بين “التحرك الفني” و”الحركة الفنية”

إن الفن بأسلوبه الذي تمارسه بعض الحركات الإسلامية اليوم لا يقوم بدور “الدعوة” إلا في حدود جِدِّ ضيقة.. هو، في بعض الأحيان، أداة “لتنشيط” الأنصار والمتعاطفين ما دام هؤلاء يمثلون أكثر من تسعين في المائة من جمهوره.. جمهور عافت روحه المنتوج الفني المعروض في السوق فوجد ضالته في منتوج “نقي” يبهج النفس ويريح من أعباء الدعوة هنيهة. وربما يُقبِلُ بعضنا على المنتوج الفني الإسلامي لما بيننا وبين أهله من نسب دعوي.. لا لشيء آخر..

ثلاثة أهداف للممارسة الفنية بشكلها الحالي يجب أن نكون واقعيين في التعامل معها لِتَطْوِيرِهَا بَعْدُ:

1  كسب مزيد من الخبرة في أبواب الفن.

2  الحضور الميداني عبر الأنشطة الفنية.

3  توسيع دائرة من نتواصل معهم من الناس ليكونوا لنا “رَهْطاً” وسنداً ورأيا عامّاً يعرفنا ويتعاطف معنا.. وفنٌّ لا جمهور له لا حياة له ولا مستقبل.

نُثْبِتُ هذه الأهداف ونطورها مع عدم الانحسار في الأشكال التعبيرية التقليدية المتعارف عليها وفي جمهورنا أُحادي اللون، بل نتدرج تَدَرُّجاً في تجاوزهما إلى الأشكال التعبيرية الرحبة وإلى الجماهير العريضة بكل ألوانها لنحقق أهداف الرسالة المحمدية في الناس.

ومع هذا فالفن لن يستطيع تحقيق أهدافه بمجرد إثارة الغبار بحركة سريعة في رقعة من الأرض مهما اتسعت، في غياب قوة فاعلة لها فهم سليم وتصور واضح للمنطلقات والوسائل والأساليب والأهداف والغاية.

أُفُقُنا الميداني الذي ينبغي أن نسعى جاهدين إلى تحقيقه هو: “تأسيس حركة فنية واعية وفاعلة”.

وإن الفن الأصيل الذي نبشر به اليوم، ونسعى لإخراجه للناس غدا، إن شاء الله، لن يصمد لعاديات الزمن وآفات الطريق إلاَّ إن تداركته عناية الله بحركة فنية تحمل على كاهلها عبء المساهمة في التغيير المنشود.

إننا نتحرك في الميدان، صادقين متهمِّمين، قدر استطاعتنا وإمكانياتنا على الرغم من العقبات التي تعترضنا في الجوانب التخطيطية والإعلامية والفنية والمادية، فكيف لا يبقى عملنا مجرد “تَحَرُّكٍ فَنِّيّ” بينما نريدها نحن “حركةً فنية”.

“التحرك الفني” أعمالٌ فنيةٌ وأنشطة فنية وإصدارات فنية وبرامجُ فنية لا جامع بينها إلا أن أهلها، كأفراد، لهم في الميدان انتماءٌ ما.

أما “الحركة الفنية” المرجوة فرجالٌ استوعبوا، ما استطاعوا، المشروعَ الكُليّ للتغيير فترجموا مضمونه، بفهمهم وبسلوكهم ما استطاعوا، من لغته الأصلية إلى لغة المشروع الفنيِّ، وكانوا أُمَنَاءَ في ذلك ما استطاعوا، فاستخلصوا من هذا المشروع الفني من الإنجازات ومن البرامج ومن الأعمال ومن الأنشطة ومن الإصدارات ما يفيض عن منبع واحد ويؤلف بينها نسيج واحد ويُنْسَبُ إلى أب واحد وأم واحدة.

تَرَاجِمَةٌ يحتاجون أن يكون لهم إلمام واسع باللغة المترجَمِ منها “المشروع الكلي” وتخصص علمي في اللغة المترجَمِ إليها “المشروع الفني” وأن يكونوا من العاملين الصادقين الفاعلين في الميدان لا من الهاربين منه أو المصيبين منه حظوظاً لدنياهم دون آخرتهم.

عندما يكون للأعمال الفنية والأنشطة الفنية والإصدارات الفنية والبرامج الفنية نسبٌ شريف وسَنَدٌ صحيحٌ إلى أبوين شريفين كريمين تكون روحها من الوحدة ومن الصفاء ومن الفاعلية ما يجعل لها في قلوب الناس قَبولاً وفي الميدان تميُّزاً واتساعاً وفي المستقبل امتداداً وإلى قافلة الموكب النوراني أصولاً تُغَذِّيِه بأنوارها وبركاتها ونفحاتها.

حركة فنية مُنَظَّمَةٌ قويةٌ برجال ونساءٍ صادقين مسلحين بالعلم والخبرة وإرادة الدار الآخرة، وقويةٌ بأجهزة سليمة لا تَضِنُّ على “أحباب النبي” المنافحين عن خير نبي بالتشجيع والدعم المادي والمعنوي.

أجهزةٌ أرحامٌ نعمل ونصبر وندعو الله تعالى حتى يبلغَ بها النُّمُو والنضج وتبلغَ بها العافيةُ ما تستوعب به الطاقات الفنية التي تريد أن يكون لها حَظُّهَا من رضى الله تعالى ونصيبُها من أوسمة “أحباب النبي” صلى الله عليه وسلم وأجرها من شرف البناء ومن كَدِّ السواعد ومن عرق الجبين ومن وَهْجِ السَّنَابِك وغبار الميدان الأطيب.