بسم الله الرحمن الرحيم. “واغفر لنا ربنا. إنك أنت العزيز الحكيم”. اللهم يا ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود، الركع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، وإنك تفعل ما تريد.

يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله عن طريق السلوك الصوفي: “كم فيها من قتيل وسليب وجريح وأسير وطريد!”. في اصطلاح الإسلاميين المعاصرين يعرف “المتساقطون في الطريق” بأنهم الذين نكصوا على أدبارهم وتخلوا عن الدعوة لأسباب الابتلاء الخارجي، أو لأسباب نفسية تنظيمية، أو لمجرد ملل أو شك في القيادة والمنهاج، أو استبطاءً للنتائج.

وإذا كان الصبر والمُثَابرة والاستمرار خصالا ضرورية في العمل الجماعي الجهادي فإنها أيضا ضرورية في سلوك طريق الولاية. على أن أسباب التساقط في هذه الأخيرة أوفر عددا وأعمق في الاعتبار.

إن الاستمساك بعروة الدين وسط الفتنة والغربة رجولةٌ لا يتحلى بها إلا الأقوياء ذوو العزائم والمضاء، سواءً في ذلك السائرون في الطريق الجماعية الجهادية أو في الطريق الفردية الصوفية. روى أبو داود والترمذي عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأَصحابِه: “فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبرُ فيهن كالقابض على الجمر. للعامل فيهن مثل أجْر خمسين يعملون مثل عملكم”. ورواه أيضا الطبراني وابن حبان وغيرهما فارتفع الحديث إلى درجة الصحة.

ضوعف الأجر بمضاعفة البلاء. وتعاظم الخطر في الطريق الصوفية لعلوِّ المقصد وطول الشُّقَّة وشروط الصحبة ودوام الذكر والحضور ومحاسبة النفس ودقة المعاملة مع الله عز وجل. ولئن كان المتساقطون في طريق الجهاد قد يلحقون بالمنافقين فإن المرتدين عن الطريق الصوفية والغاطسين في أوحالها قد ينزلقون من سكر الطريقة و”كفرها” إلى الزندقة والإلحاد كما انزلق الحلولية والاتحادية والإباحيون. قاتلهم الله، أنى يوفكون.

إن الاقتصاد في السلوك معناه السير الحثيثُ المتواصل بين طرفي الإفراط في الحماس الكاذب الذي يظهر على المبتدئين في السير ثم يخبو ويضمحِلُّ، وبين التراخي المالِّ المُمِلِّ الآئل إلى التوقف والفشل. هذان الطرفان المذمومان يُعَبِّرُ عنهما النطق النبوي بـ”الشِّرّة” و”الفَترة”.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لكل شيء شِرَّةً، ولكل شيء فَتْرَةً. فإنْ صاحِبُها سدد وقارب فارجوه. وإن أشير إليه بالأصابع فلا تَعُدُّوه”. أخرجه الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه ابن حبان.

السائر إلى الله عن طريق الولاية، كالسائر مع الجماعة في طريق الجهاد، يعتريه حماسٌ أحيانا فيشتد، ويعتريه الفتور لأسباب ظاهرة أو نفسية فيسترخي. فيقول الدليل الرباني محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الحالة وتلك: إن رأيتم المشتد والفاتر رجعا إلى استقامة مقتصدة قاصدة من بعد التطرف فارْجُوا للراجع نجاح القصد. أما إن خرج عن دائرة المحمود من السلوك المثابر وتمادى في مذموم الشرة والفترة حتى أصبح شاذا يشار إليه بالأصَابع ويعرف بتطرفه فلا تَحْسُبُوه من المفلحين.

