المحور الثالث: مظاهر احتكار السلطة

سعينا من خلال هذا الموضوع إلى إبراز إعمال مفهوم الشرعنة من قبل النظام السياسي، إعمال يتغيا من خلاله مالكو السلطة التخفيف من وطأة الاحتكار وشدة المركزة التي تميز تدبير السياسات العامة في المغرب.

شرعنة احتكار الملكية لحقيقة السلطة تنبني على مرجعيات الدين والثراث والحداثة (المحور الأول)، وترتكز على آليات ترتبط إحداها ببنية الدولة وأخرى ببنية المجتمع (المحور الثاني). وقد أراد ساسة الدولة بتوظيف هذه المرجعيات والآليات حبك إخراج “عقلاني” وإعطاء صورة “ديمقراطية” عن طبيعة الحكم التيوقراطي المغرق في شخصنة السلطة الذي يميز حكم المخزن المغربي.

غير أن محاولات التعمية وتلميع صورة نمط الحكم الاستبدادي، لم تحل دون وقوف الباحثين عند المظاهر المفضوحة لاحتكار السلطة، مظاهر تمتد لتشمل كل الميادين والقطاعات والمجالات.

في المحور الثالث والأخير نركز حديثنا عن مظاهر احتكار الملكية للسلطة على المستويين الدستوري والسياسي، وذلك بغية الوقوف عند حقيقة عبثية تسيير الشأن السياسي المغربي.

أولا: المظاهر الدستورية لاحتكار السلطةتتميز الحياة الدستورية المغربية بمظاهر احتكارية قوية، سواء على مستوى وضع الدستور أو تعديله أو مضمون نصه.

1- وضع الدستور:

يحتضن الدستور بين ثنايا صفحاته المبادئ العقدية والقيم التصورية والسياسية لشعب ما، ويختزل هويته ويحدد إطاره المرجعي الأعلى، ويبرز المرتكزات المعرفية والقيمية الكبرى التي تواضع عليها أبنائه “ولا بد للدستور أن يعبر عن ضمير الشعب ومعتقداته، وتوجهاته العامة، وأن يتلائم مع تطلعاته المستقبلية ووحدته وتقدمه وأفقه الحضاري، وأن لايكون دستورا مستوردا لا يلائم حياته وطبيعته”(1).

لذلك تعتبر لحظة صياغة الوثيقة الدستورية، لحظة عاكسة لصورة المجتمع صاحب السيادة وبانية لطبيعة الدولة الحاكمة. وتركز الأدبيات الدستورية في حديثها عن هذه المرحلة الحساسة عن الدور المحوري الذي تضطلع به السلطة التأسيسية الأصلية، باعتبارها تؤسس لجوهر العلاقة المستقبلية بين الحاكم والمحكوم وترسم خارطة السلطة وكيفيات وآليات صياغتها وتدبيرها.

في المغرب اخْتُزِلت السلطة التأسيسية الأصلية في شخص الملك، حين احتكر صياغة الوثيقة الأساسية، التي يُفترَض أن يصوغها قبل أن يحتكم إليها الجميع، عن طريق انفراده بتحديد طبيعة ومضمون وشكل دستور مغرب الحسن الثاني. إذ دشنت الحياة السياسية لما بعد “الاستقلال” صراع القصر مع القوى الوطنية من أجل فرض كل طرف لتصوره عن المغرب “المستقل” وطبيعة المسار الذي ينبغي أن يسير في اتجاهه، وقد كان مطلب هذه القوى هو انتخاب مجلس تأسيسي من الشعب يتولى إعداد دستور يعكس إرادته وطموحه، غير أن القصر هو الذي فرض إرادته وانفرد برسم صورة جماعية طغت عليها النزعة الفردية التسلطية للملك “حينما قرر أن يتولى وحده تحضير الدستور وفق المرام دون استشارة أحد أو أخد رأي جهة ما من الرأي العام، فعهد إلى فريق فرنسي برئاسة الخبير الدستوري الفرنسي أب الدستور المغربي ومرجعه الأول “دوفيرجيه” فأنجز الفريق الفرنسي مهمته، وجاء الدستور “المفرنس” متضمنا في روحه ومواده ومعناه إقرار الملكية المخزنية بسلطاتها التقليدية المطلقة، وباحتكارها لكل القرارات والتدابير والتوظيفات”(2).

