لا نريد الشر! هذا هو الشعار عندنا في المغرب الأقصى، وهذا ما تحاول جماعة العدل والإحسان أن تبلغه لكافة الناس وتَحْملهم عليه وترسخه لديهم ثم تستنهضهم للصدع به، فهل من مُسعف في ما تحاوله الجماعة !؟

إن من يرجع إلى كتابات الأستاذ عبد السلام ياسين، وإلى بيانات الجماعة وتصريحات قيادييها يستطيع أن يقف على عدة أفكار تهم الشأن العام في بلدنا، وخاصة السياسي منه.. حالته الراهنة، إكراهاته وتقلباته، والمنحى الذي يتخذه.. ويجد في ثنايا تلك الكتابات عناصر عامة وخطوط عريضة لاقتراح ومبادرة الجماعة الهادفة إلى إنقاذ البلاد من الغرق وتداركها، ثم إعادة التوازن المفقود إلى المشهد السياسي أولا، وتصاحبه وتليه التوازنات الأخرى التي تهم المجالات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والتربوية..

مرحلة أخرى..!لا شك أن الجماعة تتهيأ ويتهيأ معها المغرب لاستقبال مرحلة جديدة، وإني أستغرب لمن يعتبر أنها قد دخلت في سبات عميق، فمن يصنع الحدث في البلاد إذن؟ ومن يفتح الأوراش الكبرى والهامة للنقاش والحوار وإبداء وجهات النظر في أهم وأدق شؤون المغرب وأبناء المغرب؟

جماعة العدل والإحسان لم تتغيب عن الساحة أبدا، بل شَكْل حضورها وأسلوب تدبيرها للشأن العام لا يروق لبعض الذين استبيحت عذريتهم السياسية، بل أقول فرطوا فيها وزهدوا، مقابل حضور محتشم مقيد وموجه.

البعض ينتظر من الجماعة أن تحذوَ حذوه في السلوك والممارسة السياسية، ويَعيب عليها أنها مازالت تحافظ على عذريتها، ويرى أن لا راحة له ولا أمان حتى تستوي معه الجماعة في كل شيء مغنما كان أو مغرما، وتنخرط في كل أشكال المبادرات التي يقترحها النظام المغربي فتصطبغ بما اصطبغت به كل الأطراف السياسية المشاركة في اللعبة السياسية، ألا وهي صبغة الموالاة والمهادنة للنظام على علاته وأخطائه وعيوبه، في غفلة عن تطلعات وانتظارات الشعب المغربي الغارق في الغفلة والفقر، المنهمك في تدبير قوت يومه بالكد المتواصل، وفي مواجهة الغلاء الفاحش في كل شيء مع قلة ذات اليد، وكثرة متطلبات العيش من مسكن وتعليم واستشفاء وتدابير ضمان المستقبل.

المهم أن تنخرط الجماعة وتشارك في اللعبة التي اقترحها النظام ورسم خطتها، ووضع وأرسى قواعدها ورفع أعمدتها ثم أحكم بناء سقفها.

إن حضور جماعة العدل والإحسان في المشهد السياسي، كان له أكثر من لون وأكثر من شكل، وقد اصطبغ دائما بصبغة الحوار الهادئ الرصين والمسؤول، وهي لم تكف عن دعوة كل الفاعلين السياسيين في بلدنا إلى مائدة الحوار للتفكير معا في سبل إنقاذ المغرب من المشاكل الكبرى التي تعرقل التغيير والإصلاح، وتعترض جهود التحديث والتنمية فيه، لكن معظم هذه الأطراف كان ردها هو الرفض، معللة ذلك بكون أن سقف اختياراتها واقتراحاتها ومبادراتها مسدود ومحدود سلفا، فلا يمكن إذن أن تشارك في حوار وتنسيق مع الجماعة التي لا تلزم نفسها بأي قيد أو سقف، إلا سقف الحرص على مصلحة الأمة، وهذا السقف لا يمكن أن يُفرض على الأمة من أي كان بدعوى أن أجدادنا رحمة الله عليهم قد اختاروا لنا وحددوا لنا ورضوا لنا منذ قرون خلت!

هَرْج ونفاق..!إن تصريحات الأستاذة ندية ياسين ما كان لها أن تبلغ ذلك الشأن، وتُحْدث كل ذلك الهرْج لو أن الطبقة السياسية المهتمة أدرجتها ضمن الإطار العام الذي يوجه فعل جماعة العدل والإحسان ويؤطر مبادراتها، أو أنها على الأقل تناولتها بالنقد المسؤول والبناء الذي يستند إلى اقتناع لدى مختلف أطيافها بأن الأستاذة لم تقل بهتانا ولم تأتي زورا.

