الشقة رقم: 7

الطابق رقم: 2

زنقة الحرية

شارع النصر

هنا في هذه الشقة اختار عبد الغفور أن يعيش وحيدا، بعدما سئم حياة المحظورات والممنوعات، والأوامر والنواهي، والأسئلة المحرجة المقلقة عن كل صغيرة وكل كبيرة…

كان ذلك بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس…

عاد إلى البيت متأخرا ذات ليلة… كان هناك في الصالون ينتظر عودته… استقبله وشرارات الغضب تتطاير من عينيه… اقترب منه وهواجس الشك تتنازعه، تشممه مستنكرا… رائحة دخان كريهة، كريهة تنبعث من فيه… انفجر غضبا، انتفخت أوداجه وهو يصرخ في وجهه، غمره بنظرات ملؤها الاستغراب والاشمئزاز وهو يشبعه عتابا و سبا وشتما… “آخر ما كنت أتوقع أن يسقط أبنائي في مستنقع الرذيلة والانحلال… يا لحسرتي! أنا إمام المسجد، الفقيه الواعظ، يتعاطى أكبر أبنائي للتدخين…!! أنا بريء منك، بريء منك، بريء منك… براءة نوح من ابنه العاق الجحود…!!”

لم يجرؤ على الرد عليه… كظم غيظه… وألزم نفسه بالصمت… غير أنه كان قد عقد العزم على التخلص من حياة الحزن والكآبة والحصار هاته… ولا غرابة… فقد تخرج منذ أكثر من سنة، وأصبح موظفا يتقاضى راتبا شهريا… وبإمكانه أن يفتح بيتا مستقلا، وأن ينعم بحريته كاملة… شأنه في ذلك شأن كل زملائه في العمل…

حمل حقيبته في صباح اليوم الموالي… انفرد بأمه الوديعة الودود… كانت تحمل سبحتها، وتنظر إليه بعينين مغرورقتين بالدموع…

– قولي له إنني لم أعد في حاجة إليه… قولي له بأنني لن أسمح لأحد بعد اليوم بالتدخل في شؤوني الخاصة، وبالسعي للحد من حريتي… قولي له بأنني شاب في ريعان العمر… أريد أن أستمتع بحياتي كما يفعل كل الشباب: أريد أن أدخن، أن أشرب الخمر، أن أتعرف على هذه، وعلى تلك، وعلى الأخرى… قولي له بأنني لن أبقى حبيس جلبابه الضيق النتن…

– ولكنه… !!

همت بالكلام… غير أنه قاطعها… نفث دخان سيجارته في وجهها…

– قولي له وداعا… فأنا لم أذق في ضيافته إلا الذل والإهانة والخضوع… خمس وعشرون سنة من الكبت والضغط والإكراه: “أين؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومع من؟…” أسئلة لم أعد أطيقها… ولن أطيقها بعد اليوم…

– ولكنه أبوك… أبوك الذي أنجبك، ورباك، و… !!

قاطعها بعنف…

– ليته لم يفعل… حفظت هذا الموال من كثرة ما رددتموه على مسامعي… أريد حظي من الحرية… أريد حظي من الحياة… الوداع… لن أسمح لأحد بالسؤال أو البحث عني…

كانت آخر صرخة مدوية وجهها لأمه… تردد صداها قويا في كل أرجاء البيت… ظلت واجمة شاخصة البصر… وعندما صفق الباب بعنف، اضطربت… التفتت إلى نفسها…

– لا حول ولا قوة إلا بالله… اللهم إني أسألك اللطف في ما جرت به المقادير… لطفك يا رب العباد…

منذئذ وهو يعيش “حرا” طليقا: لا أحد يعكر صفو حياته، لا أحد يزعجه بكثرة الأسئلة، ولا بكثرة اللوم والعتاب… اكتشف لذة السجائر فازداد بها ولعا…

ذات مساء، فضل أن يمكث في البيت بعد خروجه من العمل، كان الجو باردا… إغلاقه النوافذ والأبواب بإحكام لم يمنع من وصول دوي الرياح الجافة القارسة إلى مسامعه…

“كان بطل الفيلم يعدو مخترقا أزقة المدينة المكتظة بالسيارات، كان أحيانا يلتفت إلى الوراء حيث كان أربعة من رجال الشرطة يتبعونه بسرعة وحذر كبيرين… كانت سرعته تزداد كلما اقتربوا منه…”