وهكذا منح الحسن الثاني للمغاربة دستورا على المقاس، إذ أكد في خطاب 18 نونبر 1962 “لقد أنجزت شخصيا مشروع دستور المملكة والذي سأعرضه عليك ليحظى بالتصويت”، دستور ممنوح يركز السلطة بين يدي المانح ويمنعها عمن يشاء متى شاء وكيف شاء، إذ من يمنح يستطيع أن يمنع على حد تعبير الأستاذ ضريف.

واستكمالا للإخراج الفني “للديمقراطية الحسنية” شهدت الساحة، المفعول فيها غير الفاعلة، إجرائين للتمويه السياسي والبهرجة الشكلية. تمثل الأول في تأسيس “جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية” إطارا سياسيا لمساندة الدستور الممنوح، وقد كان مدير الديوان الملكي أحمد رضى كديرة مهندس هذا التمويه إذ يقول “فيما يخص المغرب لم يكن ضروريا ولا ممكنا اللجوء إلى جمعية تأسيسية، فمن المتعارف عليه أن السلطة التأسيسية تكون دائما صاحبة السلطة العليا. وفي المغرب يعتبر الملك صاحب هذه السلطة الوحيدة… والجمعية التأسيسية لم تكن ممكنة في المغرب لأنه من الناحية المنطقية كان من الواجب منح هذه الجمعية السلطة العليا التي هي في حوزة جلالته”(3). أما الإجراء الثاني والخال من كل معان السيادة، فتمثل في إجراء استفتاء شعبي شكلي(4) بصم، بطبيعة الحال وبأعلى النسب، بالايجاب يوم 12 ماي 1962 على أول دستور مغربي.

وبما أن “الدستور وثيقة رئيسية يحمل معالم خارطة القوة في المجتمع”(5) فقد استطاعت المؤسسة الملكية أن تفرض قوتها وتحتكر كل السلط السياسية بعيدا عن المؤسسات التمثيلية الصورية الأشبه بخشبة المسرح الدائمة العرض والمتغيرة الوجوه والوحيدة المُخْرج.

لقد “كان دستور 1962 الركيزة التشريعية الأولى التي تبتت دستوريا الملكية المطلقة وشرعنة نفوذها واستمرار تحكمها الفردي في مصير الوطن وسكانه، وفي تحديد اختياراته واتجاهاته”(6).

وهكذا أُدخل المغرب في متاهات الاستبداد السياسي والحكم الفردي التسلطي، عندما أخطأت الملكية المدخل السليم والخطوة الصحيحة لحظة انفرادها واحتكارها صياغة الدستور المغربي.

2- تعديل الدستور:

تتسائل القواعد الدستورية عن السلطة المخول لها تعديل الدستور، ويعتبر رأي ج. ج. روسو أحد أهم الإجابات المنطقية والمعقولة، إذ يُرجع سلطة تعديل الدستور إلى السلطة التي يقرها الدستور ويمنحها هذا الحق. غير أن سلامة هذا الرأي ترتبط بالسياق الديمقراطي الإجماعي لحظة صياغة الوثيقة الدستورية من طرف سلطة تأسيسية أصلية تضم كل ألوان الطيف السياسي.

أما عندما تتأسس الحياة السياسية على عطايا دستور ممنوح يجسد غلبة إرادة الحاكم/المانح، فإن لواحق وتوابع “التأسيس” تمتح من نفس معين نفسية التسلط والفردية، وتنهل من ذات نهم ذهنية الاحتكار والمركزة. “لقد صنعته بيدي”(7) هكذا قال الملك الراحل عن الدستور المغربي، ومن تم فإن آلية التعديل ومضمون النص الدستوري بقيت رهينة “الصنعة” الأولى وحبيسة “الصانع” الأول.

