لا داعي للقلق، فلن نطالبك بأن تكون منظما إلى حد الملل. التنظيم الإيجابي لا يعني طلب الكمال، بل يعني أن تكون منظما بالدرجة التي تحتاجها، وبما يتناسب مع مركزك، وطموحاتك، وتطلعاتك، وصورتك التي تريد ترسيخها لدى الآخرين، وصورة جماعتك. سيطرتك على عملك واستثمار وقتك وتنظيم أوراقك ليس دليلا أكيدا على أنك إنسان منظم. المهم هو التحكم في أولوياتك ووضعها في نسق متكامل يوازن بين تفاصيل العمل اليومي ورؤيتك الكلية للمستقبل. هذا يعني الموازنة بين الخاص والعام، وبين العمل والمنزل، وبين الإنتاج والتطوير، وبين البحث والتسويق، وبين القديم والجديد. ليس هناك وصفة سحرية يمكن لكل منا اتباعها لبلوغ قمة التنظيم. فالتنظيم الفعال هو مزيج من أدوات وعادات كثيرة يمكن استخدامها بطريقة إيجابية لإنجاز العمل بفعالية ولتحقيق الأهداف. تحديد الهدف هو الركيزة الأساسية للوصول إليه. “فإذا كنت لا تعرف إلى أين أنت ذاهب، فسوف ينتهي بك الأمر في أي مكان”. هذا هو سر قوة التنظيم الإيجابي. وبدون تحديد الهدف، لن تنفعك كل أدوات التنظيم وأساليبه، ولن تغير سلوكك كل برامج التدريب مهما قرأت من كتب عن النجاح والفعالية والتحفيز والعمل بذكاء، بدلا من العمل بعناء.

بعض الناس ينتابهم التوتر عندما يفكرون في مشكلة التنظيم. هؤلاء يعتبرون التنظيم مظهرا سطحيا وليس جزءا حيويا من جوهر الإنسان ورسالته في الحياة. هذا النوع من القلق -ينتج عن سوء التنظيم- يضع الإنسان تحت ضغوط مستمرة، فتكمل دائرة الفوضى وتستمر. الحل الوحيد لهذه المشكلة هو وضع التنظيم على قائمة الأولويات وتخصيص وقت كل يوم لترسيخ التنظيم الإيجابي وجعله عادة مكتسبة لا تبرح المرء في المكتب أو البيت.

كيف تنظم الآخرين؟

تتفاوت اتجاهات العاملين ومدركاتهم نحو مستوى التنظيم المقبول تبعا لطبيعة عملهم وسلوكهم الشخصي ومستوى التدريب الذي حصلوا عليه وتربيتهم والدوافع التي تحفزهم للنجاح. وينقسم الناس من حيث ميلهم للتنظيم إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى: مفرطة في التنظيم، ظنا منها أن المبالغة في التنظيم وبلوغ حد الكمال في الدقة والتحكم بكل التفاصيل تعني الفعالية والزيادة في الإنتاجية. وهذه الفئة تطلب التنظيم لذاته وتعتبره عملية بلا نهاية.

الفئة الثانية: معتدلة التنظيم، دون مبالغة في متابعة التفاصيل، وتعتمد على نظام محدد للعمل والاتصال والحفظ والاستبعاد، بغض النظر عن جودة هذا النظام. وهذه الفئة تستخدم النظام كوسيلة للإنجاز والمنافسة.

الفئة الثالثة: مفرطة في الفوضى، ترفض النظام والإجراءات المقننة ولا تعترف بقنوات الاتصال الفعالة، وتخلط بين المهام والمسؤوليات. هذه الفئة تعتبر التنظيم مضيعة للوقت، على اعتبار أن الاستمرار في العمل هو الطريق الوحيد للتفوق.

يتضح من الفئات الثلاث أن تنظيم الآخرين يمكن أن ينصب على الفئتين الأولى والأخيرة. لكن تغيير سلوك الناس ليس أمرا سهلا لأسباب عدة منها:

أولاً: لأن قلة من الناس يعترفون بأنهم يخلقون مشكلات تنظيمية في البيئة التي يعملون فيها.

ثانيا: لأن تغيير الآخرين يحتاج إلى نظام للتغيير من متطلباته الأساسية أن نغير أنفسنا قبل أن نحاول تغيير من حولنا. رغم صعوبة نقل الموظفين من حالة الفوضى إلى حالة النظام، فإن لهذا التغيير الحيوي جانبان يتعلق الأول بعملية التحسيس، ويتعلق الوجه الثاني بعملية التدريب. تقوم عملية التحسيس على إقناع الشخص المراد تغيير سلوكه بإبراز المنافع المباشرة التي ستعود عليه بعد اتباع نظام معين، بحيث تكون هناك صلة وثيقة وواضحة للعيان تربط بين التنظيم والمنافع المترتبة عليه؛ وبعد إبراز الحافز وترسيخ القناعة بضرورة التنظيم، يأتي التدريب، فإذا كنت أنت نفسك منظما، وتؤمن بدور التعزيز والصبر وتكرار المحاولة في ترسيخ المهارات وتثبيتها لدى المتدربين حتى تصبح جزءا من سلوكهم اليومي، فإن النجاح سيكون حليفك، مهما كان الوقت طويلا والجهد المبذول شاقا.