الرباط هو الإقامة في الثغور، وهي الأماكن التي يخاف على أهلها من أعداء الإسلام، والمرابط هو المقيم فيها المعد نفسه للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن دينه، وإخوانه المسلمين. شرع الله تعالى الرباط في سبيله وحراسة الثغور حتى لا يؤتى المسلمون وهم على غفلة من أمرهم وحتى يتم ردع كل من تسول له نفسه قتال المسلمين فيعلم أنهم متيقظون له وليسوا بغافلين عنه وأنهم يعلمون ما يدور حولهم, فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا. قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: فرض الله الجهاد لسفك دماء المشركين وفرض الرباط لحقن دماء المسلمين, وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين. هذا معنى من معاني الرباط. والمعنى الثاني تضمنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: {ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط”} رواه مسلم. قال ابن رجب: (وهذا أفضل من الجلوس قبل الصلاة لانتظارها، فإن الجالس لانتظار الصلاة ليؤديها ثم يذهب تقصر مدة انتظاره، بخلاف من صلى صلاة ثم جلس ينتظر أخرى فإن مدته تطول، فإن كان كلما صلّى صلاة جلس ينتظر ما بعدها استغرق عمره بالطاعة، وكان ذلك بمنزلة الرباط في سبيل الله عز وجل. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “مُنتظر الصلاة من بعد الصلاة كفارس اشتد به فرسه في سبيل الله على كشحة تصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم وهو في الرباط الأكبر”. فإذا كان المعنى الأول يفيد لزوم ثغر دار الإسلام مخافة أن يبطش بها العدو، فإن المعنى الثاني يفيد لزوم ثغر القلب حتى لا يهجم عليه الشيطان فيملكه، وهو مناسبة لتجديد الإيمان، ومحطة للتزود والإكثار، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ” وفي فترات متباعدة يجلس المومنون في رباط يعكفون فيه على ذكر الله عز وجل ليتجدد الإيمان وتتقوى العزائم”. إذن هما معنيان متكاملان يكمل أحدهما الآخر، ومترابطان لا يغني أحدهما عن الآخر. ولذلك سمي رباطا يتحقق فيه ربط النفس وكبح الشهوات والاستزادة في الطاعات بنية الجهاد والمجاهدة (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت : 69). وللرباط في سبيل الله فضائل عظيمة لا توجد في غيره من القربات إذ أنه أحد شُعب الإيمان ومن موجبات الغفران ومن هذه الفضائل: أولا: الرباط خير من الدنيا وما عليها فقد روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها}. ثانيا: الرباط من أفضل الأعمال فقد روى مسلم عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان}. وروى الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {رباط شهر خير من صيام دهر ومن مات مرابطا في سبيل الله أمن الفزع الأكبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله عز وجل}. ثالثا: أجر المرابط لا ينقطع بموته فعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كل ميت يُختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمي له عمله إلى يوم القيامة ويؤمَّن من فتنة القبر} رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم، وابن حبان في صحيحه وزاد في آخره قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {المجاهد من جاهد نفسه لله عز وجل} وهذه الزيادة في بعض نسخ الترمذي. وروى أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : {أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت : مرابط في سبيل الله ومن عمل عملا أجري له مثل ما عمل ورجل تصدق بصدقة فأجرها له ما جرت ورجل ترك ولدا صالحا يدعو فهو له}. رابعا: المرابط يؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة فقد روى ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من مات مرابطا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن من الفتان وبعثه الله يوم القيامة آمنا من الفزع الأكبر}. خامسا: المرابط يبعث يوم القيامة شهيدا فقد روى ابن ماجة وعبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من مات مرابطا مات شهيدا ووقي فتان القبر وغدي عليه وريح برزقه من الجنة و جرى له عمله}. سادسا: للمرابط في سبيل الله أجر من خلفه من ورائه روى الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: {سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الرباط؟ فقال من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين فإن له أجر من خلفه ممن صام وصلى}. وقال عثمان بن أبي سودة كنا مع أبي هريرة رضي الله عنه مرابطين في (يافا)  وهي مدينة معروفة في فلسطين المباركة  على ساحل البحر فقال أبو هريرة رباط هذه الليلة أحب إلي من قيام ليلة القدر في بيت المقدس. سابعا: رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل روى الترمذي والنسائي وابن أبي شيبة عن عثمان بن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل}. ثامنا: المرابط لا تمسه النار يوم القيامة فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : {عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله} رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: {عينان لا تمسهما النار أبدا عين باتت تكلأ في سبيل الله وعين بكت من خشية الله} رواه أبو يعلى ورواته ثقات والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: {عينان لا تريان النار}. وعن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها} رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.