إمكانية تعديل النص الدستوري ظلت حكرا على الملك تشريعا وواقعا، وأُشْرِكت نظريا المؤسسة التشريعية وفق شروط مستحيلة سياسيا. ففي دستور المملكة جاء في الفقرة الثانية من الفصل الثالث بعد المائة من الباب الثاني عشر الخاص بمراجعة الدستور: “للملك أن يستفتي شعبه مباشرة في شأن المشروع الذي يستهدف به مراجعة الدستور”(وهو كما أشرنا استفتاء سياسي وليس تأسيسي حسب الفقه الفرنسي، انظر الهامش)، أما سلطة “السلطة التشريعية” في إطار التعديل، فبعد أن أقرها الفصل الثالث بعد المائة في فقرته الأولى: “للملك ولمجلس النواب ولمجلس المستشارين حق اتخاذ المبادرة قصد مراجعة الدستور”، وأدها مباشرة في الفصل الرابع بعد المائة: “إن اقتراح مراجعة الدستور الذي يتقدم به عضو أو أكثر من أعضاء مجلس النواب أو مجلس المستشارين لا تصح الموافقة عليه إلا بتصويت ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس المعروض عليه الاقتراح، ويحال الاقتراح بعد ذلك إلى المجلس الآخر ولا تصح موافقته عليه إلا بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم”.

ومعلوم سلفا طبيعة الخارطة السياسية المرسومة والتشكيلات الحزبية المرضي عنها الممثلة داخل قبة “رجع صدى التشريع”، هذا ناهيك عن سلطات “بلاحدود” الملكية التي تعدم التشريع، وتنعدم معها آراء ثلثي الأعضاء المزدوجة، بل وتغلق أبواب المؤسسة، وتدك القبة على رؤوس الواهمين تملك هذه السلطة “للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف طبق الشروط المبينة في الفصلين 71 و73 من الباب الخامس” (الفصل السابع والعشرون).

عرفت الحياة السياسية المغربية أربع مراجعات للدستور الممنوح سنوات 1970 و1972 و1992 وأخير1997، وخلالها كانت التعديلات شكلية لم تلامس جوهر الاختلال الدستوري البنيوي ورسخت حقيقة مركزية الملك كفاعل وحيد داخل قاعة صناعة سياسات تسير مغاربة لايملكون من أمرهم شيئا، يقول الأستاذ محمد الحبيب الفرقاني: “وتوالت التعديلات الدستورية فلم يتغير شيئا في الجوهر والمضمون والاتجاه إلا تنميقات سطحية تعميشا للعيون واستهانة بمطالب الشعب وضرورات حياته وتطوره، وهكذا مضى الشعب المسكين مغبونا في حقوقه ومصيره… وظلت البلاد وشعبها يدوران طيلة أربعين سنة في مستنقع من تزييفات الحياة، وفي طلاءات مختلفة الألوان والأصباغ، وهما يطويان الزمان في ضياع وتكرار ويخسران أنفسهما ويشهدان حاضرهما يتفتت ومستقبلها يتخرب”(8).

تحتكر الملكية إذا، سلطة تعديل الدستور بعد أن انفردت بوضعه، وهو احتكار مغرق في الفردانية السلطوية تنعكس روحه على نصوص الدستور.

3- نصوص الدستور:

لا أظن أن من له أدنى اطلاع على الدستور المغربي سيخرج بغير قناعة مدوية، ومسلمة راسخة، وحقيقة صادمة، وهي أن الدستور وثيقة ملكية صيغة ب”أنا” ملكية من أجل سمو الملك.

أورد هنا مجموعة من الفصول الدستورية غير الحصرية، الناطقة غير الصامتة، الغنية عن كل بيان، والدالة دلالة واضحة ناصعة على احتكار الملكية لكل السلط ومركزتها بين يدي سدة القصر.

الفصل 19: الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

الفصل 23: شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته.

الفصل 24: يعين الملك الوزير الأول.

ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول.

وله أن يعفيهم من مهامهم.

ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها.

الفصل 25: يرأس الملك المجلس الوزاري.

