لقطة (1)عندما زارت مدينة “يوسف بن تاشفين” بعد إلحاح كبير، ومقابل إغراءات لا حدود لها … قامت الدنيا ولم تقعد … رفعت عقيرتها … وحركت بطنها وفخذيها أمام الآلاف منهم … أغمي على بعضهم من هول الشوق و الإعجاب … وعلى بعضهم الآخر من فظاعة الزحام … أخبرتهم أنها كانت لا تعرف شيئا عن بلاد “الأولياء” هذه … وأنها ستظل تحتفظ بهذه الذكريات الغالية … غادرت بعدما انتشر “تقليد العجرمة” في أوساط المراهقات والراشدات على السواء … وبعدما وفوا بوعودهم … فقد أضيفت أصفار عديدة إلى حساب رصيدها البنكي …

وفي مساء ذات اليوم … أطلت مذيعة وديعة على الشعب المغربي الأبي عبر القناة الوديعة … وأخبرت الجميع أن مدينة “سبعة رجال” عرفت أزمة حادة في المواصلات بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف أعاده الله علينا وعليكم وعلى كل المسلمين باليمن والخير والبركات …

لقطة (2)صباح واجم حزين … نسائم بحرية منعشة تداعب الأشجار والـأعشاب المستقرة بوداعة وبراءة أمام مبنى البرلمان … أصحاب البدلات الزرق تتزايد أعدادهم باستمرار … كل يد تحمل هراوة … وعلى كل رأس واقية بلاستيكية شبيهة بتلك التي تبثها القنوات الفضائية … “إنجاز رائع، رجال أمننا لا يقلون جاذبية ولا عافية عن غيرهم في الدول الأوروبية والأسيوية…” …

تسربوا من بين أيديهم ومن خلفهم … وانتظموا بشكل مدهش مثير أمام بناية النواب المحترمين … كانت أعدادهم تتزايد في هدوء غريب مسكون بألف هاجس وألف سؤال … يتدفقون من كل الجهات أمواجا مضطربة صاخبة … ترتفع أصواتهم فجأة، صارخة، مدوية، مزلزلة السكون الحزين … “في المغرب عليك أمان … لا حكومة لا برلمان” … “الشواهد ها هي، والخدمة فين هي ؟! “… ارتفعت الأصوات … صفقت الأيدي … علا الصفير … وفجأة حمي الوطيس، سلت السيوف، كل السيوف … وبكت الأشجار لبكائهن وعويلهن … وانتحبت الأعشاب لنحيبهم واستغاثتهم …

مساء ذات اليوم …

فيما أصدر بيان يتحدث عن عشرات المصابين بجروح خطيرة … وعن حالات إغماء فظيعة … أصرت المذيعة الودود البشوش، أن تعيد على مسامع الشعب الكريم نشرة أمس … بعدما غيرت فستانها، وتسريحة شعرها … وكذا تاريخ اليوم …

لقطة (3)أعدوا سيارات الإسعاف … وضاعفوا عدد العصي والهراوات والهواتف المحمولة … وأعلنوا حالة طوارئ في المدينة كلها … ونصبوا بـ”أبي الجلود” منصة تليق بالمقام …

رفع عقيرته هو أيضا … أغمي على العذراوات، وعلى الأمهات، وحتى الجدات … والتمسوا لهن آلاف الأعذار … فقد غنى “للحب” في زمن عز فيه “الحب” … اهتزت قلوب … وارتعشت أطراف … وتحركت بطون وأرداف … تزاحمت المناكب … واشرأبت الأعناق متطاولة لرؤية طلعته البهية، ومحياه الوسيم … تشابكت الأيدي … وتمايلت القدود ذات اليمين وذات الشمال … وهتفت باسمه آلاف الحناجر: “كاظم … كاظم … آعد … آعد” … قبض على بعضهم وأودعوا السجن بتهمة الشغب والمس بالأمن العام …

وفي نهاية الحفل الساهر … وبعدما أضيفت أصفار عديدة إلى حساب رصيده البنكي … عبر له والي المدينة عن عظيم امتنانه لتلبيته الدعوة المباركة … وسلمه مفتاح العاصمة العلمية عربون مودة وتقدير وإجلال …

في صباح اليوم الموالي كتب أحدهم معلقا في إحدى الجرائد “… وحتى تعلم قيمة هذا المفتاح، فالآلاف منا لا يملكون مفاتيح ولا بيوتا تأويهم، وأنت ملكناك مفتاح مدينة بأكملها، فعد إلينا بعد سنتين ننتخبك على رأس مجلسها الجماعي، فلأنت خير لها ولنا ممن يهدرون أموالنا في مهرجانات النعيق وهز البطون، لكن عذرا “سيدي”، إذا عدت إلينا فلن نستقبلك ولن نقبل ترشيحك إلا ومفتاح بغداد معك”.

لقطة (4)أنشؤوا “المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان” … وطبلوا وزمروا احتفاء بعهد جديد عنوانه: التنمية والحرية والعدل وتصحيح المسار … عقدوا جلسات “الإنصاف والمصالحة” فأنصتوا لضحايا العهد البائد … وتباكوا تضامنا معهم … ومنحوهم أموالا تضميدا للجراح وتعويضا عن أيام سود رهيبة عاشوها في ضيافة السجان …

وحدهم رفضوا خدعة “العهد الجديد”، لم ينخدعوا ببريق العبارات، ولا برنين التعليقات …

وحدهم وقفوا هنالك في الأعالي … وقفوا في وجه التيار العاتي أقوياء في شموخ النسور وعزة الأسود، أوفياء للثوابت لا يتزحزحون عنها قيد شعرة …

وحدهم كانوا على يقين بأن الأمر مجرد مسرحية محبوكة … وأن الوضع القائم لن يختلف في شيء عن الوضع السابق والسابق والسابق والسابق… إلى عهد يزيد … وأن اللعبة مستمرة بإخراج جديد …

وحدهم على المحجة اللاحبة المستنيرة بنور النبوة … فلم الانخداع ؟! ولم الالتفات والارتعاد والانصياع ؟! ولم الحربائية ؟! ولم الضجر والبهتان ؟! والمطلوب أغلى ما عند الديان ؟!

والتجربة محك …

ذات يوم … سموه: “يوما عالميا لحقوق الإنسان” …

خرجوا منتظمين مسالمين في شوارع العاصمة … ورفعوا شعارات تنادي بالموت لإسرائيل … ولعملاء أمريكا … وترفض كل مشاريع التفقير والتجهيل والتفسيق والتخدير … تدخلت قوات الأمن … فرقت المتظاهرين والمتظاهرات، وأوقعت في صفوفهم إصابات بالغة لم ينقلوا على إثرها لأي مستشفى …

لم تحدث المذيعة الوديعة المشاهدين الأعزاء عن ذلك، في أخبار الثامنة والنصف مساء …