وقال رضي الله عنه، بالمدرسة خامس شوال سنة خمس وأربعين وخمسمائة:

غرّتك بالله تنحيك، وغيّبتك عنه. ارجع عن غرّتك قبل أن تضرب وتهان وتسلط عليك حيات البلايا وعقاربها. ما ذقت طعم البلاء، فلا جرم تغتر. لا تفرح بجميع ما أنت فيه فهو شيء زائل عن قريب. قال الله عزَّ وجلَّ: (حَتى إذا فرحُوا بما أوتوا أخذناهمْ بَغتةً) إنما يُظفر بما عند الله عزَّ وجلَّ بالصبر. ولهذا أكد الله عزَّ وجلَّ أمر الصبر. الفقر والصبر لا يجتمعان إلا في حق المؤمن. المحبون يبتلون فيصبرون ويُلهمون فعل الخيرات مع بلائهم، ويصبرون على ما يتجدد عليهم من عند ربّهم عزَّ وجلَّ. لولا الصبر لما رأيتموني بينكم. قد جعلت شباكاً تصطاد الطيور من ليل إلى ليل يفتح عن عيني ويخلى عن رجلي، بالنهار مغمض العينين ورجلي مشدودة في الشبكة. فعل ذلك لمصلحتكم وأنتم لا تعرفون لولا موافقة الحق عزَّ وجلَّ، وإلا فهل عاقل يقعد في هذه البلدة ويعاشر أهلها ؟ قد عمّ فيها الرياء والنفاق والظلم وكثرة الشبهة والحرام، قد كثر كفران نِعم الحق عزَّ وجلَّ، والاستعانة بها على الفسق والفجور، وقد كثر العاجز في بيته، المتقي في دكانه، الزنديق في شرابه، الصديق على كرسيه. لولا الحكم لتكلمت بما في بيوتكم. ولكن لي أساس يحتاج إلى بناء. لي أطفال يحتاجون إلى تربية. لو كشفت بعض ما عندي كان ذلك سبب الفرق بيني وبينكم. أحتاج في هذه الحالة التي أنا فيها إلى قوّة النيّين والمرسلين. أحتاج إلى صبر مَن تقدّم مِن آدم إلى زماني. أحتاج إلى القوّة الربانية، اللهم لطفاً وعوناً ورضا آمين.

يا غلام ما خلقت للبقاء في الدنيا والتمتع فيها فغيّرما أنت فيه من مكاره الحقّ عزَّ وجلَّ. قد قنعت من طاعة الله عزَّ وجلَّ بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله. هذا لا ينفعك حتى تضيف إليه شيئاً آخر. الإيمان قول وعمل، لا يقبل منك ولا ينفعك إذا أتيت بالمعاصي والزلات ومخالفة الحقّ عزَّ وجلَّ، وأصررت على ذلك وتركت الصلاة والصوم والصدقة وأفعال الخير. فأي شيء ينفعك ؟ الشهادتان !! إذا قلت لا إله إلا الله فقد ادعيت. يقال: أيها القائل، ألكَ بينة، ما البينة ؟ امتثال الأمر والانتهاء عن النهي والصبر على الآفات، والتسليم إلى القدر، هذه بينة. هذه الدعوى. وإذا عملت هذه الأعمال ما تقبل منك إلا بالإخلاص للحقّ عزَّ وجلَّ، ولا يقبل قول بلا عمل ولا عمل بلا إخلاص وإصابة السنة. واسُوا الفقراء بشيء من أموالكم. لا تردّوا سائلاً وأنتم تقدرون أن تعطوه شيئاً قليلاً كان أو كثيراً. وافقوا الحقّ عزَّ وجلَّ في حبه العطاء، واشكروه كيف أهلكم وأقدركم على العطاء. ويحك إذا كان السائل هدية الله عزَّ وجلَّ، وأنت قادر على إعطائه، فكيف تردّ الهدية على مُهديها. عندي تستمع وتبكي، وإذا جاء الفقير يقسو قلبك، فدلّ على أنّ بكاءك وسماعك ما كان خالصاً لله عزَّ وجلَّ.