الفصل 66: تحال على المجلس الوزاري المسائل الآتية قبل البت فيها:

– القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة؛

– الإعلان عن حالة الحصار؛

– إشهار الحرب؛

– طلب الثقة من مجلس النواب قصد مواصلة الحكومة تحمل مسؤوليتها؛

– مشاريع القوانين قبل إيداعها بمكتب أي من مجلسي البرلمان؛

– المراسيم التنظيمية؛

– المراسيم المشار إليها في الفصول 40 و41 و45 و55 من هذا الدستور؛

– مشروع المخطط؛

– مشروع مراجعة الدستور.

الفصل 28: للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش.

الفصل 67: للملك أن يطلب من كلا مجلسي البرلمان أن يقرأ قراءة جديدة كل مشروع أو اقتراح قانون.

الفصل 71: للملك بعد استشارة رئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المجلس الدستوري وتوجيه خطاب للأمة أن يحل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير شريف.

كما أن للملك حق إعلان حالة الاستثناء (ف35)، ناهيك عن ترسانة التعيينات والترأسات اللامنتهية، تعيين الملك لرئيس المجلس الدستوري ونصف أعضائه (ف 79)، وتعيين القضاة (ف 84) وترأسه المجلس الأعلى للقضاء (ف86)، وترأسه المجلس الأعلى للتعليم والمجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط (ف32)، وقيادته للقوات المسلحة الملكية (ف 30)، وامتلاكه حق التعيين في الوظائف المدنية والعسكرية (ف 30)، واعتماده السفراء وتوقيع المعاهدات والمصادقة عليها (ف31)، وممارسة حق العفو (ف34)، و… لله ذر القائل:”قرأت الدستور المغربي فلم أجد فيه إلا الملك”.

إن هذه النصوص الدستورية، وغيرها، يثبت مقولة الدستوريين بسمو الملكية على القانون وإطلاقية الاختصاصات الملكية وامتلاكها لحقيقة السلطة، إضافة إلى صلاحياتها وسلطاتها فوق الدستورية، نافية كل مفاهيم التداول والتناوب والتوازن واقتسام السلط. ولعل هذا ما حدا بالأستاذ الفرقاني إلى أن يصف الدستور المغربي ب:”الدستور الرجعي المتخلف عن الديمقراطية وروح العصر”(9).

ثانيا: المظاهر السياسية لاحتكار السلطةيعتبر الشأن السياسي ثاني أبرز المظاهر المجتمعية التي تتجلى فيها شدة احتكار الملكية للسلطة، الشيء الذي يبدو طبيعيا بالتبع، ما دامت الحياة السياسية خاضعة لقواعد دستورية، أوضحنا أنها ملكية بامتياز.

هيمنة المؤسسة الملكية على المستوى السياسي، تظهر جلية عند الحديث عن صياغة القرار وصناعة الفاعل وصيانة المجال.

1- صياغة القرار السياسي:

القرار السياسي هو اختيار سياسي مبني على توجهات رؤيوية ومُحَدِّد لطبيعة الترتيبات والإجراءات المزمع تنفيذها تحقيقا لهدف مرصود.

وللقرار السياسي فاعل وفضاء، إذ تحدد القواعد الدستورية والسياسية ماهية صاحب القرار-مؤسسة تشريعية، حكومة، مجلس دستوري… – وطبيعة الفضاء المؤسسي الذي يُصَاغ داخل أروقته هذا القرار.

وفق هذا المعطى نطرح السؤال: من يتخد القرار السياسي المغربي؟ وأين؟

لم يعد المواطن، فبله الباحث، في حاجة إلى كثير عناء لتحديد ماهية الصانع الحقيقي للقرار السياسي في المغرب. فالنصوص الدستورية، التي أوردنا سلفا، والممارسة السياسية توضح بجلاء انفراد الملك بصياغة القرار السياسي وترأسه فضاء اللوبي القوي والمسير الفعلي والمالك الحقيقي لسلطة تدبير الشأن العام.