مسترخيا على أريكة وضعت قبالة التلفاز… كان يتابع أحداث الفيلم البوليسي المشوق… عيناه تلتمعان شاخصتان لا تكادان تطرفان… تتبعان حركات المطارد والمطاردين… علب السجائر ملقاة هناك فوق طاولة الأرز المستديرة الماكثة أمامه… مطفأة رخامية جذابة بلونها البني الفاتح امتلأت عن آخرها بأعقاب السجائر… كلما أنهى سيجارة أعقبها بأخرى، يمتصها عن آخرها لا يترك منها إلا الجزء البرتقالي غير الصالح للامتصاص…

“كان البطل ما يزال يعدو… تتعقب الشرطة أثره…

صاحبنا ينهي سيجارة، ليبدأ بأخرى…

“يصرخ البطل باحثا عن مهرب…”

يرتفع سعال صاحبنا، ويتكرر بشكل مثير…

” يتردد البطل بين هذا الزقاق أو ذاك… ويستمر في صراخه مستغيثا…”

يشعل صاحبنا سيجارة جديدة… يرتشف بانتعاش كبير، لينفجر سعاله من جديد… يهتز له كل كيانه: صدره، أطرافه… تدمع عيناه… تنقبض أسارير وجهه… يشعر بمغص قاتل… يضع عبثا كفيه على حنجرته للتخفيف من حدة الألم الممض الماكث بفظاعة في أعماق حنجرته… يهدأ ألمه مؤقتا… تحولت السيجارة المشتعلة إلى رماد بالتدريج… يلتفت فإذا به يمسك بالبقية الباقية منها…

“بعد مقاومة شديدة، وبعد جهد جهيد، ألقت الشرطة القبض على البطل… ينتفض، يحاول عبثا الفرار من جديد، يحيط به رجال الشرطة من كل الجهات… يتم تكبيله يديه المرتعدتين بوثاق حديدي… ومع ذلك يستمر في الصراخ والاحتجاج…”

يشعل عبد الغفور سيجارة جديدة… يرتشف بشفتين زرقاوين منفرتين… عندما يهم بنفث الدخان عبر أنفه… تسيطر عليه حالة سعال شرسة… يهتز كل كيانه…يشعر بمرارة وغثيان لم يملك لهما ردا… موجة السعال الغريبة لا تكاد تنقطع… يقف من شدة الألم، ومن فظاعة الحرقة المشتعلة في صدره وحنجرته… يستمر في سعاله القاتل… التلفزيون مازال يبث صور الفيلم الشيق… يسقط أرضا… يسعل… يسعل بمرارة ما بعدها مرارة… يتقلب ذات اليمين وذات الشمال… نيران مستعرة في حنجرته… وفي صدره… نيران ترتفع ألسنتها ملتهمة كل ما شيء…

يحتضر بمرارة… يشعر بسكرات الموت سكاكين حادة تمزق أوصاله وأطرافه…يشعر بها سواطير تحطم عظامه واحدا تلو الآخر… يشعر بها إبرا تخز مسام جلده وخزا… ينتفض، يضطرب، يرتعد، ترتعش كل أعضائه ارتعاشا… وبعد لحظات عذاب مجنونة… أسلم الروح لباريها…

كان جسده قد انتفخ، وكان على وشك التحلل، بعدما أخذت تنبعث منه رائحة كريهة جدا… وجدوه جثة هامدة… وسط مستنقع من السجائر وأعقاب السجائر… تأففوا من المنظر المرعب… لم يكلف أحد نفسه عناء تغسيله، ولا الصلاة على جثته… شقوا له هنالك بعيدا عن مقبرة المدينة لحدا… أو دعوا جسده النتن هنالك…

انصرفوا جميعا وتركوه وحيدا، كان يسمع وقع خطو مشيعيه… ارتفع فجأة صوت الحفرة التي أودع فيها:

– “أنا بيت الظلمة والوحدة والانفراد، فإذا كنت في حياتك لله مطيعا، كنت عليك اليوم رحمة، وإذا كنت عاصيا فأنا اليوم عليك نقمة، أنا الذي من دخلني مطيعا خرج مسرورا، ومن دخلني عاصيا خرج مثبورا…”

