كلما حل شهر يوليوز من كل سنة تنشط الأقلام ويكثر الكلام وتنظم الندوات لتقييم حصيلة ما مر من سنوات منذ اعتلى محمد السادس الملك في 30 يوليوز 1999، وتكون النتيجة عادة اختلافا بينا على مستوى النتيجة، وهذا طبيعي بسبب اختلاف في الموقع والموقف وزاوية النظر وفي آليات التقييم ومرجعيته، وفي الأولويات والانتظارات. اختلاف يصل أحيانا إلى حد التناقض بين مبشر ومنذر، وفرح ومتخوف، ومتفائل ومتشائم.

لكن الملاحظ أن وتيرة الاهتمام بموضوع تقييم حصيلة حكم محمد السادس بدأت تخف، والحماس لهذه التجربة بدأ يخفت بعد سلسلة من الإحباطات والتراجعات والانتكاسات غطت على ما تحقق من إنجازات وما تواتر من إشارات، وما رفع من شعارات.

هل يصح بعد ست سنوات أن نقف وقفة لتقييم الحصيلة؟ هل ما زال الموضوع يستحق ذلك؟ أو بالأحرى هل ما يزال العهد الجديد يفتح الشهية لذلك، ويشجع عليه؟

من حيث المبدأ، يجب تقييم الحصيلة، وينبغي للمرء أن يبحث دائما عن الكمال، ورحم الله من كان يومه أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، وإن كان الأفضل أن يكون التقييم ذاتيا فقد ورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، “يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية”.

ويتعاظم الأمر حين يتعلق الأمر بمن تصدى لتدبير شأن عام، وأصبح شخصية عمومية، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اللهم من ولي شيئا من أمر المسلمين فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي شيئا من أمر المسلمين فرفق بهم فارفق به” رواه الإمام أحمد ومسلم عن عائشة رضي الله عنها. وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم “من ولي من أمر المسلمين شيئا ثم لم يجهد لهم وينصح لم يدخل الجنة معهم”. هذا منطلق أساس يعطي للتقييم والمحاسبة بعدها التربوي، ويعطي كذلك للإنجاز معياره الإيماني.

ومنطلق ثان مكمل هو التقييم الخارجي، بحيث يعطي للأول مفعولا إيجابيا ونضجا مطلوبا، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكرر “رحم الله امرؤا أهدى إلي عيوبي” (أفتح القوس هنا لأثير انتباه القارئ حول تميز عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا المجال: المحاسبة الذاتية وقبول النقد، بل ودعوة الناس إلى نقده: لذلك استحق عن جدارة، وليس ادعاء، أ، يكون أميرا للمومنين)، وقد يفيد التقييم كذلك في شكر من يستحق ذلك والتنويه بإنجازاته، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر “من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله”.

هذا منطلق ثان في التقييم، فيه نوع من الإشهاد العام، وتقديم للنصيحة، وتقويم لمسار عام، ومساعدة لولي الأمر على حسن التدبير. وبطبيعة الحال فهذا الأمر لن يجدي نفعا إن لم يكن في جو من الصراحة والوضوح، وثقة في جدواه واستعدادا للعمل بمقتضاه.

ست سنوات من الحكم: من نحاسب؟ وماذا نحاسب؟

منذ تولي محمد السادس بدأت إرهاصات خطاب جديد يحاول تقديم مضامينه بنفس جديد وشكل جديد ووجوه جديدة هدفها إقناعنا بأن ثمة تحولا نوعيا يقع في المغرب، ويدللون على ذلك بالعديد من الخطوات والمبادرات والخطابات، وحتى الإشارات، ومع مرور الوقت بدأ الحماس لهذا التحول يخفت مختبئا وراء الإكراهات والعقليات والضغوطات والصعوبات، وحتى النيات.

بل يحاول البعض قسرا أن ينسب كل ما يراه إيجابيا للملك وحاشيته، وكل ما هو سلبي للحكومة والأحزاب، وكأن البلاد تسير بجهازين، أو كأن القيادة تنين متعدد الرؤوس.

