الديمقراطية زبدة تجربة حياة الشعوب عبر التاريخ. فهي حكمة إنسانية نتجت عن مجموعة من الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية… التي عرفها الإنسان سابقا. حيث جاءت لتضع حدا للاستبداد وتعقلن الحكم ، وتعطي السيادة للشعب من خلال حكم نفسه لنفسه حتى لا يتظالم الناس ، ولا يتحكم في مصير الشعوب أفراد حسب مزاجهم وأسلوبهم المفروض ظلما وعنفا . لكن ماذا فعلت الديمقراطية الغربية بحقوق الإنسان في العالم ؟

ارتكب الصرب مجازر في سيرنبرنتشا ، وحوصرت مدينة جيفا وقنبلت من طرف النصارى الصرب الغربيين وأبادوا المسلمين البوشناق. ولم تسكب الديمقراطية الغربية إلا دموع التماسيح راضية في عمقها عن من ينوب عنها في إبادة النبات الوقح الذي أعلن عن نفسه في قلب الحضارة والديمقراطية: إنه مسلم !

الفلسطينيون شردوا ولا زالوا يقتلون وينفون من أراضيهم من طرف اليهود الذين زرعت دولتهم بين المسلمين على أراضي فلسطينية. كل ذلك يحدث تحت حماية مجلس الأمن. هذه الهيئة التي تتوفر فيها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية على حق النقض دون غيرها، لتبقى مصالح هذه الدول محمية بواسطة الديمقراطية ! وترضى هذه الأخيرة أن تكون الأرض جحيما على 80 من بني الإنسان، محرومين بؤساء تعزيهم وتسليهم بأن لهم مطمعا يوما ما في اللحاق بالركب الحضاري وإقامة ديمقراطية تكون مفتاحا للنعيم.

وأحرقت بغداد وأفغانستان بدعوى تخليص شعبيهما من النظام الطاغوتي، وإقامة النظام الديمقراطي الذي سيحقق لهم التنمية والرخاء والصحة والسكن والتعليم .. وهي دعوى باطلة ، وإنما الحقيقة التي ظهرت اليوم هي أن” بشرى الديمقراطية ” كانت فقط غطاء لتأمين الطاقة والمواد الأولية للدولة القوية لتضمن لنفسها دوام السيطرة على العالم. والدوام لله العزيز الجبار سبحانه.

ولا يقبل الرئيس الفينزويلي، لأن الديمقراطية الغربية تريد من يسير في ركاب الإيديولوجية المهيمنة، لا من يقول لها: لا ، ويهدد مصالحها الحيوية.

ما فعلت الديمقراطية الغربية بحقوق الإنسان ذكره يدمي القلوب ، وهو كثير جدا لا تكفي صفحة واحدة في ذلك، وما نشاهده ونسمعه اليوم عبر القنوات الإعلامية شاهد على ذلك…

وإن تجاوزنا التطبيقات المنحرفة للديمقراطية، فإن مأخدنا الجوهري عليها نظريا هو أنها تبشر بالتنمية والرفاهية و السكن والصحة والتعليم… فقط، وترضى بأن يموت الإنسان لا يعرف ربه. فهي ليس في قاموسها شيء اسمه الآخرة أو الجنة والنار… !

وهذا حق من حقوق الإنسان! علينا أن نعده لما بعد الموت، وأن لا يموت موتة البهائم الذين يحيون في الأرض يشبعون غرائزهم المادية لا غير. علينا أن نخلص الإنسان من الموتة الغبية ، موتة من خرج من الدنيا ولم يعرف ما ينتظره ، ولم يعرف من خلقه ، ولم يعرف ما يسعده عند الله .

لقد رأت الديمقراطية بثاقب نظرها أن المصير بعد الموت أسطورة اتجرت فيها الكنيسة قرونا التي كانت تبيع صكوك الغفران فطلقت الدين من قاموسها. ولا يمل المخلصون لها في أن يؤكدوا على ضرورة الفصل بين الدين والدولة . كل الدين!

تعميم خاطئ وخطير! ليس في الإسلام بيع لصكوك الغفران، ولم يقتل في الإسلام العلماء كما قتلت الكنيسة الذي قال بدوران الأرض! الإسلام يأمر بالعدل بين الناس ولا فرق بين الأسود والأبيض إلا بتقوى الله عز وجل. الناس سواسية أمام الله عز وجل يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح إن سبقته نية صحيحة وسليمة.

ويعزز الديمقراطي نظريته القائلة بضرورة الفصل بين الدين والدولة بطرحه علينا هاته الأسئلة: وماذا فعل المسلمون في أفغانستان ؟ وكيف هي أحوال الشعوب المسلمة حاليا؟ أليس العالم الإسلامي عالم متخلف تنهكه الحروب والنزعات الشخصية والقبلية ولا يأكل إلا ما صنعــه له الغرب؟ ما صحة دعواك؟ ! !

المسلمون عاشوا قرونا طويلة بإسلام منقوض العرى، أول ما انتقض فيه الحكم عندما انقلب الامويون على الخلافة الراشدة وجعلوها حكما وراثيا، وأصبح الحكم هو السيف لا القرآن والشورى. بعدما كانت السيادة للقرآن الكريم وكانت الدولة خادمة للدعوة لا مهيمنة عليها كما هي اليوم. لم يطبق الإسلام تطبيقا كاملا وشاملا إلا ستين سنة : زمن النبوة والخلافة الراشدة. وهذا قدر من قدر الله تعالى.

وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تشخيص لداء هذه الأمة المغلوبة على أمرها ، ويتضمن أيضا الدواء لعلاج هذا المرض الذي أصابنا قرونا طويلة حيث يقول صلى الله عليه وسلم: يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها! فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم . وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قال قائل : يا رسول الله! وما الوهن ؟ قال صلى الله عليه وسلم حب الدنيا وكراهية الموت. رواه أبو داوود والإمام أحمد بسند صحيح .