هم بالكلام… غير أنه لم يستطع… أصخى بسمعه للقبر يواصل حديثه، بصوت مرعب مفزع:

– “ويحك يا ابن آدم، ما غرك بي؟! ألم تعلم أني بيت الفتنة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، ما غرك بي إذا كنت تمر بي فذاذا؟! ويحك ابن آدم، أليس قد حذرتني، وحذرت ضيقي ونتني وهولي ودودي، فما أعددت لي؟”

ظل صامتا، يرتعد من شدة الخوف والهلع، تصطك أسنانه… ترتعش فرائصه… وقد شخصت عيناه… بعد لحظات، نطقت أعماله بصوت أجش منفر:

– “أيها العبد المنفرد في حفرته، انقطع عنك الأخلاء والأهلون، فلا أنيس لك اليوم عندنا… !!”

هم بأن يتكلم… كان بوده أن يقول بأنه كان ينوي أن يتوب إلى الله توبة نصوحا بعد مرحلة الطيش والجنون تلك… كان ينوي في قرارة نفسه أن يمتنع عن شرب هذه السجائر القاتلة… أن يبتعد عن المحرمات كلها… أن يعود إلى بيت والديه يطلب منهما الصفح والغفران… أن يؤدي الصلوات في أوقاتها في المسجد… أن يقرأ القرآن… أن يخصص أوقاتا للذكر والتفكر في خلق الله… أن… وأن… غير أنه ظل مذهولا، صامتا، يرتعد من شدة الوجل…

نزل إليه بعد حين فتانا القبر منكر و نكير أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، يجران أشعارهما، ويبحثان القبر بأنيابهما… يذكر أنه سمع أباه يتحدث عنهما ذات يوم عندما كان ما يزال على قيد الحياة… وتوقع أن يسألاه: ما كنت تقول في النبي ؟… أخذ يستجمع قواه، كل قواه للجواب عن هذا السؤال… غير أنهما كسرا أفق انتظاره… قال أحدهما للآخر:

– هذه روح خبيثة حلت اليوم بدار البقاء…

– هذا عاص جديد حل ضيفا ثقيلا بدار الخلود…

– لا مرحبا به، ولا أهلا، ولا سهلا… عق والديه… طغى إذ استغنى، ونسي تماما أن إلى ربه الرجعى…

– نعم هذا عبد عاق وعاص، لئيم و جحود، قابل نعم المولى عز وجل بالمعاصي والذنوب… وفي آخر المطاف قتل نفسه… !!

– هو إذا منتحر… وعقاب المنتحر أن يظل يتجرع مرارة قتله نفسه باستمرار… إلى يوم يبعثون… !!

– لا أنا لم أقتل نفسي… لم أترد من جبل… ولم أضرب نفسي بحديدة، ولا احتسيت سما… ! !

– بل احتسيت أنقع السم… وماذا تسمي السجائر التي بها كنت مولعا، وعليها كنت مدمنا… ؟ ! ستظل تتحسى سجائرك في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا…

صرخ صرخة مدوية، استيقظ مذهولا فزعا، يتحسس المكان من حوله، دموع غزار تغمر عينيه، العرق يغمر كل جسده… يلهث وقد شخصت عيناه تماما… وجد نفسه وحيدا في غرفته، روائح كريهة تنبعث من كل ركن من أركانها… السجائر وأعقاب السجائر ملقاة في كل الزوايا… صفق وجهه بماء بارد، بعدما جفف العرق المتصبب من جبينه… نسائم الفجر المنعشة تحمل على أجنحتها أصوات المؤذنين خاشعة مرتعشة من الجلال: “حي على الصلاة… حي على الفلاح… الصلاة خير من النوم…” ينسل ضوء النهار رويدا رويدا من جبة الليل البهيم… يعتصره الندم الشديد… ينخرط في بكاء لا يقاوم، بكاء صريح مجنون، كلما حاول قطعه انبعث من جديد… اغتسل وشهقات الندم تهزه هزا… عيناه شلالا دموع متدفقان… تلفه القابلة في ثوب حريري أبيض نظيف… تهدئ من روعه شيئا فشيئا… صلى ركعتي شكر لله قبل أن يتوجه إلى المسجد… كان قد عقد العزم على التوبة النصوح… بعدما رأى بعض آيات ربه…