بسم الله الرحمن الرحيم. (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون). سبحان الذي تعطَّف بالعز وقال به. سبحان الذي لَبِس المجد وتكرم به. سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له. سبحان ذي الفضل والنعم. سبحان ذي المجد والكرم. سبحان ذي الجلال والإكرام.

أخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر. وإن من الناس مفاتيحَ للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه. وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه”. الحديث ضعَّف سنده الحافظ الهيثمي، ومعناه صحيح لا سيما في موضوع الصحبة. وأئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يستشهد به في فضائل الأعمال.

شاهِدُنا في الحديث أن الشيخ عبد القادر الذي لم يختلف عليه علماء الأمة من كل المذاهب والفنون والعصور وأجمع الكل على ولايته كان كغيره من أئمة الهدى مفتاحا للخير. وقد نقلنا كثيرا من كلامه الفريد في أسلوبه، وننقل هنا نبذة من بيانه لمبادئ السلوك يُعطي فيها الأهمية القصوى للصحبة، كما يعطيها الكمَّلُ الناصحون من الأولياء. وسبحان الله كيف أخذ المحدثون الحنابلة عن الإمام عبد القادر كل شيء إلا مسألة الصحبة التي لا يكادون يعيرونها اهتماما، ففاتهم الاستفتاح بالصحبة الشخصية، وفاتهم بفواتها البداية الصحيحة.

يتحدث الشيخ عبد القادر عن اليقظة القلبية التي هي الخطوة الأولى نحو الطريق، أي نحو الشيخ المربي، فيقول: “الذي يجب على المبتدئ في هذه الطريقة الاعتقاد الصحيح الذي هو الأساس. فيكون على عقيدة السلف الصالح، أهل السنة القديمة سنَّة النبيئين والمرسلين والصحابة والتابعين والأولياء والصديقين.

قال: “فعليه بالتمسك بالكتاب والسنة والعمل بهما أمرا ونهيا، أصلا وفرعا. فيجعلهما جناحَيْه يطير بهما في الطريق الواصل إلى الله عز وجل. ثم الصدقُ، ثم الاجتهاد، حتى يجد الهداية إليه والدليل، وقائدا يقوده، ثم مؤنسا يؤنسه، ومُستَراحا (يقول الغزالي: معتصَما) يستريح إليه في حالة إعيائه ونَصبه وظُلْمته عند ثوران شهواته ولذاته، وهَنَاتِ نفسه، وهواه المُضل، وطبعه المجبول على التَثَبُّط والتوقُّف عن السير في الطريق”. [1]

قلت: بعد صدق العقيدة، والطريقُ إلى الله لا يدخلها إلا من كمل صدقُه، وصدقِ الاتِّباع، وصدقِ الطاعة لله ورسوله، وصدقِ الاجتهاد وهو صدق الطلب، يتعين على السالك أن يجد “دليلا” يكون في نفس الوقت قائدا ومؤنسا وملجأ يثق به السائر ويستريح إلى هديه ونصيحته وتوجيهه ليحميه من غوائل نفسه وميولها، ويعالج هَناتِها، ويقوِّم اعوجاجها مع الهوى، ويجدِّد إرادة السالك إن فَتَرَتْ، ويرفعَ همَّته إن خَمدت. نجد عند الشيخ عبد القادر نفس الاهتمام بتعريف النفس وتطبيب القلب والخفارة من أهوال الطريق، وهي الوظائف التي قرأناها عند حجة الإسلام.

ثم يبين الإمام عبد القادر أهمية صدق الطلب والصبر الطويل في الطريق، وذلك مما يؤكد أهمية الصحبة والرفقة والخفارة. قال رحمه الله: “ثم يجب عليه أن يُخْلِص مع الله عز وجل عهدا بأن لا يرفع قدما في طريقه إليه ولا يضعها إلا بالله ما لم يصل إلى الله. فلا ينصرفُ عن قصده بمَلامَة مُلِيمٍ لأن الصادقَ لا يرجع، ولا بوجود كرامة، فلا يقفُ معها ويرضى بها عن الله عزوجل عوضا”. [2]

قلت: هذا الإخلاصُ في السير يُحَرِّرُه بعض المشايخ بالعهد والبيعة يأخذانهما على المريد ويُقيِّدانه بهما. وبعض المشايخ لا يفعلون ذلك لئلا يُصبح العهد المأخوذ على ضعفاء الإرادة، يعاهدون اليوم وينْقُضون غدا، هُزُؤا ولَعِبا. ومسألة أخذ العهد تعطيها بعضُ المدارس الصوفية صِبغةً احتفالية لها طقوسها. تجد هذا غالبا عند شيوخ التبرك الذين لم يبق لديهم من السلوك إلا الذكريات والشكليات. أما المشايخ المربون فحالهم تنهض بالصاحب الصادق، قلوبهم مغناطيس جلاب جذاب.