المعترضون والرافضون لتصريحات ندية ياسين، شكلا ومضمونا، سارعوا مهرولين إلى عقد اجتماعات مكاتبهم الوطنية التي راحت تصدر بيانات، وتُسَرب مقالات وقراءات في تصريحات الأستاذة، أقل ما يمكن وصفها به هو أنها تشكل وتتضمن تحاملا واضحا وجليا على المرأة السيدة الحرة، وعلى والدها الأستاذ عبد السلام ياسين وعلى جماعة العدل والإحسان.

وحينما بحثت في تلك البيانات والمقالات والردود… لم أجد فيها ما يوحي بأن أصحابها يوجههم الحرص على حق المواطن المغربي في المعرفة والإطلاع وتلقي الخبر من مصادر ومنابر مستقلة وغير موجهة، والوعي بواقعه والآليات المتحكمة في حاضره ومستقبله، ودفع كل ما قد يشوه ذلك الخبر ويشوش عليه.

بل هو النفاق السياسي! هذا ما أعنون به تلك الإصدارات والردود. فلو كان أصحابها صادقين لهبوا غاضبين ورافضين للمس الخطير الذي يطال الشعب المغربي قاطبة، في دينه.. عقيدة وشريعة، وفي أمنه واستقراره، وفي ثرواته وماله، وفي مصيره ومستقبل أبناءه الذين ينتحرون بالمئات هربا من جحيم الفقر والحاجة والجوع والمرض والتهميش وإهدار الكرامة..

ألا تستدعي الأوضاع الكارثية التي يعيشها المغاربة، ولست في حاجة إلى بسط أشكالها ومظاهرها وعرض أرقامها وإحصائياتها.. فقد أزكمت منها الأنوف، ألا تستدعي هذه الأوضاع انتفاضة كرامة يؤطرها هؤلاء الذين يَدّعون الدفاع عن المؤسسات والمقدسات والذود عن المصلحة العليا للبلاد؟

أليس انتشال أطفالنا من الضياع والتيه والغربة عن الدين والوطن داخل الوطن هو عين المصلحة العليا؟

أليس حفظ وصيانة كرامة وآدمية المواطن المغربي من الذل والمهانة، وضمان لقمة خبز تقيم عُوده وركنا يأوي إليه من القَر والحر.. هو من أسمى المصالح التي عاهدوا الله والناس على رعايتها؟

أم أن مصلحة البلاد العليا لا تعني في نظر السياسويين في بلدنا إلا ما له علاقة بالملك وقداسة الملك؟

ألا فلْيَعلم هؤلاء الكاذبون المخادعون لأنفسهم ولملكهم وللناس أجمعين.. أنه لا بقاء لعهد مهما حرص صاحبُه وصنائعُه، في ظل أوضاع لا ينعم فيها الناس بالأمن والاطمئنان على أنفسهم وعلى أموالهم ومستقبلهم..

لا بقاء لأمة.. وجيل المستقبل بين ضائع وغارق في الجهل والجوع والمرض.. لا يَسْتَنْبِتُ إلا نكدا ولا يورث إلا كَمَدا وعنفا وغضبا وانهزاما..

كيف يُرْجا من جيل مُغَيب مَنْسِي ومهمش.. أن يُقِر بمعروف والبئر ُالتي يسقي منها عطشه كَدُود!؟

وكيف يُؤمل منه أن يستجيب لنداء البذل والأرض التي يطلب منها قوته كَنُود!؟

عجبا كيف يحجب ويخفي هؤلاء السياسويون، صنائعُ القصر، حقيقة واقع المغرب عن أبنائه!

عجبا كيف يوهِمون الشعب بأن بلدهم بخير وعافية، ولا تلزمه إلا بعض العمليات الجراحية السطحية البسيطة، من قبيل إصلاح بعض فصول الدستور، ليخرج في صبغة ممنوحة جديدة، منقحة ومزيدة، وقليل من الإصلاحات التكميلية والتحسينية في بعض القطاعات، ولا بأس في شيء من الصرامة في سبيل تخليق الحياة العامة، وفي بعض الحملات لزجر الفساد الإداري ومحاربة الرشوة والمحسوبية، وسن القوانين لمتابعة ومحاكمة – خِراف الفِدْية – الذين يُوَرطون في بعض العمليات المدبرة والمفبركة في نهب بضعة آلاف الدراهم من المال العام!

استبداد الطبائع.. !لا عجب! فكما أن لِلاستبداد طبائع، فإن للطبائع استبداد وتحكم أيضا بنفوس الناس وعقولهم، يمنعهم تمكنُها منهم، ووَهْمُ الخوف من رفضها أو الرغبة في الانتفاض ضدها.. من مجرد التفكير بأن تغيير ما بهم أمر ممكن.. وهكذا استبد بالناس طبع الخضوع والخنوع، وألزموا به أنفسهم حتى صاروا لا يجرؤون على التحرر منه أو تصور واقع أفضل من الذي يعيشونه.

