تعقيب على السيد محمد حفيظ

ذ. مبارك الموساوي

1- تمهيد:

نشرت جريدة الصحيفة الأسبوعية في عددها 219-13-19 / يوليوز 2005 مقالا تحت عنوان “ارتباك الدولة وعزلة العدل والإحسان”، لصاحبه السيد المحترم محمد حفيظ رئيس تحرير الصحيفة نفسها. حاول من خلاله أن يبرز أن ملف متابعة السيدة ندية ياسين أبان عن حقيقتين: الأولى ارتباك الدولة في صياغة ملف المتابعة وتغطيته، والثانية أنه لم يؤيد أحد من الفاعلين السياسيين، وغيرهم، موقف السيدة ندية، وهو ما يؤكد، في نظر السيد حفيظ، عزلة العدل والإحسان السياسية، وأن ردود الفعل الحاصلة في المجتمع السياسي المغربي، ما هي إلا دليلا على ذلك، حيث تعالت أصوات التنديد بالتصريح موضوع المتابعة، وفي أحسن الأحوال كان الصمت حتى عند من كان يصرح في الستينات والسبعينات والثمانينات بنفس موقف السيدة ندية.

لكن تبين، من خلال المقال المذكور، أن السيد حفيظ لم يقف على العوامل الأساسية في كون موقف صادر عن ناشطة مغربية تنتمي لأكبر قوة سياسية ومجتمعية في المغرب تعاملت معه الطبقة السياسية بعنف رمزي لا يقل درجة عن عنف الدولة المادي، وبردة فعل توحي كأن شيئا مصيريا مشتركا بين المغاربة أصبح مهددا. وهو ما يدعو ضرورة إلى توضيح يتجه أساسا لبيان حقيقة ما يعتبره السيد حفيظ، وغيره، عزلة سياسية تعاني منها العدل والإحسان، وفي نفس الوقت يتجاهل، أي التوضيح، الشق الأول المتعلق بارتباك الدولة، لأن السؤال الكبير: هل فعلا عندنا دولة تحكمنا كما هو الشأن عند الأمم التي تعتنق النظام الديموقراطي كخيار لتدبير واقع الاختلاف والخلاف والتنوع السياسي والمجتمعي، أم أن الأمر يتعلق بمجموعة من الناس تهيمن على الحكم ودوالبه أخضعت المجتمع ونخبه تماما حتى أصبح الكثير منها جزء من بنية النظام، فصار مستقبله مرهونا به وجودا أو عدما، ومن ثم فهو يدافع، هذا الجزء، لا عن الدولة/النظام بل عن مصيره هو وبقائه هو.

2- معنى “عزلة” العدل والإحسان

يعتقد الكثير بأن جماعة العدل والإحسان تعاني من عزلة سياسية، سواء من جهة علاقتها بالدولة/النظام أو من جهة علاقتها بالنخب السياسية والفكرية في المغرب. فهذا الواقع الذي يمس أكبر قوة سياسية، باعتراف السيد حفيظ نفسه في مقاله المذكور، يدعو إلى ضرورة تعميق النظر، إذ كيف نفسر أن أكبر قوة سياسية تعاني من العزلة؟ أم أن ما يراه الغير عزلة هو في الحقيقة دلالة على معنى آخر للسلوك السياسي الذي تنهجه الجماعة وتؤسس له باعتبار المشروع الذي تدعو إليه وجوانب الجدة فيه، وباعتبار النظر المستقبلي من خلال ذلك المشروع ومن خلال تراكمات النخب السائدة فكريا وسياسيا في الواقع العام المغربي وما جناه المغاربة من طريقة اشتغالهم وتحرير قضاياهم؟

فالمرحلة تقضي ضرورة استيعاب منطلقات التفكير والفعل السياسي والمجتمعي لدى جماعة العدل والإحسان. ويشكل هذا الاستيعاب بابا مهما لفهم مواقف وسلوكات الجماعة وأعضائها في كل الميادين، خاصة وأنها أكبر قوة سياسية لا شك أن لها تأثيرها في صناعة الأحداث ومسارات المجتمع المغربي. ومعنى هذا أن أي تعامل غير موضوعي وغير علمي مع هذه القوة الصاعدة والممتدة في المستقبل سيؤثر سلبا على توازن الواقع السياسي والفعل المجتمعي لأنه يؤسس لفهم غير صحيح، ومن ثم لعلاقة غير سليمة، وهو ما يتجلى حتما في طريقة إدارة الملفات السياسية والاجتماعية بين قوى المجتمع المغربي.