على أن المشايخ مجمعون على ضرورة فطام المريد عن رفقة السوء، وهي عدوَّة الصحبة في الله الأولى. قال الإمام عبد القادر: “ولا يُخالط (المريد) المقصِّرين والبَطَّالين أبناء قيلَ وقال، أعداءَ التكاليف، المدعين للإسلام والإيمان”. [3]

وقلت: ومن المقصرين والبطالين الذين ترجع صحبتهم بالتثبيط والإفشال المتكلمون بغير علم ولا تثبُّت في الولاية، المشككون في طريقها. وإنَّ سُمَّ التشكيك، يمتصه طالب الطريق قبل أن تتمكن قدماه على الجادة، أفتك من كل آفة تتربص بالمريد في بدايته.

لهذا لم يأْلُ المشايخ العظام نُصحاً بالثبات مع الشيخ المربي إن عثر عليه، وهو البُغيَة النادرة العزيزة. قال الإمام عبد القادر: “فالواجب عليه تركُ مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن. فصاحبُ العصيان بظاهره تارك لأدبه، وصاحب الاعتراض بباطنه متعرض لعطبه.

قال: “بل يكون خصما على نفسه لشيخه أبدا. يكف نفسه ويزجُرُها عن مخالفته ظاهرا وباطنا، ويكثر قراءة قول الله عز وجل: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم).(سورة الحشر، الآية: 10)

وزيادة في التثبت والتريُّث يوصي الإمام المريدَ بالتحري قبل أن يتَّهم شيخه. قال: “وإذا ظهر له من الشيخ ما يُكرَه في الشرع، استخبر عن ذلك بضرب المثل والإشارة، ولا يصرح به لئلا يَنْفِرَ به عليه. وإن رأَى فيه عيباً ستره عليه، ويعود بالتهمة على نفسه، ويتأول للشيخ في الشرع. فإن لم يجدْ له عذرا في الشرع استغفر للشيخ ودعا له بالتوفيق والعلم والتيقظ والعصمة والحمية”. [4]

قلت: إن صحبة الناقص الدخيل في الطريق المتطفِّلِ المحتَرف وَبَالٌ من أصلها. لكنَّ السَّالكَ لا يميز بين الكامل والناقص، وقد تبهَره من الناقص كرامة أو كشف فيتخذه قدوة، ويتجنب الكاملَ الصامت. لهذا يوصي المشايخ العظام بالصبر مع المصحوب المتبوع ولو ظهرت فيه عيوب، فلا يغتَّر المريد بناموس من يظهر الكمالَ تَصَنُّعا، ولا يتعلق بمثاليةٍ تصوِّر له الوليَّ على صورة ملك كريم. فإن “قبة البشرية” مضروبة على الولي الكامل كما هي مضروبة على غيره، ولا تنبغي العصمة إلا للنبيئين والمرسلين.

قال الإمام: “ولا يعتقدُ فيه العصمة. ولا يخبر أحدا به”. [5]

وشرح رحمه الله كيف يترقَّى الأولياء من درجة لدرجة، ومن حال إلى حال، ومن ولاية إلى ولاية. فَرُبَّ عيب اطلع عليه المريد من شيْخه أمسِ لم يكن إلا عن غفلة أو حدَثٍ أو ترَخُّصٍ شرعي ترقّى عنها الشيخ اليوم.

ومن وصايا الإمام للمريد بالصبر على بشرية الشيخ وخشونته قوله: “وإذا غضب الشيخ وعبس في وجهه أو ظهر منه نوع إعراض عنه لم ينقطع عنه، بل يُفتِّش باطنَه وما جرى منه من سوء أدب في حق الشيخ، أو التفريط فيما يعود إلى أمر الله عز وجل من ترك امتثال الأمر وارتكاب النهي. فليستغفر ربه عز وجل، وليتُبْ إليه، وليعزمْ على ترك المعاودة إليه. ثم يعتذِرُ إلى الشيخ ويتذَلَّلُ له ويتملَّقُه ويتحبَّب إليه بترك المخالفة في المستقبل، ويداوم على الموافقة له، ويواظب عليها”. [6]

وبعد هذا يأتي الإمام عبد القادر بكلام لا يستسيغه عقلُ من لا يفهم مقاصد القوم. ويرفضه، خاصةً من كان شبَحُ الكفر والشرك هاجسَ يقظته ومنامه، يتصورهما في كل من خالف رأيه.

