لما علا شرفُ الكليم بالتكليم على كلِّ شرفٍ، قال له قومُه: أيُّ الناسُ أعلم؟ فقال: أنا، ولم يقل فيما أعلمُ، فابتليَ فيما أخبر به وأعلم، فقام بين يدي الخضر، كما يقوم بين يدي السليمِ الأعلمُ فابتدأ بسؤال “هَلْ أَتَّبِعُكَ” (الكهف: 66)، فتلقّاه بردّ “لَن” (الكهف: 67) وكم أنَّ موسى من “لَن” أمر قومه بالإيمان فقالوا: “لَنْ نُؤْمِنَ” (البقرة: 55)، وقعوا في التِّيه فقالوا: “لَنْ نَّصْبِرَ” (البقرة: 61) نُدبوا إلى الجهاد، فصاحوا “لَنْ نَدْخُلَهَا” (المائدة: 22) طرق باب “أَرِنِي” (الأعراف: 143) فردّه حاجب “لَن” دنا إلىالخضر للتعلم فلَفظه بلفظ “لَن” ثم زاده من زاد الردّ بكف “وَكَيْفَ تَصْبِرُ” (الكهف: 68)، فلمَّا سامحه على نوبةِ السفينة، وزواجهه بالعتاب في كَرَّةِ الغُلامِ، أراق ماء الصُّحْبَةِ في جدالِ الجدارِ “هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ” (الكهف: 78).

ثم فسَّر له سِرَّ المُشْكِلِ، فجعل يشرحُ القَصَصَ فصلاً فصلاً. بمِقْوَل قائلٍ يقول فصلاً، وكلَّما ذكَّره أصلاً أصلى ، لم يبق لموسى عينٌ تراه أصلاً، وكلّما سَلَّ من حَرِّ للعتاب نَصْلاً، صاحَ لسانُ حالِ موسى: كم نُصْلَى؟ فألقى تفسيرَ الأمورِ على الكليم وأَمْلَى، والقَدَرُ يقول: أهو أعلم أم لا؟

فعلمَ موسى ويوشَعُ أَيَّ عبدٍ أمّا ، منذ ابتدأ بالشَّرحِ بأَمَّا، ثم أخد لسانُ العتاب يُذَكِّرُ مَنْسِيَّ موسى، أَتُنْكِرُ خرقَ سفينة لظاهر إفسادٍ تَضَمَّنَ ضِمْنَه صَلاحُ “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ” (البقرة: 179)، أَوَ تُنْكِرُ إِتلاف شخص دنيءٍ لإبقاء دينِ شَخْصَيْن؟ أَوَ كَرِهتَ إقامة الجدار لشُحِّ أهلِ القريةِ بالقِرى ، أفأردت مِنَ الأصفياءِ معاملةَ البخلاءِ بالبخل؟ أما تَلمَّحت سر “صِلْ مَنْ قَطَعَكَ” (رواه الإمام أحمد في المسند: 4/148).

لقد أنكرتَ ما جرى لك مثلُه، حذِرتَ يومَ السفينة من الغرق فصحتَ بإنكار “أَخَرَقْتَهَا” (الكهف: 71)، أنسيت يوم “فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ” (القصص: 7)؟! أنكرت قَتلَ نَفْسٍ بغيرِ نَفْس، أنسيتَ يوم “فَوَكَزَهُ” (القصص: 15)؟! نهيتَ عن عمل بلا أجر، أنسيت يومَ “فَسَقَى لَهُمَا” (القصص: 24)؟! فلمَّا بانَ البيانُ، خرج الخَضِرُ من [باب] دارِ الدعوى، وأخرجَ يده من مِلْكِ التصرُّفِ، وأحالَ الحالَ على الغيرِ “وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي” (الكهف: 82).

طالع أيضا  سألت الدار عن الأحباب أين رحلوا

وهذه القِصَّةُ قد حَرَّضَتْ على جمع رحلِ الرَّحِيل في طلب العلم، وعلَّمَتْ كيفيَّةَ الأدب في كفِّ كفِّ الاعتراض على العلم، وصاح فصيحُ نصيحها بذي اللبّ: دع دعواك: فعلى دعوى الكليم لِيْم “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” (يوسف: 76).