في يوم من أيام الله، ابتكر الإعلام لقبا للملك الشاب محمد السادس.. إنه لقب ملك الفقراء الذي لم يكن تشريفا ولا إعلاء، بل كان تكليفا بمهمة ثقيلة، وإنذارا بعواقب وضعية اجتماعية متعفنة ونسق اقتصادي متدهور. وبالفعل، هذا ما حدث وصدق! لقد انصرفت النخبة السياسية الحاكمة إلى تدبير المرحلة وفق رؤية سياسية لم تحقق انتظارات الفقراء -وهم غالبية الشعب المغربي- لأنها لم تكن صادقة ولا منبعثة عن إرادة ثابتة أو تخطيط مضبوط.

هكذا انصرفت مملكة العهد الجديد إلى منح المخزن وجها اجتماعيا يطفح بمعاني الرفق بالضعيف وعون المحتاج.. لكن هذا الوجه-القناع لم يصمد طويلا، لأنه لم يكن قادرا على تحمل مساحيق تجميلية متناقضة. ساعتئذ كانت النخبة السياسية في معظمها قد انخرطت في تجربة التوافق والتراضي التي ظل هدفها الأسمى والأوحد -وغير المعلن كذلك- هو تأمين انتقال السلطة الملكية بدل تدعيم مسار الانتقال الديمقراطي الذي لم يكن سوى شعارا متهالكا على ألسنة متهالكين.

ومهما يكن من ارتباط تجربة التوافق أو التناوب بتأمين الانتقال الملكي، فإن وقائع السنوات الست الأخيرة كشفت صواب ما ذهبت إليه “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي كتبها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، خاصة استحالة تغيير الوضع الاجتماعي الموبوء من خلال إشارات أو خطوات متباعدة. لقد كان المطلوب -و ما يزال- هو الإسراع بمعالجة شاملة لا تستثني التدبير الإداري المتوازن أو التخطيط الاقتصادي الدقيق أو الرؤية السياسية الواضحة. إنها المعالجة الشاملة التي تخرج شرائح اجتماعية واسعة من وضعية الفقر بناء على إجراءات عملية أبرزها حذف نظام الامتيازات وتحجيم التبذير المستمر للثروة الوطنية ومراقبة الحسابات المالية للإدارات والمؤسسات العمومية، وحركية رؤوس الأموال من وإلى البلاد.

هي إجراءات عملية مفيدة ومثمرة إذا ما عولجت مصادر الأزمة الخانقة التي تجعل المغرب بامتياز بقرة تحلب وصندوقا ينهب. وأهم تلك الأسس والمصادر -في تقديرنا- هي أزمة الحرية وتهميش الدين وتغييب العدل.

1- أزمة الحرية

من الأكيد أن تغيرا نسبيا حدث في المجال الحقوقي المغربي بعد ضغوطات داخلية وخارجية أرغمت المخزن على رفع يد المصادرة عن بعض الحقوق الأساسية للمواطن المغربي..لكن استفحال العقلية الاستبدادية في جميع مرافق ومؤسسات الدولة والمجتمع حال دون كف الأذى عن عموم الشعب المغربي، وفوت تثبيت نسق الحقوق السياسية والمدنية والحريات في الفضاء العمومي. استفحال الاستبداد وأوبئة الفساد المالي والأخلاقي وتحالف كثير من النخب الحزبية وسذاجة نخب أخرى.. كلها عوامل زادت من صعوبات ملف الحرية في المغرب. لكن الشاهد عندنا هو ارتباط هذا الملف بالفقر، بل إسهام هذا الأخير في تضييع الحرية الإنسانية والكرامة الآدمية. وهنا ندرك سبب حرص النخبة السياسية في معظمها على استدامة الوضع الاجتماعي للفئات الشعبية ما دامت نسبة استفادتها منه جد مرتفعة. ولهذا يكون موسم الانتخابات فرصة لشراء الذمم بأبخس الأثمان وحيازة مقاعد في الجهاز التشريعي أو مجالس البلديات. يكون موسم الانتخابات فرصة لتوزيع الوعود بسخاء، وعود التشغيل والإسكان…

إن المواطن الذي لا يجد قوت يومه، لا يمكن أن نطالبه بصون كرامته أو المحافظة على حريته في اتخاذ القرار المناسب أو المشاركة في تدبير الشأن المحلي أو الوطني. كما أن المواطن الذي لا يملك أسباب استمرار حياته الشخصية تصعب حمايته من إيديولوجيات التكفير والتفجير. هكذا نفقد في المغرب قيمة الرأي العام على قاعدة الوعي والحرية والاختيار، وتؤسس أجهزة الدولة وأحزابها وصحافتها وجمعياتها لثقافة الخضوع والموافقة والإذعان. فما هو مضمون الحرية في بلد لا يستشار سكانه في شكل حكومتهم وسياساتها والمنتسبين إليها، ولا يمكنون من متابعة أخطائها وزلاتها ومحاسبة مرتكبيها؟

أي لون لهذه الحرية التي لا يكاد يتمتع بها إلا من تبرأ من لباس التقوى واشترى ربقة الحداثة واللاييكية، ومن اكتسب مالا لا يعرف أصله ولا منبته؟