لن نتحدث عن الاختصاصات المحتكرة من قبل الملك ومستشاريه، ولا عن الصلاحيات الهزيلة للحكومة، ولا عن الإرادة الشعبية المغيبة، فهذا صار أشهر من نار على علم، ولكن نتناول الموضوع من آخره لنطرح السؤال الحقيقي: من نحاسب؟ هل نحاسب الملك؟ أم مستشاريه؟ أم الحكومة؟ أم من؟

ما هو نطاق عمل كل جهاز؟ ما هي اختصاصاته؟ ما هي حدود صلاحياته؟ أين تتجلى مسؤوليته؟

وقد نتعمق أكثر في طرح الأسئلة فنقول: كيف نحاسبه؟ وماذا بعد المحاسبة؟

أزعم  اقتناعا وليس تحديا- أنه لا يوجد في بلادنا أو خارجها من يستطيع الإجابة عن ربع هذه الأسئلة، فأحرى أن يحلل الترابط والعلاقة بينها. فالملك مقدس، وكلامه منزه غير قابل للنقاش، ومبادراته تتدخل في كل شيء، ومستشاروه يصنعون كل شيء من وراء الستار دون أن يتركوا لذلك أثرا، والحكومة برمتها تعرف حجمها، والأحزاب تقبل الوضع طوعا أو كرها، والشعب لا يملك من أمره شيئا إذ حتى الفرصة الوحيدة التي يمكن أن يقيم فيها أداء المسؤولين تزور فيها إرادته، ولن نفصل أكثر لنقول بأنه محرم عليه طرق بعض المواضيع أو إبداء رأيه فيها. فلا يمكنه أن يقيم عمل الملك الذي يفعل كل شيء، ويتدخل في كل شيء، ولا يسمح للشعب أن يقول رأيه في الملك حول أدنى شيء. مفارقة غريبة عجيبة يزيدها غرابة وعجبا حداثيو آخر الزمان المدافعون عن هذا التصور.

أما الأمم الأخرى التي اقتنعت بالملكية واعتبرتها مكسبا تاريخيا وضمانة مستقبلية فقد حلت هذا الإشكال واهتدت إلى الشكل الذي توازن فيه بين حفاظها على الملكية والسيادة الشعبية والعمل بمقتضيات الديمقراطية.

لكل ما سبق نعتبر بأن تقييم حصيلة ما سبق تقييمٌ لأداء محمد السادس إيجابا وسلبا، وهو ما يحاول أن يتهرب منه البعض.

والسؤال الحقيقي: ماذا بعد التقييم؟ وماذا يتلو المحاسبة؟

هنا يسكت الجميع، وهنا يموه البعض فيلصق المسؤولية في من هو أضعف من الملك، فتارة يسمون الحكومة، أو الوزير الفلاني، أو المؤسسة الفلانية، وتارة أخرى يلصقونها بأشباح فيتحدثون عن لوبيات الفساد، وجيوب مقاومة التغيير و… هلم جرا. وفي كل ما سبق هروب من الموضوع، والتقييم هنا مناورة وتخدير فقط، لأنه يفتقد الصراحة والشجاعة والإجرائية. ولا جدوى من كلام لم يجد إلى العمل سبيلا، فقد مضى زمن “قل كلمتك وامش”.