فالجماعة تدرك تماما أن نخبا تتلمذت على واقع ماض هيمنت فيه مفاهيم وأدبيات حتى صارت مقدسة عند أصحابها وأنها المدخل والملاذ للمجتمع المغربي، في اعتقاد هذه النخب، تدرك أنه ستكون صعوبة شديدة في استيعاب مفاهيمها وأدبياتها، خاصة وأن مشروع العدل والإحسان يشكل قطيعة تامة مع هذا الماضي القريب من حيث هو طارئ على التاريخ المغربي وليس أصيلا ولم يتحول بعد إلى أصل في حركة المجتمع المغربي. ومعنى هذا أن العاقدة الحوارية التواصلية شبه منعدمة مع هذه النخب.

لكن المصلحة والضرورة لا تتجسدان في إرضاء هذه النخب أو في جلب رضا الاستبداد ليعترف بوجود العدل والإحسان، بل المصلحة والضرورة تكمنان في عرض المشروع الذي يشكل خلاص المجتمع من قبضة الاستبداد والتبعية والتخلف والفقر والإقصاء والتهميش، أي المشروع الذي يحرر الأمة تحريرا كاملا على قواعد التدرج والحكمة والرفق، لكن على وضوح في المفاهيم والمراحل والمستقبل حتى لا يحصل السقوط في فخ الذوبان مع المعطى الواقعي السياسي والاجتماعي كما عاشته النخب التي تتخبط اليوم في إشكالات مردها إلى واقع الغموض، في مجملها، تجاه كثير من القضايا، ومنها موقع الإسلام في حركة المجتمع المغربي. أقصد بالإسلام إسلام الأمة الذي جعل منها خير أمة أخرجت للناس، لا الإسلام الذي صنعه الاستبداد التاريخي حول نفسه ولا الإسلام الذي تريده أمريكا والصهيونية للمسلمين. إنه مشروع يخاطب ويحاور المستقبل وأجياله.

وهنا يبرز أكبر مثال على صعوبة صناعة أرضية الحوار والتواصل مع النخب السائدة.

لنقف على ما قاله السيد حفيظ و كرره غيره آلاف المرات، وقد عرضه الكاتب ناسبا إياه إلى متحدث له لم يكشف عن نفسه: “فالقوة البشرية التي تحرص الجماعة على استعراضها في العديد من المناسبات لا تعبر عن امتداد فكري داخل المجتمع، ويرجع هذا الوضع ، إلى اتباعها أسلوبا منغلقا إزاء باقي الهيئات والتنظيمات. فهي حتى عندما تدعو إلى الحوار ترفع شعار الميثاق الإسلامي، مما يعني أنها دعوة إلى “اللاحوار””. هذا ما نقله السيد حفيظ عن محدثه.

جوهر الإشكال: أن الجماعة تدعو إلى الحوار على أرضية الإسلام، وأن النخبة لم تستوعب هذا المنطلق فتصدر الحكم الذي جاء به السيد حفيظ عن محدثه. وقد يستوعبه البعض لكنه يصر، مع ممارسة شيء من الغموض، على أن أرضية الإسلام ليست هي منطلق الحوار.

وإذن لا بد من تحديد أرضية أخرى للحوار ليكون حوارا فعلا في نظر النخبة الفكرية والسياسية.

إن ادعاء أن هذا الانغلاق لم يسمح للجماعة بالامتداد الفكري داخل المجتمع مغالطة فاضحة، إذ لا يستقيم أن نقول إن لهذه الجماعة قوة جماهيرية في الداخل والخارج من المغاربة، وندعي، في نفس الوقت، أن ليس لها امتدادا فكريا داخل المجتمع.

