بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا. إنك على كل شيء قدير). اللهم اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. سلما لأوليائك وعدوّاً لأعدائك. نحب بحبك من أحبك. ونعادي بعداوتك من خالفك.

الأدب لغة هو الدعوة والجمع والتعليم. فمن اجتمعت فيه خصال الدعوة إلى محامد الأفعال والأخلاق والنيات، وتحلى بمجامعها، وتعلمها ثم علَّمها فذاك الأديب.

والأدب في اصطلاح الصوفية وأهل السلوك عبارة عن حفظ آداب الحضرة الإلهية. وقد افتتح الأستاذ القشيري “باب الأدب” من رسالته بقول الله عز وجل عن نبيه وعبده محمد صلى الله عليه وسلم في معراجه وقربه من ربه: (ما زاغ البصر وما طغى)(سورة النجم، الآية: 17) فعد ثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام الأقدس وطمأنينته أدبا. وعلق ابن القيم رحمه الله على صنيع الأستاذ فأحسن التعليق. قال: “لم يتجاوز البصر حده فيَطغَى، ولم يمِلْ عن المرئي فيزيغَ. بل اعتدلَ البصرُ نحو المرئي، ما جاوزه ولا مال عنه كما اعتدل القلبُ في الإقبال على الله، والإعراض عما سواه. فإنه أقبل على الله بكليته.(…) وهذا غاية الكمال في الأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه (…)

وقال: “فلم يزل صلى الله عليه وسلم في خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه وتكميل مراتب عبوديته له حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين. فانصبَّت إليه هناك أقسامُ القرب انصبابا، وانقشعت عنه سحائب الحُجْب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا. وأقيمَ مقاما غَبَطه به الأولون والآخرون. واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله، ما زاغ البصر وما طغى”. [1]

قلت: وفي هذا المقام الأسنى والدرجة العليا علمه ربه عز وجل وكلفه وشرفه، تتميما لتعليم الوحي لمَّا كان في الأرض وبعد أن رجع إليها. فاجتمع فيه صلى الله عليه وسلم كمال العلم وكمال المحامد، وعلم أمته فأحسن التعليم كما علمه ربه وأدبه. روى ابن السمعاني عن ابن مسعود رضي الله عنه بإسناد صححه السيوطي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”.

فأدَبُ أتباعه صلى الله عليه وسلم يبتدئ وينتهي عند اتِّباعه صلى الله عليه وسلم فيما بلغ عن ربه عز وجل، مع محبته وطاعته. فالأدب بهذا المعنى هو الدين كله، يشمل آداب القول والفعل والتخلق والنية. يشمل آداب المسلمين والمومنين والمحسنين السالكين، كلٌّ على حسب مدرجته وحظه من الله ومن العلم بالله، يشمل الأدب مع الله عز وجل ومع رسوله الكريم ومع الخلق كافة.

يتعين على السالكين إلى مقامات الإحسان وفيها يقظة خاصة حتى يؤدوا مراسيم العبودية مما فرضهُ الله عز وجل وندب إليه ونهى عنه وكرهه بالدقة التي يحرسها الورع، ويُجَلِّلها في القلوب الحضور الدائم مع الله عز وجل، ويوفِّيها هضم حق النفس الزائغة الطاغية بطبعها وهواها ليُصان حقُّ الله وحق عباد الله.

الأدب إحسان يلُفُّ سلوك السائر إلى الله عز وجل، المتقرب إليه سبحانه بالفرض والنفل، وبالنية الصادقة الواثقة في أن يُوَفِّيَ له الله تبارك اسمه ما وعد. يكتنف الأدبُ أقوال المريد الصادق الواثق وأفعالَه وأخلاقَه وخلجات قلبه في علاقته بالمصحوب الذي يدله على الله، وعلاقته بالجماعة المرافقة له في الطريق، وعلاقته بالله عز وجل في الصلاة والذكرِ وسائر العبادات. منبع هذا الأدب القلب ورقيق معاملته وصادق تحبُّبِه ومجاملته. فإن كان في القلب بقايا من جفاء وجفوة، أو سطا عدوان النفس الهَلوعة المنوعة على فَيْضات القلب فكدَّر منها الصفو وأزعج منها الانبعاثَ، فيرد هذا السالك إلى سياسة نفسه في صفوف العوام لِسوء أدبه.

العبد السالك بين طاعة ونعمة توجبان الشكر، وبين قضاء وقدر يلزم معهما الصبر، وبين معصية وتقصير وغَفلة طارئة يفر منها إلى الله العزيز الغفور بالتوبة المجددة والاستغفار. فهو في كل حالاته متنقل لا يستقر من شعور لشعور، ومن حركة لحركة، ومن لفظ لسان إلى خَفْق جنان. كل هذا في عبادة لا تنقطع، يرجع دائما من الله إلى الله، شأن الذاكر الدائم على صلاته، المحافظ على دقائق أوقاته.

