***** و لا أغنى بحليته الأريب

أتاك على قنوط منك غوث ***** يجيء به القريب المستجيب

و كل الحادثات إذا تناهت ***** فموصل بها الفرج القريب

وقوله أيضا :

– فلا تصحب أخا الجهل ***** و إياك و إياه

فكم من جاهل أردى***** حليماً حين آخاه

يقاس المرء بالمرء***** إذ ما هو ما شاه

و للشيء من الشيء ***** مقاييس و أشباه

قياس النعل بالنعل ***** إذا ما هو حاذاه

و للقلب على القلب ***** دليل حين يلقاه

– و قال : خمس خذوهن عني : لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه ، و لا يرجو إلا ربه ، و لا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم ، و لا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم ، و إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد : إذا ذهب الصبرذهب الإيمان ، و إذا ذهبت الرأس ذهب الجسد .

– و قال : الفقيه كل فقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ، و لم يرخص لهم في معاصي الله ، و لم يؤمنهم من عذاب الله ، و لم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ، لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، و لا فهم معه ، و لا قراءة لا تدبر فيها .