المغاربة اليوم محكومون بما يكتسبونه من أحوال الطور الذي يعيشونه. فلا غرابة أن تجد الحكام ينزعون إلى الانفراد بالسلطة، يعينهم على ذلك صَنائِعُهم، حُراس العهد وخُدام الأعتاب.. ولا غرابة بعد ذلك أن تجد باقي الشعب مُنْزَو في ركن ينشد السلامة والعافية!

يقول ابن خلدون في مقدمته: “اعلم أن الدولة تنتقل في أطوار مختلفة وحالات متعددة ويكتسب القائمون بها في كل طور خُلقا من أحوال ذلك الطور” (ص 175).

وهذه الأطوار يقول ابن خلدون لا تعدو في الغالب خمسة وهي:

1 – طور الظفر والتمكن وخلاله يحرص صاحب الملك على إشراك أنصاره في الأمر.

2 – طور الاستبداد بالقوم والانفراد دونهم بالملك واصطناع الرجال والتضييق على عامة الشعب.

3 – طور الفراغ والدعة وتحصيل ثمرات الملك وإثقال كاهل الناس بالضرائب من أجل التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه (مقدمة ابن خلدون ص 175).

4  طور القنوع والمسالمة، والزهد في الاستزادة أو التوسع، بل التنكب والتخلي عن استرجاع واسترداد ما كان في حوزته من مال وأرض، حتى لا يستعدي من سالم من أنظاره من الحكام.

5  طور الإسراف والتبذير في سبيل الشهوات والملذات، والكرم على بطانته واصطناع أخدان السوء وتقليدهم عظيمات الأمور منحيا ومهمشا الكبار من قومه وصنائع سلفه، حتى يستحق ضَغينَتَهم ويَسْتَوْجبَ سَخَطَهم، فيدفعون إلى حتفه وخراب ملكه إذا خلا العصر من معارضين، ويمسكون ويتخاذلون عن نصرته إذا دنا منه الخطر..

وفي هذا الطور، يقول ابن خلدون، تحصل في الدولة طبيعة الهَرَم ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلص منه إلى أن تنقرض. (ص 176).

فهذه الأطوار التي بَينها ابن خلدون، تجري على كل دولة في كل زمان ومكان، تنبت فيها طبائع وأخلاق وأحوال واقتناعات.. تتمكن من الناس، وتصير واقعا كأنه قدر محتوم لا سبيل إلى الخلاص منه. فيمسكون عن السعي إلى التغيير، ويصير مبلغ مطلبهم هو الحفاظ على الوضع القائم بأقل التضحيات التي يمكن تصورها، وبأقصى الإصلاحات الممكنة، والتي تستقر ما دون مطلب التغيير الجذري الهادئ.

وإذا قام قائم وحاول أن يَخرق ذلك السقف الوهمي، ويحطم ذلك الجدار المصطنع، ويُفند أكذوبة الخطوط الحمراء التي لا ينبغي لأحد تخطيها أو الاقتراب منها، وهو في نظري مبلغ ما قامت به الأستاذة نادية ياسين، انتفض حُراس كل ذلك الهَبَلِ وأَزْبَدوا وأَرْعَدوا.. كأن مسا من الجن قد أصابهم! ويا ليتهم ينفعلون ويتفاعلون بنفس الدرجة مع باقي قضايا الشعب المغربي!

الاستبداد كما عرفه الكواكبي هو صفة السلطة المطلقة العنان، التي تتصرف في مصير الشعب بلا حسيب ولا رقيب.. وهذا المنطق قَلَب في نظر الكواكبي الغاية من اتخاذ الناس للحاكم، وهي السهر على مصالحهم وخدمتهم، فأضحى الناس هم الذين يخدمون الحاكم، فاستحال مَيْلهم الطبيعي إلى نيل وبلوغ العُلاوَةِ إلى الرضوخ تحت وطأة المذلة والرضى بالسُّفالة!

ما نعيشه يا مغاربة القرن الحادي والعشرين هو استبداد الطبائع بنا وبواقعنا، الناشئ عن طبائع استبداد حكامنا منذ قرون خلت إلى يومنا هذا.

فبسبب طول مكوث واقع الظلم وحالة التراجع والهوان، وسيطرة وهم الخوف والخشية من الحاكم وصنائعه..خَتَمَت على قلوب وعقول ونفوس جيل بعد جيل، طبائعُ الاستسلام والتسليم والرضى بواقع الحال، دون أن يتحمل جيلٌ عناء نفض غبار ذلك الواقع الوهم عن حاضره ومستقبله.