عَقَدَ السائر مع الجماعة العاملة للإسلام عهدا مع الله عز وجل ومع أصحابه، وعَقَدَ طالب القربة من الله عز وجل خاطبُ مقامات الولاية عهدا. عاهد كل الله تعالى لينصرانِّ الله في أنفسهما أو في العالم. فنقضَ ذلك العَهْدَ سقوطٌ وسلبٌ نعوذ بالله من السقوط والسلب. وليس عامل من عوامل الفشل أبْلغَ هدماً للإرادات من النفس. ما كان من قتيل وجريح وساقط وسليب وطريد في طريق الله عز وجل فمن النفس المعتَرِكَةِ بين شهواتها وأنانيتها وبين المغريات الخارجية، بين ما عندها من قياس واستئناس وبين ما يدخل أو يخرج من عوائد الناس. قال الله تعالى: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك).(سورة النساء، الآية: 79)

الابتلاء الخارجي والاستفزاز الشيطاني ما هما إلا الجانبان الأضعفان في مُرَكَّب العقبة التي على المرء أن يقتحمها صُعُداً إلى رضى الله ومعرفته والوصول إليه. ووجود النزغات النفسية العدوَّة هو الذي يعطي للجهاد معناه وقيمته، ولنصر الله عز وجل عبده في معركة النفس والآفاق مغزاه ومداه. قال حكيم الصوفية الشيخ ابن عطاء الله: “ما توقف مطلب أنت طالبُه بربك، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك”.

عاهد الله كل من الملتزم مع الجماعة والمريد الطالب وجه الله عز وجل على الاستقامة في السير إلى ما رسمه كلٌّ من أهداف. الشرط على المبتدئ بالعهد الذي نذر نفسه لله تعالى الاستقامة، والشرط الذي أخذه الله عز وجل على نفسه ووعد بإنجازه لمن وفَّى هو الهدايةُ بمقتضى قوله عز من قائل: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا. وإن الله لمع المحسنين).(سورة العنكبوت، الآية: 29) صدق الله العظيم، ووثِقَ به سبحانه وصدَّقه وصدَقَه كل عبد ذي مَحْتِد كريم. وما خذلك في سيرك إلا نفسك، فانظر من أين أُتيتَ.

إن الصدق سيف الله في الأرض، والثقة به سبحانه زاد السائر السالك. فمهما أخلَّ العبد بشرط الصدق قطعه سيف الله، ومتى اختلت ثقته بِربه عز وجل سقط على أم رأسه.

أما إن وفَّى العبد بشرط الصدق فإن الله مع الصادقين. قال ابن القيم رحمه الله: “وهو (الصدق) سيف الله في أرضه، الذي ما وُضِعَ على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه. من صال به لم تُرَدَّ صولتُه. ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال، ومِحَكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال”.[1]

وأشد الأهوال مُظْلِماتُ النفس وتُرَّهاتُها وتعاظُمُها وكبرياؤها. يهون الحجاب الزمني أمام حاجِبِيَّتِها. وما أوقات العمر كلِّه إلا محطاتٌ لنزواتها وتحولاتها وتقلباتها. وما للسالك إلى الله عز وجل من راحة من أفعى نفسه حتى يخرج من سلطانها ويكسر سوْرَتها بمطرقة الذكر على سندان المخالفة والمحاسبة حتى تفيء إلى أمْر الله.

فإن فاءت فالصلح معها جائز على أن تقف في حدود الله، وتَفْسَحَ للقلب باب المعاملة الصادقة الواثقة معه سبحانه.

النُّقلة من المعاملة النفسية الملتوية إلى المعاملة القلبية المستقيمة نُقلة نوعية، نُقلة من أرض الوباء النفسي، أرض المزالقِ والمهاوِي والسقطات، إلى سماء الوفاء القلبيِّ. على أن النفس الأمارة بالسوء لا تُؤْمَنُ بَوائِقُها أبدا إلى أن تطمئن بالموتة المكتوبة فيقال للمُحسنات منهن (يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).(سورة الفجر، الآية الأخيرة)

قال الإمام الرفاعي في فقه المعاملة القلبية: “معاملة القلوب على عشر مدارج. أولها الخطرات، ثم حديث النفس، ثم الهم، ثم الفكر، ثم الإرادة، ثم الرضى، ثم الاختيار، ثم النية، ثم العزيمة، ثم القصد. حتى يبلغ إلى عمل الظاهر.