فهل هذه الآلاف المؤلفة من أعضاء الجماعة ليسوا مغاربة. فهم ناس سقطوا من السماء، أم ماذا؟ وهؤلاء الأطر من أبناء الجماعية الذين أسمعوا أصواتهم رغم الحصار ليسوا أصحاب فكر عميق بعد أن شهد لهم الجميع أنهم أصحاب تربية عميقة وأخلاق عالية؟ ما المعيار إذن في أن الجماعة ليس لها امتداد فكري داخل المجتمع؟ فلتفتح المنابر في وجههم على قاعدة تكافؤ الفرص وليسمع العالم ما عندهم من عمق فكري منسجم تماما مع عمقهم التربوي الأخلاقي& وقد سمع العالم الحر وتضامن مع السيدة ندية، وصمت النخبة آذانها فنددت مدافعة عن الاستبداد من حيث تشعر أولا تشعر.

ثم إن الإسلام، وهذا هو الأهم، هو اختيار الشعب المغربي الحر في مرحلة من مراحل تحوله التاريخي، والدليل على ذلك أنه لما اختاره دافع عنه ونشره في بقاع الدنيا. ولا تنشر الشعوب وتدافع عما لم تختره بالحرية. وهو اختيار مستمر إلى الآن، لأن النخبة والدولة/النظام لم يستطيعا أن يقنعا الشعب المغربي بغير ذلك، كما لم يستطع الاستبداد أن يزيح تطلعات الحرية لدى الشعب المغربي.

وعليه، فمن المغالطة، في حق هذا الشعب، أن لا نبحث في صناعة مستقبله على قاعدة اختياره. لماذا نقصي الشعب ونريد أن نصنع مستقبله من وراء ظهره؟ أليس ذلك مناف لقيم الديموقراطية، بل قد يكون ذلك خيانة تاريخية إذا كانت أرضية الحوار تتعارض مع اختياره الحر الأصلي؟

فإذا رفضنا أن تكون أرضية الحوار أرضية الإسلام من أجل صناعة ميثاق إسلامي المبنى والمعنى، فعلى أية أرضية نبني مستقبلنا العريض؟

وبهذا نكون أمام اختيارين: أن نجعل الشعب وحركته الواعية صلب الفعل السياسي والمجتمعي، وأن نعمل جميعا على صناعة هذا الواقع، أو نبحث عن توافقات كواليسية سياسية واجتماعية ترهن مصائرنا بإرادة أشخاص ربما لم نخترهم؛ لأننا لم نختر رجال الدولة/النظام، وفي نفس الوقت إن انتخاباتنا مزورة بشهادة الجميع، التي من ضحاياها السيد حفيظ وأمثاله من الفضلاء.

فالإلحاح على أرضية إسلامية من أجل ميثاق إسلامي مسألة مصيرية تتعلق بالحرية في الاختيار.

فمن البلادة السياسية أن أفرض اختيارا غير نابع من واقع التحول التاريخي الذي حدد اختيار الشعب المصيري، إلا أن أكون داعيا إلا تحول تاريخي جديد يقطع مع أصل الماضي ويبني مستقبلا على قواعد جديدة، وهذا ما فشلت النخبة في تحقيقه وعجزت الدولة/النظام عن طمس حقائقه فشله الناصعة.

ولا يعني هذا أننا نبني تواصلنا على منطق شعبوي، لا، بل على واقع تاريخي حقيقي يطلب منا استحضاره لبناء حركة الأمة على أصول واضحة وأهداف معلومة ومضامين مدركة لدى الجميع. فليس الأمر خطابا نخبويا إديولوجيا ولا الأمر خطابا شعبويا لا يعلم قبيله من دبيره، وإنما هي لحظة وعي شامل تبني حركة تاريخية مستقبلية هي رائدة الفعل المستقبلي من دون وصاية من أحد ولا احتكار من أية جهة.

3- عوامل دخول الخطاب السياسي في المغرب نفق ظلمة الاستبداد

يكاد يجمع الخطاب السياسي، سواء الأكاديمي أو النضالي الاحترافي، على أن أهون الشرين وأخف الضررين في مستقبل المغرب هو الحفاظ على طبيعة النظام السياسي السائد في البلاد، لأن البديل عن ذلك فوضى وصراع قبلي: أي فتنة، والفتنة أشد من القتل. ومن ثمة فكل مشروع إصلاحي ينبغي بالضرورة العقلية والشرعية، بناء على منطق هذا التحليل، أن يكون ضمن سقف النظام السائد. وهذه نتيجة تحليلية لا تخفى على أحد، حتى أصبحت اليوم أصلا من أصول التفكير السياسي والاجتماعي في المغرب لدى كثير من المناضلين والأكاديميين والعاملين في الحقل الإسلامي.