أستحضر هنا مثالا واضحا لانفراد الملك وحاشيته بتدبير الملفات العامة، وإلغاء أدوار مؤسسات “منتخبة” كان الأولى أن تتبنى هي هذا التدبير وتتخذ القرار وتصوغ الخطة وتتحمل المسؤولية.

كلنا تتبع اللغط السياسي الذي واكب “الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية” إبان حكومة اليوسفي، لغط ساد الشارع السياسي وداخل مجلسي البرلمان وبين وزراء الحكومة “المنسجمة”، في وقت كان المسار يتجه، بقصد، نحو رفع “ملف المرأة” إلى المؤسسة الملكية لتقول كلمتها الفاصلة. وهو ما حصل فعلا عندما عين الملك لجنة صياغة مدونة الأسرة برئاسة محمد بوستة وتحت الإشراف المباشر لمصطفى معتصم مستشار الملك.

خلاصة الحدث السياسي لسنة 2000-2001 تقول بأن آليات وميكانزمات صياغة واتخاذ القرار السياسي موجودة خارج تغطية المؤسسات الرسمية-برلمانا وحكومة- كما أن وزراء الحكومة الفعلية ليسوا أعضاء في الحكومة الوهمية ولا يحضرون للإجابة على أسئلة البرلمانيين البئيسة، وإنما قد يطلع علينا جزءا منهم ويطل علينا بعضهم من داخل المجلس الوزاري بجانب الملك.

في مغرب الحكم الفردي يُتّخذ القرار السياسي من طرف المؤسسة الملكية وبإشراك المقربين والحاشية والبلاط الملكي داخل فضاءات القصر وملحقاته، بعيدا عن كل الأوهام والأحلام التي تتخيل أن الانتخابات طريق نحو سلطة صياغة القرار السياسي.

2- صناعة الفاعل السياسي:

للفاعل السياسي ثقل ملموس في ناتج معادلة المشهد الساسي، ووزن محسوس في إعطاء الساحة المجتمعية منعة التوازن المانعة لكل اختلال وروح الجدية الدافعة لمزلق العبث.

الأصل أن يظهر وينشأ ويشتد عود هذا التنظيم وذاك التيار وتلك الحركة، بناء على حاجة مجتمعية ومطلب شعبي وإرادة مستقلة. والمفروض أن يصنع الفاعل السياسي نفسه بنفسه، عبر وضوح الرؤية وأصالة التصور ونسقية التفكير وانسجام التنظيم وثبات الموقف وجماهيرية المطلب، آنذاك يمكننا أن نتحدث عن الفعل السياسي المؤثر والفاعل السياسي الوازن الذي يشكل صمام أمان للمطلب المجتمعي في العيش الكريم والتدبير السياسي النزيه.

غير أنه ولكامل الأسف، لا تلبث هذه المبادئ النظرية أن تصطدم بواقع مغربي عنوانه مكيافيلية الثعلب وبراغماتية المصلحة وخلاصته ملكية الفاعل ومخزنية السياسي.

فإلى عهد قريب كانت الممارسة السياسية تصدق الفكر السياسي في اعتبار الحزب مشروع سلطة، مادام قد أُسّس في الأصل بغية أجرأة رؤى تصورية سياسية وتطبيق برنامج أفضل لفائدة الشعب الذي منحه الثقة. لكن يبدو أن صخرة استبداد الحكم الجبري قد كسرت هذه الرؤى الفكرية ومنحت الغلبة لواقع الاستسلام لورشة “الْمْعَلّْمْ” الذي يصنع الفاعل ويحدد مضمون وشكل ومجال وكيفية “الفعل” السياسي، بعيدا عن كل سلطة أو مشروع سلطة أو حتى مشروع مشروع.

عُرف النظام السياسي المغربي بطابعه المركزي المغلق منذ فجر “الاستقلال”، إذ حرص على أَنْ يدور في فلكه ويُرْجِع صدى رغباته كل فاعل أراد أن ينخرط في العمل السياسي.