قال رحمه الله: “فيجعله وسيلةً وواسطة بينه وبين ربه عز وجل، وطريقا وسببا يتوصل به إليه.كمن يريد الدخول على ملك ولا معرفة له به، فإنه لا بد أن يصادق حاجبا من حجابه، أو واحدا من حواشيه وخواصه، ليبصِّره بسياسة الملك ودَأبه وعادته، ويتعلم الأدب بين يديه والمخاطبة له، وما يصلُح له من الهدايا والطرائف مما ليس مثلُها في خزانته. ومما يُؤْثِرُ الاستكثار منه”. [7]

قلت: هذا ضرب مثل، ولله المثل الأعلى، لأصحاب الحس الكثيف والعقل السخيف ليتعلموا أن المقصود ليس اتخاذ الشيخ صنما كما يعبد المشركون أصنامهم ليقربوهم إلى الله زلفى في زعمهم الضال. لكن المقصود التأدُّب بأدب الشيخ مع الله عز وجل، والاقتداء به في آداب القلب كما نقتدي بالإمام في حركات الصلاة. وما قال أحد إن إمام الصلاة، وهو واسطة وضعها الشرع، صنمٌ حائل بيننا وبين القبلة. الشيخ قِبلة قلبية، ولا حاجة بنا إلى مثال حسيٍّ، ولا نجيد ضرب الأمثال كما يجيد الإمام رحمه الله.

قال: “فليات البيت من بابه. ولا يتَسَلَّقْ من ورائه من غير بابه، فيلامَ ويُهانَ، ولا يبلغَ الغرض من الملك ولا المقصود منه. ولكل داخل دهشةٌ لا بد من تذكُّر ومِنَّةٍ، ومن يأخذ بيده فيقعده موضع مِثْلِه، أو يشيرُ إليه بذلك لئلا تتطرق إليه المهانة، ولا يشار إليه بسوء الأدب والحماقة”. [8]

قال مطيع لربه عز وجل، نذر عمْرَه للقرب منه:

إذا كنت أعـلم علما يقينـا *** بأن جميع حياتي كساعَـهْ

فلِمْ لا أكون ضنينـا بهـا *** وأجعلها في صلاح وطاعه؟

وقال حكيم يعظ طويل اللسان قاصر الجنان:

يا خاطـرا بالقبـور منطلـق *** لسانه، قف وقـوف مُعْتَبـر

وسـلْ عن أحبابك الذين ثَوَوْا *** فيها تجاوبـك ألسـن العبـر

ألـم تكـن تُرْبـةٌ تُبَاشرهـا *** نعلاك معدودة مـن البشـر؟

بالأمس كنـا علـى مناكبهـا *** نرفل بيـن المُـلاَءِ والحِبَـر

واليوم صـرنا ببطنها رممـا *** ندرس بين الصفيـح والعَفَـر

أفٍّ لدنيـا مَـآلُ صحتـهـا *** وصفـوهـا للسَّقـام والكـدر

أُخَـيَّ لا تغتَـرِرْ بزهرتهـا *** إن كمونَ الحيّات في الزهـر

فالخطب فوق الذي سمعت به *** وفوقه فلتكـن علـى حـذر

عند ورود الحمام ينكشف الـ *** ـغِطاء، ليس العيان كالخبر

وقلت:

يا عابِـراً بِديـار العُمـر تَقطَعهـا *** تَعـدُو وتلهـجُ باللَّـذاتِ والصُّـورِ

هَلاَّ اعتبرتَ برحلاَتٍ لمـن سَبقـوا *** أودَتْ بحشدٍ غَفيرٍ في هُوى الحُفـرِ

هــلاَّ جعلت خطى الطاعات منهجة *** إلى رِضى اللّه، يا مَغرورُ، في السَّفرِ!

الهوامش:

[1] الغنية ج 2 ص 163.

[2] الغنية ج 2 ص 163.

[3] المصدر السابق نفس الصفحة.

[4] الغنية ج 2 ص 164.

[5] المصدر السابق ص 163.

[6] الغنية ج 2 ص 163.

[7] المصدر السابق نفس الصفحة.

[8] المصدر السابق نفس الصفحة.