وقد تكلم المشايخ في الأدب كلاما يعود في جملته إلى قهر النفس والمعاملة القلبية مع الله عز وجل. قال سعيد بن المسيَّب التابعي الجليل: “من لم يعرف ما لله تعالى عليه في نفسه، ولم يتأدّبْ بأمره ونهيه، كان من الأدب في عزلة”. وقال عبد الله بن المبارك: “نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم”. وقال أيضا: “الأدب للعارف كالتوبة للمُستأنِف”.

وقال عالم الصوفية الشيخ سهل بن عبد الله التستُري: “من قهر نفسه بالأدب فهو يعبُد الله تعالى بالإخلاص”. وقال: “استعانوا بالله على أمر الله فصبروا على أدب الله تعالى”.

وقال ابن عطاء: “الأدب الوقوف معَ المستحسنات”. قيل له: وما معناه؟ قال: “أن تعامل الله تعالى بالأدب سرا وعلنا. فإذا كنت كذلك كنت أديبا وإن كنت أعجميّاً”.

وقال أبو علي الدقاق: “ترْكُ الأدب موجب يوجب الطرد، فمن أساء الأدب على البساط رُدَّ إلى الباب، ومن أساء الأدب على الباب رُد إلى سياسة الدواب”.

وذكر أبو نصر الطوسي السَّرّاج أدب الناس فقسمهم ثلاث طبقات: أهل الدنيا، وأهل الدين، وأهل الخصوصية. قال: “فأما أهل الدنيا فأكثر آدابهم في الفصاحة والبلاغة وحفظ العلوم وأسمار الملوك. وأما أهل الدين فإن أكثر آدابهم في رياضة النفوس وتأديب الجوارح، وطهارة الأسرار وحفظ الحدود، وترك الشهوات، واجتناب الشبهات، وتجريد الطاعات، والمسارعة إلى الخيرات”.

قال: “وأما أهل الخصوصية فأكثر آدابهم في طهارة القلوب، ومراعاة الأسرار، والوفاء بالعهود، وحفظ الوقت، وقلة الالتفات إلى الخواطر، وحسن الأدب في مواطن الطلب وأوقات الحضور ومقامات القرب”.

قلت: وكلما ارتقى العبد في سلم المعرفة بالله عز وجل كانت تكاليف الأدب وضبط النفس عليه أدقَّ وأرقَّ. وقد قال يحيى بن معاذ. “إذا ترك العارف أدبَه مع معروفه فقد هلك مع الهالكين”. ولخَّص الموقف النفسيَّ القلبيَّ للسالك خير تلخيص شيخ الإسلام ابن القيم فقال عن حالة الفتح وأخطار سوء الأدب فيه: “مواهب الرب تبارك وتعالى تنزل على القلب والروح، والنفس تسترق السمع. فإذا نزلت على القلب تلك المواهب، وَثَبَتْ لتأخذ قسطها منها، وتُصَيِّرَه من عُدَّتها وحواصلها. فالمسترسلُ معها، الجاهل بها، يَدَعُها تستوفي ذلك.

قال: “فبينا هو في موهبة القلب والروح وعُدة وقوة له، إذ صار ذلك كله من حاصل النفس وآلتها وعُدَدِها. فصالت به وطغت، لأنها رأت غناها به. والإنسان يطغى أن رآه استغنى بالمال، فكيف بما هو أعظمُ خطرا وأجـل قدراً من المال بما لا نسبة بينهما من علم أو حال أو معرفة أو كشف. فإذا صار ذلك من حاصلها انحرف العبـد به -ولا بد- إلى طرَفٍ مذموم من جُرْأة أو إِدْلاَلٍ ونحو ذلك”.

قال: “فوالله كم ههنا من قتيل وسليب وجريح يقول: من أين أُتيتُ؟ ومن أين دُهيتُ؟ ومن أين أصِبْتُ؟ وأقلّ ما يعاقب به من الحرمان بذلك أن يُغلق عنه باب المزيد.

قال: “ولهذا كان أرباب البصائر إذا نالوا شيئا من ذلك انحرفوا إلى طَرَفِ الذُّلِّ والانكسار ومطالعة عيوب النفس، واستدعوا حارسَ الخوف، وحافظوا على الرباط بملازمة الثغْر بين القلب وبين النفس، ونظروا إلى أقرب الخلق من الله عز وجل وأكرمِهم عليه وأدْناهم منه وسيلةً وأعظمهم عنده جاها، وقد دخل إلى مكة يوم الفتح وذقَنُه تمس قربُوسَ سَرْجه انخفاضاً وانكسارا، وتواضعا لربه تعالى في مثل تلك الحال التي عادة النفس البشرية فيها أن يملِكهَا سرورُها، وفرحها بالنصر والظفر والتأييد، ويرفعها إلى عنان السماء.