وبقدر ما فَرَّخ النظام السياسي المخزني وأسس تنظيمات وأحزاب سياسية تلوك مقالته وتنتج وتعيد إنتاج اختياراته التسلطية الفردية، قمع ومنع وخنق وشنق قوى أخرى كانت لها تصورات معاكسة. ومما لاكه ساسة الأحزاب الوطنية كثيرا مفهوم الأحزاب الإدارية التي تعتبر صناعة ملكية خالصة، غير أن أحزاب “المشروعية التاريخية” و”الرصيد النضالي” لم تلبث أن أصبحت إدارية ملكية بامتياز وتحولت إلى جماعات مصالح وضغوط ابتزازية بعيدا عن كل القيم والمبادئ والأخلاق مادامت قد اقتنعت أن لا أخلاق في السياسة. ويبدو أن نظرية Daniel gascie حول المنافع المادية للنضال الحزبي قد كانت مغرية لأحزاب الكتلة إلى الحد الذي استسهلت فيه جلد الذات والتنكر للشخصية ومحو التاريخ.

وإذا كانت المبادئ الدستورية وقواعد اللعبة السياسية في المغرب قد أخْلَت الساحة السياسية من كل رهان سياسي حقيق، فإن الصناعة الرسمية للفاعل السياسي دفعته إلى الانمساخ عن طبيعته والتخلي عن دوره. وتعلقت أسمى المطالب وأقوى المعارضات بسياسات حكومات معينة،مؤقتة،لا تملك من أمر الحل والعقد شيئا، ولا سلطة لها، وانكفأ النقاش عن طبيعة النظام السياسي المخزني.

إن حرص الملكية على أن يُصنع كل فاعل سياسي على عينها إذا كان يدل بوضوح على احتكار الملكية لكل مداخل الفعل السياسي، فإنه يشير أيضا إلى عمق الاختلال السياسي الراجع إلى انعدام توزن القوة داخل المشهد السياسي الرسمي.

3- صيانة المجال السياسي:

يراقب القصر الساحة السياسية، ويفرض وصاية على الشأن العام، ويقيم نوعا من الصيانة على المجال السياسي سواء تعلق الأمر بالموقع أو الفاعل أو الموضوع.

إذ يحرص النظام السياسي على تسويق نوع محدد ومفهوم حصري للعمل السياسي لصيق بالمؤسسات الرسمية، ومطبع مع الحكم، مدخله الأساس العملية الانتخابية. أي أن النظام السياسي يحاول نفي أن ثمة إمكانية للاشتغال في الشأن العام خارج دائرة المجال السياسي الرسمي المقنن دستوريا. وفي هذا إكراه فعلي لإرادة واختيار الفاعل السياسي من جهة، وتجاوز لما أثّثه الفكر السياسي من إمكانية العمل من خارج المؤسسات الرسمية عند فقد هذه الأخيرة لكل معنى. ولعل هذا ما حدا بالأستاذ فتح الله أرسلان -الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان- إلى قوله: “أما إذا كانت الواجهة والفعل السياسي عند البعض، نظرا لثقافته وتكوينه السياسي، لا تتمثل إلا في صورة المشاركة في الانتخابات والدخول إلى البرلمان، فالمسألة تحتاج لتأهيل في العلوم السياسية واطلاع على تجارب الحركات الاجتماعية التغييرية، للوقوف على أن كثيرا من التحولات والمواقف والقرارات تكون بتأثير القوى المعارضة من خارج المؤسسات أكثر من تلك التي بداخلها”(10).

إلى جانب حرص الملكية على رسم الحدود السياسية التي ينبغي اللعب داخل رقعتها، تشدد في اختيار الفاعل الذي تمنحه تأشيرة ولوج هذا الحصن. ولعل أوضح صورة في هذا الاتجاه منع العلماء من الخوض في الشأن العام وتحريم تعرضهم لواقع التدبير السياسي، إلا أن يكون إسهامهم عبارة عن خطبة مدح وكلمة تبرير لطبيعة حكم ينافي مقاصد الشرع الحكيم. كما يحيط النظام هذا المجال بسياج قانوني يقصي كل الفاعلين الذين يسائلون البنى الدستورية والسياسية للدولة، بل يصل هذا التحكم إلى حد طرد البعض من الحمى، فقد جاء في مسودة قانون الأحزاب المادة 50: “إذا كانت أنشطة حزب سياسي تخل بالنظام العام، فإن وزير الداخلية يطلب من رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بصفته قاضيا للمستعجلات أن يأمر بتوقيف الحزب وإغلاق مقاره مؤقتا”. كما يستخدم المال كآلية لتوجيه الاختيارات الحزبية ودفعها في اتجاه ارتضاء اللعبة الانتخابية المعدة وفق مسطرة الأجهزة المخزنية (المادة 29).