قال: “فمن حفظ معاملة القلب عند الخطرات فهو على مدارج الصديقين. ومن قام لله تعالى فحفظ معاملة القلب عند حديث النفس فهو على مدارج المقربين. ومن قام لله تعالى فحفظ معاملة القلب عند الهم فهو على مدارج الأوابين. ومن قام لله على حفظ معاملة القلب عند الفكرة فهو على مدارج المخلصين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند الإرادة فهو على مدارج المريدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند الاختيار فهو على مدارج المتقين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند النية فهو على مدارج الزاهدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند القصد فهو على مدارج المجتهدين. ومن قام لله فحفظ معاملة القلب عند عمل الظاهر فهو على مدارج العابدين من عامة الموحدين”.[2]

قلت، والبناء هرمي، إنما يبني في الهواء مَن لا أساس له من عمل الجوارح كما يعمل العابدون من عامة الموحدين. والصعودُ في هذه المدارج والمعارج قلبيٌّ يتقدم فيها القلب بخطى المعاملة اليقظة الوفية مع الله تبارك اسمُه، وليس للنفس الحابِطة الهابطة سيرٌ ولا دُروج ولا عُروج، ثَبَّطَها شِرْكها بالخَلق ومُراءاتها ونفاقها وشقاقها على المعالي.

قال الإمام عبد القادر: “كل البلايا والأمراض في شِرْكِكَ بالخلق، ورؤيتهم في الضّرِّ والنّفع، والعطاء والمنع. وكل الدواء وزوال البلاء في الخروج عن الخلق من قَلبِك، وعزمك عند نزول الأقضية والأقدار. وأن لا تطلب الرياسة على الخلق والعلو عليهم. وأن يتجرد قلبك لرَبك عز وجل، ويصفو سرُّكَ له، وتَعْلُوَ همتك إليه.

“إذا تحقق لك هذا ارتفع قلبك، وزاحم صفوف النبيئين والمرسلين والشهداء والصالحين والملائكة المقربين. وكلما دام لك كبُرتَ وعظُمْتَ ورُفِعْتَ وقُدِّمت وولِّيت وأُمِّرْتَ. تُرَدُّ إلى ما تُرَدُّ، تُوَلَّى ما تُوَلَّى، تُعْطَى ما تُعْطَى. المحروم من حُرِم سَمَاع هذا الكلام والايمان به والاحترام لأهله.

“يا مشغولين بمعايشهم! غِنَى المعيشة عندي! والأرباحُ عندي! ومتاع الأخرى عندي! وأنا منادٍ تارة، وسمسارٌ أخرى، ومالِكُ المتاع أخرى. أُعْطِي كل شيء حقه(…)

“كل من اطلع على كرم الله عز وجل لا تجد عنده بخلا. كل من عرف الله عز وجل هان عنده ما سواه. البخل من النفس، ونفس العارِفِ ميّتة بالاضافة إلى نفوس الخلق. هي مطمئنة إلى وعد الله عز وجل خائفةٌ من وعيده.

“اللهم ارزقنا ما رزقت القوم، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار”.[3]

قلت: تُرى من هذا الذي يقول: أنا! وعندي! ما هو طَبْلٌ أناني فارغ، بل هي والله نفس عارف بالله جلت عظمته، لا يَعظُم في عينه شيء غيرُ الله، وما ينادي ويُسَمْسر في بضاعة غير بضاعة الله.

قال الإمام الشافعي يصف أهوال الطريق إلى سُعادِ السعادة:مستعجم السر صامت ذاكر *** منعجم الأمر غائب حاضـر

منقبـض في الغيوب منبسطٌ *** إذا بدا الغيب مُطرقٌ ناظـر

تراه تحت السكوت منطرحا *** كذاك من كان عارفا ذاكـر

يرقد في ليله بـلا سِنَــةٍ *** فهو مدى الليل راقدٌ ساهر

يُؤْيِسُه الظن ثـم يُطْمِعـه! *** فمـن رأى قَطُّ آيِسا ظافـر!

وقلت:كم ساقـط و جريـح *** على الطَّريق المَخُوفْ

في البَرِّ وعْرُ البَوادي *** وفي البُحورِ الحُتوفْ

ما لِلوصـول سَبيـلٌ *** إلاَّ بِخـلٍّ عَـطـوفْ

الهوامش:

[1] مدارج السالكين ج 2 ص 368.

[2] حالة أهل الحقيقة مع الله ص 168.

[3] الفتح الرباني ص 71.