السماع عندي أوّلاً بالسرّ ثم بالقلب ثم بالجوارح في الخير. إذا دخلتَ عليّ فادخلْ وقد عزلتَ علمك وعملك ولسانك ونسبك وحسبك مع نسيان مالك وأهلك. قِف بين يديّ عريان القلب عمّا سوى الحق عزَّ وجلَّ، حتى يكسوه بقربه وفضله ومنته، إذا فعلت هذا عند دخولك عليّ، صرتَ كالطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً. نور القلب من نور الحق عزَّ وجلَّ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عزَّ وجلَّ). أيها الفاسق اتقِ المؤمن ولا تدخل عليه وأنت ملوّث بنجاسة معاصيك، فإنه يرى بنور الله عزَّ وجلَّ ما أنت فيه، يرى شركك ونفاقك، يرى عملتك مخبأة تحت ثيابك، يرى فضائحك وهتائكك. من لا يرى مفلحاً لا يفلح. أنت هوس ومخالطتك لأهل الهوس. سأل سائل: هذا العمى إلى متى ؟؟ فقال: إلى أن تقع بالطبيب وتتوسّد بعتبته، وتحسن ظنك فيه، وتزيل من قلبك التهمة له، وتأخذ أولادك وتقعد على بابه وتصبر على مرارة دوائه، فحينئذ يزول العمى من عينك. ذلّ لله عزَّ وجلَّ وأنزل حوائجك به ولا تعدّ لنفسك عملاً !! ألقه على قدم الإفلاس، أغلق أبواب الخلق وافتح الباب بينك وبينه، واعترف بذنوبك واعتذر إليه من تقصيرك، وتيقن أن لا ضارّ ولا نافع ولا مانع إلا هو، فحينئذ يزول عمى عين قلبك ويحرك البصر والبصيرة.

يا غلام ليس الشأن في خشونة ثيابك ومأكولك. الشأن في زهد قلبك. أول ما يلبس الصادق في لبسه الصوف على باطنه، ثم يتعدّى إلى ظاهره، فيلبس سره ثم قلبه ثم نفسه ثم جوارحه، حتى إذا صار كله متخشناً جاءت يد الرأفة والرحمة والمنة غيرت عليه تغيراً على هذا المصاب، يخلع عنه ثياب السواد وينقله إلى ثياب الفرح، تبدل النقمة إلى نعمة، والبغضة إلى الفرحة، والخوف إلى الأمن، والبعد إلى القرب، والفقر إلى الغنى.

يا غلام تناول الأقسام بيد الزهد لا بيد الرغبة. ليس من يأكل ويبكي كمن يأكل ويضحك. كل الأقسام وقلبك مع الحق عزَّ وجلَّ، فإنك تسلم من شرها. إذا أكلت من يد الطبيب كان خيراً من أن تأكل وحدك ما لا تعلم أصله. ما أقسى قلوبكم. الأمانة قد ذهبت من بينكم. الرحمة قد ذهبت فيما بينكم. أحكام الشرع أمانة عندكم، وقد تركتموها وخنتم فيها. ويحك إنْ لم تلزم الأمانة وإلا عن قريب ينزل الماء إلى عينك، والسلك في يديك ورجليك، ويغلق الحق عزَّ وجلَّ باب رحمته عنك، ويلقي في قلوب خلقه القساوة عليك، ويمنعهم عن غطائك. احفظوا رؤوسكم مع ربكم عزَّ وجلَّ احذروا منه، فإنّ أخذه أليم شديد. يأخذكم من مأمنكم، من عافيتكم، من أشركم من بطركم. خافوا منه فهو إله السماء، وإله الأرض، احفظوا نعمه بالشكر، قابلوا أمره ونهيه بالسمع والطاعة، قابلوا العسر بالصبر واليسر بالشكر. هكذا كان من تقدّمكم من النبيين والمرسلين والصالحين يشكرون على النعم، ويصبرون على النقم. قوموا من موائد معاصيه، وكلوا من موائد طاعته، واحفظوا حدوده. إذا جاءكم اليسر فاشكروه، وإذا جاءكم العسر فتوبوا من ذنوبكم وناقشوا أنفسكم، فإن الحق عزَّ وجلَّ (( ليْسَ بظلاّمٍ لِلعَبيدِ )). اذكروا الموت وما وراءه، واذكروا الربّ عزَّ وجلَّ وحسابه ونظراته إليكم. تنبهوا إلى متى هذا النوم، إلى متى هذا الجهل والتردّد في الباطل والقيام مع النفس والهوى والعادة، لِمَ لمْ تتأدّبوا بعبادة الحق عزَّ وجلَّ ومتابعة شرعه ؟؟ العبادة ترك العادة. لِمَ لمْ تتأدّبوا بآداب القرآن وكلام النبوّة ؟