بعد تحديد مجال اللعب واختيار اللاعب، تفرض الملكية تحييد نوع من المواضيع لأنها “فوق سياسية”، وتضفي عليها هالة القدسية، وترفض أن تكون مادة يشملها قانون اللعبة. فشخص الملك مقدس لاتنتهك حرمته، والنظام الملكي لا يمكن أن يكون موضوع أي مراجعة دستورية، والإخلال بالاحترام الواجب للملك قد يودي بصاحبه إلى السجن، لأن الخطاب الملكي لايمكن أن يكون مضمونه موضوع أي مناقشة، والتزام اللياقة واللباقة مع الأمراء والأميرات مطلوب بل واجب. وباختصار لايمكن للفاعل السياسي مادام قد ولج مجالا سياسيا مصانا إلا أن يسلم أن ثمة مواضيع عليا مصانة من أن يشملها “فعل سياسي” مُتحكَّم فيه ومُوجّه لخدمة أغراض المُتَحكِّم.

تفرض الملكية إذا صيانة صارمة على المجال السياسي، من خلال رسمها لجغرافية الفعل وفرضها لنوعية الفاعل وتحريمها الخوض في بعض المواضيع “المقدسة”.

وهكذا تظهر بجلاء المظاهر المفضوحة لاحتكار الملكية للسلطة على المستويين الدستوري والسياسي، وتبرز بوضوح شدة مركزة السلط بين يدي القصر. إذ الحُكم في المغرب مطبوع بصفة الفردانية المطلقة وموسوم بطابع شخصنة السلطة، مادام الحُكم والحَكم واحد.

المراجع:

1- د. قحطان أحمد سليمان الحمداني، الأساس في العلوم السياسية، ص268.

2- ذ. محمد الحبيب الفرقاني، المغرب في أزماته الثلاث، ج الأول، ص 30-31.

3- A. R. Guédira, “une constituante ni nécessaire ni possible”, confuent, 27 janvier 1963, p 67

نقلا عن كتاب الملكية والإسلام السياسي لمحمد الطوزي، ص 82-83.

4- يمكننا إدراج هذا الاستفتاء وأشباهه في خانة الاستفتاء السياسي وليس التأسيسي، إذ الفرق بينهما جوهري حسب الفقه الفرنسي. فإذا كان الاستفتاء التأسيسي يعبر عن الإرادة الشعبية، فإن الاستفتاء السياسي يستخدم لإضفاء الشرعية على دساتير أنظمة الحكم المطلق”وبالتالي يغدو هذا الاستفتاء تعبيرا كاذبا عن سيادة الشعب وإخفاء لحقيقة السلطة المطلقة للحاكم”

J. laferriére: Manuel de Droit Constitutionnel, p280 et sui.

للمزيد من التفصيل انظر كتاب، القانون الدستوري: مدخل لدراسة النظرية العامة والأنظمة السياسية لمحمد ضريف.

5- د. نيفين مسعد، الدستور: في موسوعة العلوم السياسية، ص435. نقلا عن كتاب: الأساس في العلوم السياسية.

6- المغرب في أزماته الثلاث، مرجع سابق، ص 32.

7- من كتاب: المغرب في مفترق الطرق، لمحمد ضريف، ص 89.

8- المغرب في أزماته الثلاث، ص 33.

9- ن م، ص 13.

10- تصريح للأستاذ فتح الله أرسلان مع أسبوعية الأيام، عدد 193.