ولا شك أن من وراء هذا التحليل ونتائجه عوامل، أهما:

– العامل التاريخي، إذ أن جعل موضوع الصراع الهيمنة على السلطة لا العمل على رفاهية المجتمع وتقدمه وازدهاره وتنميته خلف كوارث بشرية وطبيعية واقتصادية فظيعة. فيكون من العبث تكرار نفس الواقع في زمن يفترض أن يستفيد أهله من تجارب الماضي. وما يؤيد هذا، عند أصحاب هذا التحليل، هو الواقع المعيش في كثير من البلاد العربية والإسلامية بسبب سعي الحركات السياسية إلى السيطرة على الحكم.

– عامل فقهي تبريري: أن كثيرا من العلماء أفتوا عبر تاريخ المسلمين بإمامة المستولي بالسيف إذا كان الخروج عنه فتنة وذهابا للأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي.

– عامل إقصاء الشعوب وإراداتها في صياغة حركاتها التاريخية ومواقفها العملية في كل مرحلة. وهو ما أفضى إلى تكريس منطق حسم الاختيارات في غيابها، إذ غيابها أصبح معطى ثابتا في صناعة الفكرة واقتراح المشروع حتى وإن ترددت عبارات “الشعب” و”الجماهير الشعبية” و”الأمة” في الخطاب.

– عامل إقصاء الإسلام كتصور كلي وشامل من معادلة اقتراح المشاريع التغييرية والإصلاحية. وهناك فرق شاسع بين استحضار الإسلام كقضية محورية في بناء الفعل والحركة والنفس والفكرة، واستحضار الفكرة الإسلامية في هذا الميدان أو ذاك منفردة ومجردة عن جوهر قضية الإسلام كاملة، والتي تعالج أدق تفاصيل الحياة على قاعدة النظر لما بعدها.

وإقصاء عامل الإسلام في بناء المجتمع لا يفضي إلا إلى استحضار المعطى القبلي، وهو خطر يتهددنا في كل حين، خاصة لما لم يصبح البيت بيتنا خالصا. فكم من بني جلدتنا ألذ أعداء الأمة وأشرس خصومها، كما أن مخابرات كثير من البلاد الإسلامية هي بنت بارة للمخابرات الغربية والصهيونية، وقد تكون لها سيطرة على مجال من مجالاتنا الحيوية، إما بالمال أو السلطان أو هذه مجتمعة.

والواقع أن المراهنة على هذه العوامل وغيرها لا يمكن إلا أن تفضي إلى تلك النتيجة السالفة الذكر، وهي: أن أهون الشرين وأخف الضررين: الحفاظ على طبيعة النظام القائم مصلحة عامة وضرورة مصيرية.

كما أنه أفضى بعامل الزمن والتربية والتكوين والتعليم، وحتى الترويض، إلى نتيجة أخرى؛ وهي ارتباط المصيرين ارتباطا غير منفك البتة؛ مصير صاحب التحليل، كان شخصا أو منظمة، بمصير النظام السياسي.

وعليه، فلا نستغرب أن يقوم سياسيون وإسلاميون ومفكرون وباحثون وأكاديميون ينددون بتصريحات السيدة ندية، لأن في الحقيقة دفاعهم عن الدولة/النظام ما هو إلا دفاع عن أنفسهم ومصائرهم التي أصبحت مرهونة، بعامل التحليل ونتائجه ومنطلقات التفكير وتبعاتها، بمصير هذا النظام السياسي.

ثم إن التركيز على هذه العوامل مردود من أوجه عدة.