ست سنوات من الحكم: إجماع بالتعليمات

ظل الاختلاف حول تقييم حصيلة طيلة السنوات الخمس السابقة سيد الموقف، وهو اختلاف بيّن وصل إلى حد التناقض، ومن حسن حظنا أن التقييم هذه السنة تزامن مع خطاب ملكي من شأنه “تقريب الشقة حول هذا الأمر .. إنه خطاب الملك المفاجئ يوم 18/05/2005 حين زف فيه إلى الشعب المبادرة الوطنية للتنمية الشاملة بعد حديث عن واقع مرير تتخبط فيه البلاد ويدفع ضريبته العباد، وأشار بأنها وضعية غير مقبولة. ولكن ماذا بعد ذلك؟

يذكرنا هذا الخطاب بخطاب سابق سنة 1995، كما تذكرنا تلك النبرة بما قد سبق وقاله الحسن الثاني “قرأت تقرير البنك الدولي فوجدت فيه أرقاما تجعل كل ذي ضمير لا ينام”. حصل آنذاك الإحساس بالسكتة القلبية، لكننا للأسف بعد أزيد من عقد من الزمن ما زلنا نردد نفس الكلام.

الإحساس وحده لا يكفي. أين المشكل إذن؟

الإرادة المنفردة داء عضال

في 1995 أحس الملك بالأزمة، وتكفل وحده بتشخيصها ووصف الدواء لها واختيار ممرضها فكانت النتيجة عكس المرجو: ارتفاع الفقر والبطالة، وتزايد حدة القمع وانتهاك الحريات، وتراجع في الاستثمارات و… والبقية يعرفها الجميع، ويدفع ضريبتها الجميع، ويعاني من ويلاتها الجميع.

الإحساس بالمشكل ليس إلا جزءا من الحل، وليس إلا مرحلة من مراحل العلاج، وتشخيصه مرحلة حساسة عليها ينبني العلاج.

انفرد الحسن الثاني بالأمر فكانت النتيجة عكسية، وينفرد اليوم خلفه محمد السادس. فماذا ننتظر؟

لن يتحمس الشعب وقواه الحية للمشروع، وربما تكون لهم رؤية أخرى لسبب ما نعانيه، وربما يتوفرون على حلول أخرى أكثر نجاعة.

هذا أمر أساس وحساس يجب التنبيه إليه في التقييم، لأنه مرتبط بمنهج في التعاطي مع الشأن العام، شأن الجميع، شأن العباد والبلاد والجماد.

لكن الملاحظ أن الجميع كان غائبا، أو مغيبا، فالخطاب أعلن عنه في اللحظات الأخيرة، ومضمونه كان مجهولا من قبل الجميع.

هل تسير البلاد بإرادة منفردة؟ هل تعالج الأوضاع بإرادة منفردة؟ هل يخضع صاحب هذا الاختيار للمحاسبة؟ هل يقبلها؟

وصلنا إذن إلى بعض المداخل الحقيقية والمفصلية.

لا علاج لأوضاعنا طالما لم يشرك الجميع في حوار وطني مفتوح بجدول عمل يراعي سلم أولويات غايتها خدمة الشعب وليس خدمة فئات معينة، وهمها مصلحة البلاد وليس مصلحة شيء آخر. والحل لن يكون مجديا إن لم يكن جماعيا.

وماذا بعد؟

قدرنا أن تمر ست سنوات لنصل إلى إجماع قسري بأننا أخطأنا الطريق إلى الحل، وأنه لا يكفي للعلاج كلام رنان أو شعار طنان، فماذا بعد؟

سنكون محظوظين إن فتحنا الحوار الحقيقي، وسنتعظ مما سبق إن نحن ركزنا جدول عملنا على القضايا الحقيقية وفق سلم أولويات يراعي انتظارات الشعب وتحديات الواقع وطموحات البلاد. وإلا فإنه العبث وتسويق الأوهام وتخدير الأحاسيس.

الرجاء أن يتحمل الكل مسؤوليته، ويعلن في جو من الوضوح والصراحة عن رأيه ورؤيته، ويختار طوعا، لا كرها، موقعه، ويحدد موقفه لصناعة ميزان قوى جديد يعكس حقيقة آمالنا ويفرض على الفئات المنتفعة الطاعمة الكاسية على موائد المخزن وضعا جديدا. أملنا كبير، والأمل في الله أكبر لأنه ناصر المستضعفين وقاهر الجبارين وكاشف المتخاذلين وفاضح المنافقين.