2- تهميش الدين

بأي معنى يتم تهميش الدين؟ وما الهدف؟ في كل وصفة علاجية تقدمها النخبة السياسية المخزنية والحزبية  لا فرق ينصرف الحل إلى ضرورة تبني “المشروع الديمقراطي الحداثي الكوني” الذي لا يكاد المواطن يتبين معالمه ولا حدوده ولا مضامينه. لكن الممارسة السياسية والإعلامية تظهر ما يخفيه الناس من كيد دفين. ولعل أول بنود ذلك المشروع -الوهم هو تهميش الدين الحق بما هو منهاج ومرجعية ونبراس. يريد هؤلاء ألا يكون للإسلام موقع في الحياة العامة للمغاربة سواء تعلق الأمر بالتنظيم أو التدبير أو التخطيط أو التوجيه الفكري والسياسي. هذا التهميش المقصود يزيد من حالة التردي العام التي يؤججها الفقر والحرمان، ويؤكدها الفراغ الروحي والتضليل الفكري والإيديولوجي الممنهج.

ولن ندخل من باب الغباء السياسي لننتصر للمخزن المتدين زورا وبهتانا ضد النخبة العلمانية، تقوية للطابع الديني للدولة وإضعافا لأصوات التغريب. هذا الغباء هو ما يحرك بعض الإسلاميين المنخرطين في اللعبة السياسية، فيندفعون إلى منصة الدفاع عن المقدسات في الدستور المغربي بينما جيوب المغاربة أضحت نهبا للصوص المال العام، وقلوبهم صارت مرتعا للتضليل والتحريف، وعقولهم استهدفها متزعمو العولمة الفكرية الجديدة.

الحكمة السياسية تقتضي إزالة أنياب النخبة المتوحشة التي بالغت في مص دماء المسلمين، وتخريب عقولهم وتحريف فهمهم للدين الحق الذي يقوم على التسامح والرحمة والرفق مع استيفاء الحقوق الشرعية بإنصاف المظلوم وإعانة المعدوم ومداواة المكلوم، وتشغيل العاطل والمحروم. الدين الحق لا يقدم الصدقة على الزكاة الواجبة، ولا يجعل الرشوة مساعدة اجتماعية، ولا يجيز شهادة الزور في محاكمة الأبرياء وذوي الرأي، ولا يقر المنكر. ومن أعظم المنكرات تغييب شرع الله عز وجل عن ساحة التحكيم بين خلق الله.

الدين الحق يجعل النصيحة ركنا أساسيا في الصرح الإسلامي، وحكام هذا البلد لا يقبلون النصيحة إلا إذا كانت سرا، وأمكن ألا تصل إلى أذن أحد وإن كان المنصوح. لا يقبلون النصيحة في أمر دنياهم أو أخراهم. لا يقبلون النصيحة خاصة إذا كان قائلها لم يوقع صك بيع حريته وحرية بلده.

3- تغييب العدل

الوزارات الحكومية في هذا البلد مشغولة بتدبير الثروات الشخصية وضخ الأموال في الحسابات الخفية في الأبناك الأجنبية. ونواب الشعب في البرلمان منهمكون في مثيل ذلك إلا أن يكونوا من مدمني التخدير السياسي، بحيث ينشرون الأوهام في الوعي الشعبي بأن ثمة مساءلة ومتابعة للملفات الاجتماعية والاقتصادية.

منهمكون جميعا في إيهام الناس بوجود استقرار اجتماعي متين وتوافق سياسي أمتن، لكنهم وبالتأكيد مقتنعون بمدى هشاشة هذا البنيان الذي سرعان ما يعصف به تصريح هنا أو حوار صحفي هناك. مقتنعون بكون تشكيلاتهم الحزبية لا تكاد تجاوز عتبات مقراتها وذبذبات الأثير الذي يحمل أصواتهم إلى السادة المشاهدين في مستقراتهم وبيوتهم.

انخرطت النخبة السياسية منذ سبعينيات القرن الماضي في تصالح مقيت مع سدنة وضع اجتماعي موبوء، وكانت المتاجرة بمأساة هذا الشعب الدم الذي يسري في عروق كياناتهم الحزبية. أجل، كان بينهم فضلاء أسفوا للمعاناة المستمرة، واحتجوا وقاوموا. لكن ما يعنينا هنا هو محاسبة نهج سياسي عام سلكته النخبة السياسية في المشهد الرسمي، ولم يكن العدل في الحكم وتوزيع الثروة محورا مركزيا في التدبير السياسي طوال تلك العقود، مما أفرغ المجهود العمومي من أي محتوى اجتماعي إنساني.

ومع هذا أيضا، لم يكن اتفاق أو توافق 1998 بين الملكية والنخبة الحزبية ذا مصداقية في السياق المذكور، لأنه لم يعمل سوى على تغيير الوجوه المكلفة باستنزاف الثروات الوطنية، وتبييض الواجهة الرسمية المسماة زورا دولة الحق والقانون.

وبالفعل، فقد أقبرت الضجة الكبيرة والصاخبة التي صاحبت مسار التناوب بعدما تم تعيين السيد إدريس جطو وزيرا أول، ليعلن المنخرطون في اللعبة استمرار التوافق ولو بغياب التناوب على السلطة الفعلية في البلاد.

المغرب كان وسيظل بعيدا عن الاستقرار الاجتماعي والسياسي الفعلي ما دام العدل قيمة أجنبية عن برامج السياسيين وخطط الفاعلين الاقتصاديين.