قال: “فالرجل من صان فتحه ونصيبه من الله، وواراه عن استراق نفسه، وبخل عليها به. والعاجز من جاد لها به. فياله من جود ما أقبحه، وسماحة ما أسفه صاحبها. والله المستعان”. [2]

قلت: لوجود علة النفس الميَّالة للفرح بزينة الدنيا وللطغيان إذا استغنت خاف المشايخ المربون على السالك أن توقفه عن السير وتزيغه عن القصد بوادر الفتح إن فاجأته قبل أن تزكُوَ نفسه وترتفع عن المطالب الدنيا. وكل ما سوى وجه الله عز وجل دون، ولو كان من علوم الغيب والكشف والكرامة. قال المشايخ رضي الله عنهم “من سبق فتحه جهاده لنفسه لا يأتي منه رجل”.

وقال الإمام عبد القادر رضي الله عنه: “يا قومُ. دعوا عنكم الهوسات والأمانيَّ الباطلة. (…) اِخرَسْ أنت. فإن أراد الله عز وجل منك النطق فهو ينطقك. إذا أرادك لأمر هيأك له. صحبتُه (سبحانه والأدب معه) خرسٌ كليٌّ. فإذا تم الخرس يجيء النطق منه إن شاء أو يديم ذلك إلى حينِ الاتصال بالآخرة.

“وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من عرف الله كلَّ لسانُه”. يَكِلّ لسان ظاهره وباطنه عن الاعتراض عليه في شيء من الأشياء. يصير موافَقَةً بلا منازعة. يُعْمِي عينيْ قلبه عن النظر إلى غيره. يتمزق سرُّه، ويتلاشى أمرُه، ويتفرق ماله، ويخرج من وجوده، ويخرج من دنياه وآخرته. يذهب اسمُه ورسمُه. (ثم إذا شاء أنشره).

“يوجِدُه بعد الفقد، يعيده خلقا آخر، يفنيه بيد الفناء، ثم يعيده بيد البقاء ليطلب اللقاء. ثم يعيده ليدعوَ الخلق من الفقر إلى الغنى. الغنى هو الغنى بالله عز وجل والاتصال به. والفقر هو البعد عن الله عز وجل والاستغناء بغيره. الغَنِيُّ من ظفر قلبه بقرب ربه عز وجل، والفقير من عدِمَ ذلك”. [3]

قال حائر في سيره، مدهوش لما رأى من أمره:إن كنتُ أدْرِي من أين آتي *** وأيـن مـن حَيْـرَةٍ أمُـرُّ

فأنت يا مركبـي حبيـسٌ *** ويا غلامـي فأنـت حُـرّ

وقال هائم في بحار الأنوار:تعَرَّضْ نَسِيما هَبَّ مـن أَرضِ نُعمـان *** لِيحيَى به ما مات مـن قلـب هَيْمَـانِ

وقف عن يمين الروح من جانب الحِمَى *** وقـوف ذليـل هائـم القلـب حَيْـرَان

ونـاد: سـلام الله يـا بانـة الحِـمَـى *** عليك ومن لي بالسلام علـى البـان!

وقـل إن رآك الواشِـيَــان مُدَلَّـهـا *** ضَلَلْتُ علـى النهج القويـم فدُلاَّنـي

فـإن شئتمـا قتـلا فهـا أنـا صابـرٌ *** وإن شئتمـا أسْـرا لديكـم فشُـدّانـي

لعـلهـمُ أن يسمـعـوا لــك أَنَّــةً *** فنادِهمُ: صفـحَ الكـرام عـن الجانـي

وقال طيَّار على رفرف العناية ما عرف الخلقُ مَسْرَاهُ:تَسترتُ عن دهري بِظلِّ جناحـه *** فطرفي يرَى دهري وليس يرانـي

فلو تسألُ الأيامَ ما اسْمِيَ ما دَرَتْ *** وأينَ مكاني؟ ما عرفـن مكانـي

وقلت:كَبِّرِ اللّه واعْـزِم *** واقتَحمْها لا تُحجِم

ومَـعَ اللّه فاتَّخِـذْ *** عَهْدَ عَبدٍ مُسَلِّـم

وتأدَّبْ بشرعِـه *** وتوكَّـل وأقْـدِم

الهوامش:

[1] مدارج السالكين ج 2 ص 383.

[2] مدارج السالكين ج 2 ص 394.

[3] الفتح الرباني ص 172.