يا غلام لا تخالط الناس مع العمى، مع الجهل، مع الغفلة والنوم. خالطهم بالبصيرة والعلم واليقظة، فإذا رأيت منهم ما تحمده فاتبعه، وإذا رأيت منهم ما يسوءك فاجتنبه، وردّهم عنه. أنتم في غفلة كلية عن الحق سبحانه وتعالى. عليكم باليقظة له، عليكم بلزوم المساجد وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه قال: ” لو نزل من السماء نار لما نجا منها إلا أهل المساجد “. إذا توانيتم في الصلاة انقطعت صلاتكم بالحق عزَّ وجلَّ. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً ). ويحك كم تتأوّل وتترخص. المتأول غادر. ليتنا إذا ركبنا العزيمة وتعلقنا بالإجماع، وأخلصنا في أعمالنا تخلصنا من الحق عزَّ وجلَّ، فكيف إذا تأولنا وترخصنا العزيمة !! ذهبت وذهب أهلها، هذا زمان الرخص لا زمان العزائم. هذا زمان الرياء والنفاق وأخذ الأموال بغير حق. قد كثر من يصلي ويصوم ويحجّ ويزكي، ويفعل أفعال الخير للخلق لا للخالق. فقد صار معظم هذا العالم خلقاً في خلق بلا خالق. كلكم موتى القلوب، أحياء النفوس والأهوية، طالبون الدنيا. حياة القلب بالخروج من الخلق والقيام مع الحق عزَّ وجلَّ من حيث المعنى، لأن الصورة لا اعتبار بها في هذا المقام. حياة القلب بامتثال أمر الحق عزَّ وجلَّ، والانتهاء عن نهيه، والصبر معه على بلاياه وأقضيته وأقداره.

يا غلام سلم إليه في مقدوره، ثم قم معه بعد ذلك. الأمر يحتاج إلى أساس ثم بناء، وداوم على ذلك في كل الأوقات، في ليلك ونهارك. ويحك، تفكر في أمرك. التفكر من أمر القلب، فإذا رأيت لك حسنة فاشكر الله تعالى. وإذا رأيت لك سيئة فتب منها. بهذا التفكر يحيا دينك ويموت شيطانك. ولهذا قيل تفكر ساعة خير من قيام ليلة.

يا أمة محمد اشكروا الله عزَّ وجلَّ، فإنه قد قنع منكم بالقليل من العمل بالإضافة إلى عمل من تقدمكم. أنتم الآخرون وأنتم الأولون يوم القيامة. من كان منكم صحيحاً فلا صحيح مثله. أنتم الأمراء، وغيركم من الأمم الرعية. ما دمت قاعداً في بيت نفسك وهواك وطبعك لا تصح. ما دمت منازعاً للخلق فيما في أيديهم، مستجلباً له بريائك ونفاقك لا صحة لك. ما دمت راغباً في الدنيا فلا صحة لك. ما دمت واثقاً بقلبك مع ما سوى الحق عزَّ وجلَّ فلا صحة لك. اللهم ارزقنا الصحة معك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.