فمن العبث أن نسقط انحرافات تاريخية على واقعنا المعاصر، لأن جميع النماذج التي مرت على تاريخ المسلمين منذ ذهاب الخلافة الراشدة لا يمكن اعتبارها نموذجا في الحكم ولا قريبة من النموذج الأصلي، وهو نموذج الحرية والعدل الذي جسده الخلفاء الراشدون، وينبغي أن يكون موضوع بحث موضوعي وعلمي. ومعنى هذا أن جعل التدافع على السلطة ضمن مشروع تغييري إصلاحي شامل لا يعني أنه على الصورة المركزة في أذهاننا وثقافتنا؛ أن المسألة تتعلق بأشخاص يتصارعون على الحكم، بل هو حق للأمة مغتصب يصبح طلبه واجبا عينيا في حق الفرد وواجبا كفائيا في حق الأمة، لأنه أصبح من أصول وجودها الكامل.

ثم إن فتوى إمامة المستولي بالسيف لها ظروفها التاريخية وحيثياتها العلمية، وهي غير ملزمة، لأن الظروف قد تغيرت، لكن المطلوب اليوم ليس رفع شعار الخروج عن الحكام كما يريد أن يصور الكثير إما جهلا وإما عن سوء فهم، أو كما يعتقده بعض الشباب الإسلامي، بل الأمر يتعلق بعرض مشروع مجتمعي متكامل أصيل مبني على الرفق والحكمة والجدال بالتي هي أحسن ليعرف كل موقعه وموقفه ويكون مسؤولا عنه على وضوح وبينة، فيكون اختياره على حرية ويعمل له على مسؤولية. وهذا المشروع يجب أن يكون مستوعبا لمطالب المرحلة سواء في بعدها الانتقالي أو في بعدها الاستراتيجي المصيري، ومنه أن لا بد من ممارسة وضوح كبير في المفاهيم حتى لا تُصنع أجيال على قواعد من الغموض هي أول من يؤدي ثمنه والأجيال التي تليها. فما نحن إلا ضحايا فترات عمها الغموض في قضايا مصيرية، بالإضافة إلى عامل التسلط الخارجي الذي ما كان ليكون لولا العامل الداخلي.

أما مسألة إقصاء الإسلام والأمة من معادلة التدافع في بناء المستقبل فهو أخطر عامل يرهن إرادة الأجيال ومستقبلها بإرادة غيرهم ممن سبقهم، وذلك لأن حدة العامل القبلي في المغرب ليست على الدرجة التي يصورها كثير من الباحثين والسياسيين حتى نجعل ضمن تصورنا تقابلا ثنائيا مؤبدا: إما دوام النظام السياسي القائم أو الصراع القبلي. ومهما كانت تلك الدرجة فلن تصل درجة الأوس والخزرج، وهما قبيلتان شهد الجميع على أن الإسلام لمّا هيمن من حيث هو تصور عملي كلي أعاد صياغة الشخصية جملة وتفصيلا، ومن ثم حركة المجتمع ومضمونها فألف بين القبيلتين على أبدع صور التأليف.

وهكذا نستنتج نتيجة مخالفة تماما لتلك السابقة التي كرست واقع الاستبداد والمخزنة، وهي أن إطلاق حركة الإسلام في الواقع اليومي التفصيلي لإعادة بناء النفسيات والشخصيات والمفاهيم والعلاقات وتصحيحها، هو الضمانة الوحيدة لحماية المجتمع من التمزق الكلي والانشطار القاتل. إنها ضرورة صناعة فضاء الحرية لتتنافس المشاريع والأفكار والبرامج على وضوح وحرية ودون أحكام مسبقة، ليحيى من حيي على بينة ويهلك من هلك على بينة. فلا العنف المادي دواء، ولا العنف الرمزي دواء، ولا الغموض الفكري والارتجال السياسي ملاذ. الحرية ولا شيء غير الحرية. لأنه حينما تنضج حركة الشعوب لا تترك مجالا للضعفاء، وإنما يكون المستقبل مستقبل الرجال والفضلاء. فلنبحث عن السقف الجامع وعن المؤسسة الجامعة ضمن حركة المجتمع الأصلية. ولا وسيلة لذلك، بلا غموض ولا انحراف، إلا الحوار ثم الحوار ثم الحوار على قاعدة اختيار الشعب وموقع الشعب وإرادة الشعب. وفي هذا السياق تعرض جماعة العدل والإحسان مواقفها السياسية ومشاريعها العملية وتدافع عنها&