هكذا وبدون تفكير أو تقليب لصفحات تاريخنا وتاريخ غيرنا من الأمم والشعوب، وبفعل تدبير ومكر أجهزة المخزن قديما وحديثا التي تتقن دائما حبك المشاهد وتوزيع الأدوار والمواقع..استبد بنا طبع القنوع وإعطاء الدنية من أنفسنا والنظر إلى الحاكم على أنه السيد المبجل على الدوام وإن أخطأ وظلم!

تحرير الإنسان.. !قد يعترض معترض ويدعي أنه وارث جيل “مُنَور” ناضل وكافح من أجل تخليص الشعب المغربي من حبال الظلم والاستبداد، وأنه حقق مكتسبات لا يمكن إنكارها، وأن المغاربة اليوم يجنون ثمرات ذلك النضال ويعيشون أفضل وأحسن الفترات تحديثا وديموقراطية وتوسيعا لهامش الحريات وانفتاحا في تاريخ المغرب.

يخطئ هذا ويهذي في ادعاءه لأن الواقع يكذب ما يقول، ولأن العنصر الذي ينبغي أن توجه إليه ومن أجله كل جهود الإصلاح والتغيير والتنمية والبناء، وهو الإنسان، لم يلتفت إليه أحد بعد.

الإنسان المغربي هو هدف كل تنمية وتغيير، فتغييب هذا الهدف وطرحه من الاعتبار ونحن نحاول تغيير ما بنا، لاشك أنه يصعب المأمورية، بل ويجعل نجاحها من سابع المستحيلات.

والتغيير الذي ينبغي أن يستهدف الإنسان لا ينحصر في برامج التنمية البشرية التي تركز أساسا على الجانب المادي الاقتصادي والاجتماعي للفرد، فرغم أهمية هذا الجانب، إلا أنه يبقى قاصرا عن تحقيق التوازن المطلوب في حياة المواطن.

نعم الفقر قَيْدٌ والجهل ظُلْمَةٌ يُبقيان صاحبَهما في غيابات سجن الاستبداد، وتحرير الإنسان من ذلك السجن لا يمكن أن يتحقق بضربة لازب، ولا بمخطط وبرنامج أقصاه بضع سنين.

إن توالي أجيال الدَّعَة والسكون والقُنوع بالأسافِل، يجب أن تتوالى إزاءه أجيال اليقظة والقوة وطلب المعالي، يكون منطلقُها نحو التحرر هو اعتمادها على الله أولا وتعلقها به سبحانه، والاستعانة به في المنشط والمكره، والاتباع التام لخير الأنام سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

فإن خَلَتْ برامج ومشاريع أية مبادرة في هذا الاتجاه في بلدنا من هذا المنطلق، خلت من أية إمكانيات لبلوغ المرام.

وأنى للبرامج التي تسطرها حكومتنا أن تتضمن: “قال الله تعالى وقال رسوله صلى الله عليه وسلم” وهي ما فتئت تقلص وتأتي على البقية الباقية من أي أثر لتلك المضامين في مناهج تعليمنا.

إن الرصيد النضالي الذي قد يحتج به المعترض هو ذلك الركام من إخفاق وفشل المحاولات الانقلابية التي كانت تفاجئ النظام في وقت من الأوقات كما تفاجئ الشعب المغربي الغافل.

انقلابات وثورات ما كان لينشأ عنها إلا واقعا أسوأ من الذي كان يعيشه المغاربة، لأن الذي أُسس على الفوضى والعنف لا يمكن أن يعيش ويستمر ويقتات إلا على الفوضى والعنف.

والمغرب في حاجة إلى يقظة وقوة بناء في رفق وتؤدة، وليس في حاجة إلى هدم عنيف على عجل.

فالفوضى شر، والعنف شر، والعجلة شر.. والله لا يريد بنا شرا.

والبناء السوي الراسخ يؤسَّسُ له على أرضية صلبة بنيتُها، متماسكة مكوناتُها، ضاربة في الأعماق أصولُ طَبقاتِها.. وهذا البناء حينما نَعمَد إلى توسيع آفاقه، ورفع أعمدته وطوابقه لتلامس السحاب، لابد أن ينهض له كل ذي ساعِدِ مروءة وإرادة، وكل ذي ساقِ جِد وصدق وغيرة على مصير هذا الوطن الحبيب.

ومبدأُ هذا المسعى أن نُعبر جميعا عن استعدادنا الدائم بأن نقول، بصوت واحد، وبنية وإرادة واحدة، وبقصد وتوجه واحد.. ما اعتبره الكواكبي المهمة الرئيسية للمضطهِدين.. “أننا لا نريد الشر”!